غياب الشفافية وضبابية فك الارتباط بالدولار دفعا الأجانب إلى الهروب

 
حذَّر محللون وخبراء ماليون من أن أسواق الأسهم المحلية بدأت تفقد بريقها أمام البورصات الخليجية والعربية الأخرى بسبب عيوب ظهرت فيها أخيراً، أهمها شح السيولة وغياب أساليب الإفصاح والشفافية في التعاملات.

 

وقالوا «إن الأنباء التي ترددت حول اختيار بورصة لندن لـ«سوق الدوحة للأوراق المالية» لتحديثه وجعله نموذجاً للأسواق المالية يتطلب تضافر جهود الجهات الرسمية كافة من أجل إعادة السوق الإماراتي لمكانته كسوق دولي صاعد».

 

وأشاروا إلى ضرورة تفعيل مبدأ المواطنة الاقتصادية بين الخليجيين تنفيذاً لقرار قمة دول مجلس التعاون الخليجي، بمعنى تطبيق المساواة التامة وتبسيط إجراءات فتح وتأسيس المحافظ الاستثمارية، وأيضاً حسم قضية مستقبل سياسة سعر صرف الدرهم وفكّ ارتباطه بالدولار الأميركي حرصاً على عدم فقدان ثقة المستثمرين، خصوصاً الأجانب الذين يبحثون عن الأسواق ذات التاريخ الممتد من المصداقية والاستقرار في السياسات، والذين بدؤوا بالفعل بمغادرة الأسواق المالية المحلية.

 

ضياع الفرصة
وأفاد مدير قسم الأبحاث والدراسات في شركة «الفجر للأوراق المالية»، الدكتور محمد عفيفي، بأن «الأسواق المحلية بدأت تفقد الكثير من رونقها وفرصها في أن تتبوأ مكانة متميزة بين الأسواق الخليجية، وبات من الصعب عليها الاستمرار في مسارها نحو التحول إلى سوق مالي إقليمي في ظل اختفاء السيولة النشطة والحد من تداولات المضاربين اليوميين بالتزامن مع التطبيق التدريجي لنظام فصل الحسابات عن نظام التداول بالهامش».

 

وأضاف «يدعم ذلك الافتراض ما تم تداوله من أخبار عن اختيار بورصة لندن لسوق الدوحة للأوراق المالية لتحديثه وجعله نموذجاً للأسواق المالية في المنطقة، الأمر الذي يفرض تحديات كبيرة على الجهات الرقابية على الأسواق المالية وكذا على إدارات الأسواق المالية في الإمارات بشأن كيفية إعادة الأسواق الإماراتية إلى مسارها الصحيح من أجل تحقيق الهدف الاستراتيجي للسوق الإماراتي كسوق دولي صاعد».


واستطرد عفيفي «ليس ذلك بمستغرب، فقد شهدنا خلال الأسبوع الماضي الإعلان عن إجراءات غير مسبوقة للحفاظ على مسار الأسواق المالية الأميركية والدولية بعدما أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أنه سيضخ ما يصل إلى 200 مليار دولار إضافية في أسواق الائتمان المتأزمة ضمن تحرك منسق مع بنوك مركزية أخرى، الأمر الذي يشير إلى مدى الأهمية القصوى التي تشكلها الأسواق المالية للحكومات وكيف يكون التدخل لزاماً من أجل الحفاظ على أداء هذه الأسواق».

 

