نهج في الأدب والسينما

قيس الزبيدي

 

في كتابه الصادر عن دار الفارابي بيروت/1999 يرجع الدكتور أحمد عُلبي في فحص مصطلح (METHODE) إلى المنهج والمنهجية في اللغات الأجنبية، ويجد أن تعبيرهما يعني ما عناه المصطلح العربي، الذي يعرفهما وفقاً لمعناهما المُحدث بأنهما الطريق الواضح الذي يسلكه المرء في بحثه الأدبي، مسلحاً بجملة من المبادئ والتقنيات، لبلوغ الحقيقة المطلوب تبيانها والوصول إليها. وكما جاء في «لسان العرب» فإن النهج هو الطريق المستقيم والبيّن الواضح، وفي مطلع قصيدة لابن الرومي طويلة نقرأ:

أمامك فانظر أي نهجيك تنهجُ؟

طريقان شتى: مستقيم واعوجُ

وصار للمنهج في الميدان العلمي معنى السير المنطقي للعقل لبلوغ المعرفة أو للبرهنة على الحقيقة. وكما يبين ديكارت في «خطاب في المنهج» الطريقة التي يجب على كل إنسان سلوكها، لكي يُحسن قيادة عقله. ويؤسس لمنهج يعوّل، علمياً، على التجربة، فلا يكفي «أن يكون الفكر جيداً وإنما المهم أن يطبّق تطبيقاً حسناً».

ويستند منهج ديكارت إلى قواعد أربع: قاعدة البداهة وتقوم على الإدراك المباشر. وقاعدة التحليل وتقوم على ما يمكن أن نسميها الآن التفكيك، أي تقسيم أي مقولة، أولاً، إلى عدد من الأجزاء الممكنة واللازمة لحلها. وقاعدة التركيب وتقوم، ثانياً، على ترتيب الأفكار للانطلاق من الأمور البسيطة والتدرج منها في الطلوع تدريجياً إلى معرفة أكثر تركيباً. وقاعدة الاستقراء وتقوم على مراجعات عامة لكلية الأجزاء بحيث لا تغفل شيئاً منها.

أيضاً يعدد تيموثي كوريغان في مؤلفه «كتابة النقد السينمائي» ستة مناهج: الشكلي ويُعنى بتحليل العناصر الفنية في الفيلم، والتاريخي ويعنى بإيجاد أوجه الشبه الأسلوبي عند مخرج الفيلم، والقومي ويعنى بالبحث في الخلفية الحضارية والثقافية التي تؤثر في مضمون الفيلم وشكله، والأنواعي ويعنى بأساليب وأساطير أفلام الخيال العلمي مثلاً أو يتصدى لأجناس فنية معينة في الأفلام. والإخراجي ويعنى بأسلوب مخرج الفيلم وتطور أساليبه، والأيديولوجي ويعنى بتفسير الفيلم وعلاقته بالبنية الفوقية للمجتمع.

ونحن لا نجد هذه المناهج منفردة، إنما متداخلة، غالباً، في أساليبها بدرجات متفاوتة، وذلك لا يعني طبعاً أن المناهج وأنواعها تظل ثابتة، إنما نجدها تواكب معارف العلم وتتجدد معه، لأن أدوات العلم تتغير وحاجاته تتطور.

على هذا نجد، حسب رولان بارت، أن أي منهج في كتابة النصوص، التي تتفاعل مع غيرها من النصوص، ينتقل إلى مجال تناصي ينطوي على مستويات أركيولوجية مختلفة، تذوب في كلية أنا الكاتب، الذي يتعامل مع النص.

فالتناص إذن بؤرة مزدوجة، إنه يلفت اهتمامنا إلى نصوص غائبة وسابقة، ويكشف لنا خطأ الاعتقاد باستقلالية النص. فالتناص، كما بلورت مفهومه جوليا كريستيفا، هو: «فسيفساء من نصـوص أخرى أدمجت فيه وانسجمـت مع فضـاء بنائـه بتقنيـات وبكيفيـات مختـلفة».

ويحذر الدكتور عُلبي الكُتّـاب من «التفكير بعقول الغير» رغم أنه يقبل أن يأخذ أحدنا عن غيره، بحيث يعمل عقله في ما أخذه، على أن يكون ما يأخذه من وجهة نظر نقدية.

ومن الطريـف هنـا أن نتذكـر جملـة بريشـت البليغـة: «أنا أفكر برؤوس الآخرين، والآخرون يفكرون برأسي، وهذا هو التفكير الصحيح».

 

 

alzubaidi@surfeu.de

طباعة