شخصيات أدبية احتلت الشاشة

 

لايمكن لأي قارئ أو مولع بالأدب تجاوز أربع شخصيات شكلت الأرضية الرئيسة لمفهوم الشخصية المتناغمة مع العمل الأدبي، وذات الأبعاد الشاسعة اللامتناهية بالنسبة إلى السمــة التي حملتها، وأقصد بالشخصيات الأربع السابقة الذكــر، أوديب سوفوكليس وما ارتبط بهــذه الشخصية من قراءات كانت ســندا للقدرية والأعماق النفسية التي تؤســس للانسان، وهاملت شكسبير باعتباره التكــثيف الأعمق للشك وأسئلة الانسان الوجوديــة، وفاوست غوته كونه مجازا للصـــراع المرير بين الخير والشر، ورابعا دون كيخوته بوصفــه الملاحق الأكبر للوهم، للبطولة التي صاغها سرفانتس بوصفها التوصيف الأكبر للوهم الانساني.
 
الشخصيات الأربع كانت ومازالت محورا لإعادة القراءة والبحث في أبعادها إلى ما لانهاية والتي مازالت متواصلة إلى الآن، واختيارها لا يلغي شخصيات محورية أخرى في تاريخ الأدب العالمي، لكــن يأتي أيضا من أن الأكثر جهــلا في الأدب وفنونه سيكون قد سمع بها على الأقل أو بواحدة أو اثنتين منها.
 
وعليه من البديهي أن تكون السينما أيضا منغمسة في هذه الاحتفالية المتكررة بتلك الشخصيات والتجديد الدائم لحضورها في كل عصر من العصور، فيكفي أن نقول هاملت حتى تمطر الأفلام من كل حدب وصوب، دون أن نأخذ بالتلفزيوني، وليتبادر إلى الذهن فيلم «هاملت» للورنــس أوليفير عام 1948 وهاملت بيل كورليــان وجون غيلغود عام 1964، وهاملت فرانكو زافريلي 1990، وصولا إلى آخر فيلم حمل هاملت من المسرح إلى الشاشــة وهو فيـــلم المخــرج المهووس بشكــسبير كينث براناه الذي امتد لما تجـــاوز 240 دقيقة في محاولة منــه، لئلا يفوته حرف واحــد من مسرحية شكسبير.
 
وشبيها بهاملت يأتي دون كيخوته مع جورج وليهلم بايست 1933 وغريغوري كوزنتسيف 1957، وكذلك الأمر مع الفيلم الذي أخرجه كل من كيث تولتون ولويس بيب وحمل عنوان «ضائع في لامنثا» في رؤية معاصرة تسلط الضوء على مهووس بدون كيخوته يعتقد أنه قتل غير مصدق موته على فراش المرض وموصيا بألا يقرأ أحد من بعده روايات الفروسية التي أثرت فيه أيما تأثير، وليمضي طوال الفيلم باحثا عن الذي قتل دون كيخوته.
 
أما الدكتور فاوست فيحضر كما قدمه ريتشارد بيرتون في فيلمه «دكتور فاوست» 1967،حيث قدم فاوست تمثيلا وإخراجا، كما أن فاوست جسد سينمائيا من خلال رائعة المخرج فرانز سينز وقدم برؤية لها من العمق، ما بدا جليا من بصمات الروائي الألماني الكبير توماس مان الذي أعد مسرحية غوته لهذا الفيلم.  استحضار أوديب سينمائيا كان أكثر اتصالا بعلم النفس وعقدة أوديب كما قدمها سيغموند فرويد، الأمر الذي لم يفارق حتى فيلم بازوليني الشهير «عقدة أوديب» الذي أخرجه عام 1967 وكان استرجاعا  لمسرحية سوفوكليس، لكن بعد ربطه بمحرضات هذه الاستعادة أي من خلال غيرة الأب من تعلق الابن بأمه، وعليه يعود في الزمن إلى قصة أوديب ما قبل الميلاد.
 
الأمر نفسه قدمه وودي آلان في فيلمه المشترك مع مارتن سكورسيزي وفرانسيس كوبولا «قصص من نيويورك» حين قدم قسمه الخاص تحت مسمى «عقدة أوديب» راويا كيف أن أمه لا تفارقه حتى بعد مماتها، والتي مازالت تتعقبه في كل تصرف من تصرفاته وتتدخل في كل تفاصيل حياته، الشيء نفسه لا يفارق فيلم مارك لافيا «تفجير أوديب».

يبقى أن نؤكد أن الأفلام التي وردت هي غيض من فيض، وانتقاؤها أهمل ربما أفلاما كثيرة مهمة، لكن الأمر إن تعلق بهذه الشخصيات فإن السينما ما زالت مشرعة أبوابها أمامها، رغم أن أقل شخصية منها قد أحيط بعشرة أفلام سينمائية هذا عدا التلفزيونية وأفلام الرسوم المتحركة.

يعرض قريباً في دور العرض المحلية فيلم «ذا سافيغز» (عائلة سافيغز) الذي يحكي قصة جون وويندي وهربهما من الذكريات المؤلمة التي زرعها والدهما فيهما، وتخليهما عن كل مشاعرهما السلبية اتجاهه تحت نداء الواجب، المتمثل بضرورة العناية به كونه أصبح عجوزاً مريضاً، واحتمالهما شتى أنواع المشاكل من جراء ذلك.
 
الفيلم من إخراج تمارا جنكيز وتمثيل لورا ليني وفيليب سيمور هوفمان.