أكد أن الصدق ومحبة الناس أساس المهنة

حاجي يوسف الحمادي.. إماراتي يروي حكاية 56 عاماً في مهنة الدلالة    

صورة

قبل زمن الوفرة والملايين، ومنذ أن كانت القدم المربعة بدراهم معدودة، عايش حاجي يوسف إبراهيم الحمادي تفاصيل مهنة الدلالة، التي بدأ ممارستها قبل 56 سنة في الشارقة، حين كانت تعتمد على العلاقات المباشرة ومعرفة الناس ومواقع الأراضي، إذ انطلقت مسيرته في 1970، وبناها على الثقة، مؤكداً في حواره مع «الإمارات اليوم» أن أكثر ما يعتز به في تجربته الطويلة ليس حجم العوائد التي جناها أو الصفقات الكبيرة، وإنما الصدق، ومحبة الناس له عندما كانوا يتبعون نصيحته، وبعد أعوام يعودون إليه ليخبروه بأنهم استفادوا مما أسداه إليهم من نصائح.

وقال الحمادي (75 عاماً) إن الدلالة في بداياتها لم تكن تعرف المكاتب أو المحال المتخصصة، إذ كان الناس يلتقون في البلدية والأسواق وأماكن تجمعهم، خصوصاً بعد صلاتي العصر والمغرب، ويتبادلون أخبار الأراضي والعقارات. وأضاف أن صاحب الأرض أو العقار الراغب في البيع كان يعرض ما لديه، فيما كان الباحث عن عقار يتوجه إلى الدلال ويخبره بما يريد، لتبدأ مهمة البحث والتوفيق بين الطرفين.

ورأى أن الفارق بين الشارقة في سبعينات القرن الماضي واليوم كبير جداً، فكثير من المناطق التي كانت تبدو آنذاك أراضي شاسعة وبعيدة، لم يكن أحد يتصور حجم العمران الذي ستشهده لاحقاً.

وتابع: «كنت دائماً أنظر إلى الأراضي الشاسعة التي تحيط بالشارقة بنظرة تفاؤل، وأقول إنه سيأتي يوم وتمتلئ بالعمران والبنايات وكل شيء، وكانت النصيحة للناس عنواني الأساسي».

الصبر والثقة

وأكد الحمادي: «الصبر والصدق والثقة كانت عوامل أساسية في استمرارنا بهذا العمل، إذ كنا صبورين جداً، ولم نكن نفكر سوى في أن علينا العمل وانتظار التوفيق الرباني، وكنا نثق بذلك كثيراً».

وأفاد بأن أسعار الأراضي في بدايات عمله كانت تراوح تقريباً بين درهمين وخمسة دراهم للقدم المربعة، قبل أن ترتفع في مراحل لاحقة إلى مستويات أكبر بكثير، مستعيداً بعض الصفقات التي عاصرها وشهدت تغيرات كبيرة في قيمة العقارات مع مرور السنوات، ومن أبرز الصفقات التي بقيت في ذاكرته بيت بلغت قيمته في البداية نحو خمسة ملايين درهم، قبل أن تصل قيمته لاحقاً إلى قرابة 25 مليون درهم، علاوة على حالات مشابهة كثيرة خلال سنوات عمله الطويلة، واستطرد: «لقد أنجزت صفقات كثيرة، ولا توجد منطقة في الشارقة إلا وكان لي دور في الدلالة فيها».

النصيحة أولاً

وشدّد الحمادي على أن دوره لم يكن يقتصر على إتمام الصفقة، بل كان يرى أن الدلال مطالب بتقديم النصح والإرشاد للمتعاملين معه، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤوليته المهنية والأخلاقية، إذ كان يتعامل مع أشخاص تختلف ظروفهم وقدراتهم المالية، وفي بعض الحالات لم يكن يحصل على أتعابه كاملة، وأحياناً كان يتنازل عنها، خصوصاً عندما يرى أن الطرف الذي يتعامل معه يحتاج إلى المساعدة.

وأكمل: «كنت أنصح بعضهم بالتريث وعدم الاستعجال في البيع عندما أرى أن العقار قد تتغير قيمته مستقبلاً، وكنت أقف إلى جانب الناس، وأتخلى عن الفائدة الشخصية من أجل المصلحة لهم، وهذا أيضاً من أسرار الاستدامة في مهنة الدلالة، وهذه روح أهل المجتمع».