ترتيب الأولويات
ودعا عفيفي الجهات الرسمية إلى أن تعيد ترتيب الأولويات في ما يتعلق بالسياسات الواجبة التطبيق، وأن تركز أكثر على محاور تنظيم الشراء بالهامش وتحسين ورفع درجة الشفافية في الأسواق، وقال «ليس من المعقول أن تستمر الممارسات السلبية التي تعتمد على الغموض وعدم الوضوح دون تدخل واضح وفعال من جانب الجهات الرقابية، فعلى سبيل المثال نجد سهماً مثل سهم «آبار» ينخفض بنسبة تفوق 10% خلال يومين فقط بدعوى موافقة الجمعية العمومية للشركة على بيع استثمارها الرئيس دون محاولة مطالبة الشركة بالإفصاح عن خططها المستقبلية بشأن نشاطها الرئيس بعد ذلك البيع، خصوصاً مع التأثير السلبي الكبير الذي سببه ذلك الغموض وعدم الإفصاح، ونعتقد أن الإفصاح عن الخطط المستقبلية للشركة ومقترحات مجلس إدارتها عن التوزيعات من الأرباح قد يكون له مردود قوي على السهم، ولكن بعد أن خسر من خسر وربح من ربح من هذا الغموض الذي تضاعفت آثاره بإعادة نشر تقييم سلبي قديم نسبياً لشركة «آبار» أعدته إحدى الشركات التي لها محافظ وشركة خدمات مالية تعمل في السوق المحلي في هذا التوقيت الحساس، وفي الوقت ذاته كان سهم «شعاع كابيتال» يرتفع بنسبة 14.25% دون إفصاح كافٍ عن أسباب ما يحدث».


واختتم عفيفي بالمطالبة بأن تكون هناك سياسة واضحة في ما يتعلق بمستقبل سياسة سعر صرف الدرهم مقابل الدولار الأميركي؛ لأن هذا التأرجح في الأقاويل يسبب الكثير من الضعف للأسواق ويؤدي إلى فقدانها لثقة المستثمرين، خصوصاً الأجانب الذين يبحثون عن الأسواق ذات التاريخ الممتد من المصداقية والاستقرار في السياسات».

 

تأثير نفسيّ
من جانبه قال الخبير الاقتصادي، الدكتور همّام الشمّاع، «إن أداء الأسواق الإماراتية شهد تحسناً يوم الأربعاء إثر الأخبار المتعلقة بقيام البنوك المركزية في بعض البلدان الغربية بالتنسيق مع «الفيدرالي الأميركي» لمعالجة نقص السيولة في الأسواق، والذي حدث بسبب أزمة الرهن العقاري، حيث أثرت هذه الأخبار نفسياً على المتعاملين في الأسواق المحلية خصوصاً أن هذا التأثير جاء بعد عدة أيام من التماسك والتراجع في المؤشر العام لسوق الإمارات». وأضاف: «إن التفاؤل الذي ساد في بداية جلسة الأربعاء وأدى إلى ارتفاع المؤشر بأكثر من 120 نقطة في «سوق دبي» ونحو 30 نقطة في «سوق أبوظبي» خلال أول ربع ساعة، لم يلبث أن اصطدم بجدار شح السيولة الناجم عن استمرار تأثير قرار الهيئة بفصل الحسابات حيث تباطأ التداول حجماً وقيمة بعد ذلك، فلم تزد قيمة التداول في نهاية الجلسة على 1.8 مليار درهم وهو مبلغ قليل قياساً على ما اعتدنا رؤيته عندما يرتفع السوق إلى مثل هذه المستويات، لتعاود الأسواق بعد ذلك في يوم الخميس مسيرة التباطؤ مجدداً حيث تراجعت قيمة التداولات إلى مستويات غاية في التدني، بعد أن ساد الأمل في أن التحسن بات قاب قوسين أو أدنى بتأثير العوامل النفسية المرتبطة بالأسواق العالمية».

 

بدائل للتعويض
وتابع الشماع: «لم يعد هناك أدنى شك بأنه لابد من اتخاذ إجراءات معوضة لشح السيولة لإعادة النشاط إلى الأسواق التي كانت قد دخلت في غيبوبة عميقة بعد قرار فصل الحسابات». محدداً البدائل التي يمكن أن تعوض السيولة الورقية التي كان يولدها التداول على المكشوف الذي تمنحه شركات الوساطة في تفعيل مبدأ المواطنة الاقتصادية أولاً، وذلك تنفيذاً لقرار قمة دول مجــلس التعاون الخليجي، بمعنى تطبيـق المساواة التامة وتبسيط إجراءات فتـح وتأسيس المحافظ الاستثمارية وذلك قبل انتظار إصدار قرارات جديدة تنظم إجراءات البيع على الهامش. 


