ماذا لو أصبحت «العربية» لغة الشاشة والمدرسة؟

عضو المجلس الوطني الاتحادي

مريم بن ثنية

حين يفكر أبناؤنا في اللغة العربية، تتبادر إلى أذهانهم صورة الكتاب المدرسي، لكن أبناءنا اليوم يعيشون في عالم الشاشات والجداول الدراسية أكثر من عالم الكتب. فماذا لو كان السؤال ليس كيف نُبقي أبناءنا قريبين من العربية؟ بل كيف نجعلها حاضرة في كل شاشة يلمسونها، وكل حصة يدرسونها؟

وقبل البحث عن الحلول، يستحق الأمر صدقاً لطيفاً مع أنفسنا، فكثير من تعثّر أبنائنا لم يكن بسبب نقص الفرص، بل لأننا استسهلنا التخاطب معهم بلغات أخرى لأنها أسرع وأقل جهداً، واستثقلنا المثابرة على جعل العربية لغة حديثنا الأساسية. ويضاف إلى ذلك أن اختيارنا المدارس الخاصة، حرصاً على مستقبلهم، جعل الإنجليزية لغة التدريس الأساسية، فأصبحت العربية حصة من بين حصص كثيرة، لا اللغة التي يُفكَّر بها طوال اليوم. هذا لم يكن تقصيراً منّا، بل حرصاً بدا الأنسب في حينه، لكنه ترك أثراً على مكانة لغتهم الأم. وهذا الاعتراف ليس لوماً لأنفسنا، بل هو ما يفتح الباب أمام التغيير.

من هنا، ماذا لو أصبحت العربية مادة أساسية حقيقية في مناهج التعليم الخاص، لا مادة إضافية تُدرَّس على هامش المنهج؟ ماذا لو حظيت بالحضور اليومي نفسه الذي تحظى به اللغة الأساسية للتدريس، بدل أن تبقى حصة أسبوعية متقطعة يعود فيها الطالب كل مرة من نقطة البداية؟ هذا لا يعني التخلي عن جودة التعليم الذي تقدّمه المدارس الخاصة، بل أن تتّسع هذه الجودة لتشمل اللغة الأم بالجدّية نفسها.

ودور المدرسة، مهما اتّسع، لا يكتمل وحده، كما لا يكتمل جهد الأسرة وحدها. ماذا لو تكاملت المؤسسة التعليمية مع البيت والمجتمع في مشروع واحد مشترك، بحيث يرى الطالب أن العربية ليست مادة ينتهي حضورها بجرس الحصة، بل لغة تخاطب يومية يعيشها في كل مكان؟

وهنا يأتي دور العالم الرقمي الذي يعيش فيه أبناؤنا أصلاً. والحقيقة المشجّعة أن المحتوى الرقمي العربي يتطور بسرعة، قنوات أطفال بالعربية الفصحى المبسّطة، ألعاب تعليمية تفاعلية، ومساعدات صوتية ذكية تفهم اللهجات المحلية وتتحدث بها بطلاقة. فماذا لو جعلنا اختيار هذا المحتوى قراراً أسرياً واعياً يكمل ما تبنيه المدرسة، وليس أمراً يُترك للمصادفة؟

نحن أمام فرصة نادرة، جيل يتقن التقنية بفطرة، ومنظومة تعليمية قادرة على جعل العربية حاضرة كل يوم، وأسرة قرّرت التوقف عن استسهال الطريق الأسرع، وتختار المثابرة على الطريق الأصح. فماذا لو بدأنا اليوم، بقرارنا نحن أن نتحدث العربية أكثر، مهما بدا ذلك جهداً في البداية؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

تويتر