تطور

واعتبر الحمادي أن طبيعة الدلالة الأساسية لم تتغير، لكن أدواتها وآلياتها شهدت تطوراً كبيراً، فالدلال في الماضي كان يضطر إلى الذهاب بنفسه إلى موقع الأرض، وشرح تفاصيلها للمشتري، بينما اليوم توجد الخرائط الحديثة ووسائل التوضيح التي تخفف من الجهود التي كان يقوم بها الدلال، منوهاً بأن تعدد أنواع العقارات، وتغير قيمها، واتساع الطلب عليها، انعكس على حجم العمل وطبيعته، كما أن انتقال الدلالة من اللقاءات المباشرة إلى المكاتب أسهم في تنظيم المهنة وتطوير تجربة المتعاملين.

ومع اتساع نطاق عمله، انتقل الحمادي في مرحلة لاحقة إلى العمل من خلال مكتب، بعدما أصبحت طبيعة العمل تحتاج إلى مساحة أكثر تنظيماً لاستقبال المتعاملين ومتابعة عمليات البيع والشراء.

وبيّن أن أكثر ما بقي مؤثراً في تجربته لم يكن حجم الصفقات أو العوائد، وإنما محبة الناس له عندما كانوا يتبعون نصيحته، ثم يعودون إليه بعد سنوات ليخبروه بأنهم استفادوا من توجيهاته.

وذكر أن ظهور الهواتف المتحركة وفضاءات التواصل الاجتماعية وغيرها من الوسائل الحديثة، أسهم في تغيير طريقة ممارسة المهنة، وجعل الوصول إلى المعلومات والتواصل بين الأطراف أكثر سهولة، مع اتساع حركة العمل وتعدد أدواته.

امتداد عائلي

وانتقلت خبرة الحمادي إلى أبنائه، إذ تعلم ابنه خالد المهنة منه، وعمل فيها طوال حياته إلى جانب عمله الرسمي، قبل أن يتفرغ لها عقب تقاعده.

وأكد خالد أنه تعلم من والده الكثير من مبادئ الدلالة، وأسلوب التعامل مع الناس، إذ إن التجربة التي عاشها والده على مدى عقود شكلت بالنسبة إليه مدرسة عملية في التعامل والثقة وتحمل المسؤولية.

ولم تتوقف الحكاية عند الأبناء، إذ يتطلع الحفيد سلطان الحمادي، البالغ من العمر 10 سنوات، إلى إكمال تعليمه والنجاح في حياته الاجتماعية والمجتمعية، والاستفادة من تجربة والده وجده، مع إمكانية دخوله مجال الدلالة مستقبلاً.

أما الحفيد ماجد الحمادي، فيحلم بأن يصبح طياراً، لكنه يرى أنه قد يمارس الدلالة أيضاً إذا سمح له وقته بذلك، في صورة تعكس استمرار ارتباط الأسرة بالمهنة، حتى مع اختلاف طموحات أفرادها.

الأمانة

وذكر الحمادي أن أهم ما تعلمه خلال أكثر من خمسة عقود من العمل، هو أن الأمانة والصدق والثقة والإيثار ليست قيماً منفصلة عن المهنة، وإنما هي أساس استمرارها. وأوضح أن التجربة أثبتت له أن الناس لا يتذكرون الصفقة فقط، بل الطريقة التي تعامل بها الدلال معهم، ومدى صدقه في النصيحة ووقوفه إلى جانبهم، خصوصاً في الظروف التي كانت تحتاج إلى الصبر والتريث.

وأشار إلى أنه حرص على نقل هذه القيم إلى أبنائه، حيث كان دائماً يشجعهم على أن يكونوا أصحاب مهارات متعددة، وألا يجعلوا الدلالة عائقاً أمام العمل في مجالات أخرى.

واستطرد: «كنت دائماً أوصي أبنائي ومن حولي بأهمية أن يكون الإنسان متعدد المواهب، لأن الدلالة لا تتعارض مع أن يكون الشخص مهندساً أو موظفاً أو يعمل في أي جانب مهني، ويمكنه أن يجمع بين المهارتين».

رسالة إلى الجيل الجديد

وجّه حاجي يوسف الحمادي رسالة إلى الأبناء والأحفاد والجيل الحالي قائلاً إن «استمرار مهنة الدلالة لا يرتبط بالأدوات الحديثة وحدها، وإنما بالقيم التي تقوم عليها، ورسالتي إلى أولادي وأحفادي والجيل الحالي أن عليهم الاستمرار في تعزيز الثقة بالناس، وتقديم الدعم لمزيد من النجاح».

• منذ سنوات بعيدة كان الحمادي ينظر بتفاؤل إلى الأراضي الشاسعة التي تحيط بالشارقة، ويقول إنه سيأتي يوم وتمتلئ بالعمران.

• 1970 العام الذي بدأ فيه الحمادي مسيرة «الدلال».

• الدلالة لا تتعارض مع أن يكون الشخص مهندساً أو موظفاً أو يعمل في أي جانب مهني، ويمكنه أن يجمع بين المهارتين.

تويتر