ولفت إلى أنه «في جانب تفعيل قرار قمة الدوحة الخاص بمبدأ المواطنة الاقتصادية فإن معظم الشركات التي لا تسمح لغير مواطني دولة الإمارات بالتداول عليها لا تزال غير ممتثلة لهذا القرار السيادي، الذي يمكن أن يضيف سيولة خليجية تسهم في رفع مستوى التداول من حيث الحجم والقيمة، كما أن هناك العديد من الشركات التي يتم حالياً تداولها على مضاعفات ربحية منخفضة يمكن أن تستقطب سيولة خليجية تسهم في رفع مستوى السيولة في السوق وتعيد حالة الانتعاش إليه».

 

من جهته قال العضو المنتدب لإحدى شركات الوساطة المالية، طلب عدم الكشف عن هويته، «إن أسواق الأسهم الإماراتية فقدت بريقها حتى بالنسبة للمستثمرين الإماراتيين أنفسهم وذلك أمام بورصات خليجية وعربية أخرى». 

 

وأضاف: «إنه في ظل حالة الركود المميت وشح التداولات وتوالي انخفاضات الأسهم في أسواق المال الإماراتية فضل عدد من أصحاب المحافظ المالية الكبيرة نسبياً تقليل وزن الأسهم الإماراتية في محافظهم وتوجيه الجانب الأكبر من استثماراتهم إلى بورصات مجاورة، خصوصاً البورصة المصرية للاستفادة من الصعود الحادث فيها».


وأشار إلى أن «غياب الشفافية سواء في ما يتعلق بالتعاملات التي تتم في الأسواق المالية المحلية وفي افصاحات الشركات وكذا عدم اتضاح الرؤية حول التوجهات والسياسات المالية المتعلقة بفك الارتباط بين الدرهم والدولار كانت من أهم العوامل التي دفعت الأجانب للهروب من الأسواق الإماراتية بدليل زيادة تعاملات بيعهم على تعاملات الشراء طوال الأسابيع الماضية».

 

 

سعر الصرف 
 قال الخبير الاقتصادي الدكتور همام الشماع إن:«الأسواق بحاجة إلى حسم موضوع ربط الدرهم بالدولار الذي لا يزال معلقاً منذ أكثر من ستة أشهر تباينت خلالها المواقف بين نفي قاطع وبين تلميح إلى إمكانية الفك، وصحيح أن هذا التباين جاء للتخفيف من المضاربات ولكن من الصحيح أيضاً أن هذه المضاربات ما كان لها أن تحدث لولا تسريبات كانت الأساس الذي استندت إليه تلك المضاربات، وقد تكون أسهمت في استقطاب سيولة غير معروفة الحجم «بسبب قيود المركزي الإماراتي على مكاتب الصرافة ومنعها رسمياً من تداول العملة خارج حدود السعر الثابت للعملة بالدولار» لبيع وشراء العملة، خصوصاً أن الفروقات السعرية في الصرف للدرهم والدولار أصبحت مغرية ومربحة وبما يجعلها تسحب سيولة من السوق المالي الذي لم يعد يستجيب للتقلبات اليومية التي يحتاجها المضاربون، الذين قد يكون جزء مهم منهم قد تحول للمضاربة في سوق العملة، بسبب وقف الشراء على المكشوف». 

 

وأشار إلى أنه «في ما يتعلق بجانب حسم موضوع قيمة الدرهم ومسألة فك الربط مع الدولار، فالأمر لا يستحق كل هذا التأخير والتأني في موضوع باتت كل أبعاده معلومة من حيث الآثار والنتائج. فهو بالتأكيد سيحد من المضاربات التي أضرت بسيولة السوق المالي ناهيك عن إضرار  التضخم بالأسعار التي تجاوز فيها الرقم القياسي لأسعار المستهلك نسبة 20%، وفقاً لما ذكره وزير الاقتصاد، وكذا الأداء السيئ للأسواق المالية والذي نجم عن إجراء صحيح في وقت غير مناسب يتطلب العناية والاهتمام بالبدائل التي تعيده إلى سابق مستواه».