أفلام ترمي مقولتها وتُمحى من الذاكرة

  

مقولة فنية يبدو أنها على شيء من الرسوخ، تتمثل بمواكبة الإبداع للحدث، وضرورة إيجاد مسافة بينهما تتيح شيئا من التأمل، أو بكلمات أوضح، ضرورة عدم انجراف الفن إلى تسجيل موقف يستدعي منه التفريط بكل شيء.


هذه المقدمة صالحة لأربعة أفلام نستعيدها هنا، ولتجتمع أربعتها على الانتصار للمقولة وتسجيل موقف، والتفريط بالعناصر الأخرى، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، كما أنها جميعا تأتي كتجسيد لمواقف سينمائيين أميركيين عرفوا بمواقفهم المناهضة لاحتلال العراق، مثل روبرت ريدفورد، وسوزان ساندرون، وصموئيل جونسون، وغيرهم. فيلمان من تلك الأفلام رصدا حالة الجنود العائدين من العراق، الأول: حمل عنوان «هوم أوف برايفز» (موطن الشجعان) وكان من إخراج ايروين وينكلر وتمثيل صموئيل جاكسون وجيسكا بيل، حيث يقدم لنا مع بدايته كميناً تتعرض له كتيبة أميركية، ومن ثم يعود بالكاميرا إلى رصد حالة أربعة جنود من تلك الكتيبة لدى عودتهم إلى الديار الأميركية، والكوابيس التي تراودهم، فالمجندة التي تجسدها بيل تجد صعوبة بالتأقلم بعد أن فقدت يدها، كما أنها تجد صعوبة بالتواصل مع ابنها، وعلى شيء يشبه حالة الثلاثة الآخرين، حيث يتورط أحدهم بجريمة ويقتل على يد الشرطة، والدكتور أي جونسون يصل حافة الانتحار، بينما يقرر المجند الأخير العودة مرة أخرى إلى العراق.


أما الفيلم الثاني أي «إن ذي فالي أوف ايلاه» (في وادي إيلاه) إخراج بول هاغيس، فقد كان أفضل بكثير من (موطن الشجعان)، كونه على شيء من الحبكة التي تحمل مقومات التشويق، الذي فرط به مقابل تقديم مقولة رنانة، تتمثل بالبحث المضني لأب (توم لي جونز) - رشح لجائزة أفضل أوسكار في دور رئيس- عن ابنه الذي يبلغه أنه هرب من الجيش بعد عودته من العراق، لنصل في النهاية إلى الجنود الأميركان العائدين من العراق الذين تحولوا إلى قتلة، وبكلمات أخرى، إن القتل المجاني الذي يقدمون عليه في العراق، يجعل من ارتكابهم جريمة في الحياة المدنية أمراً أقل من عادي.


فيلم برايان دي بالما «ريدكتد» (نسخة منقحة) الذي قدمنا قراءة له بالأمس، يختلف عن الفيلمين السابقين، بأنه في قلب الحدث، أي في العراق، وتحديداً في سامراء، وغير مشغول بالشأن الداخلي الأميركي، بقدر فضحه للممارسات الوحشية للجنود الأميركان في العراق، حيث يروي بمزج بين تقنية التسجيلي والروائي، وليقدم بأسلوب يحقق منه الغرض المطلوب، ألا وهو الصدمة، المتمثلة بهول الحادثة التي يرويها، أي إقدام جنديين على اغتصاب فتاة عراقية وحرقها بعد قتل جميع أفراد عائلتها.


الفيلم الرابع الذي أخرجه ومثل فيه روبرت ريدفورد «ليونز فور لامبس» (أسود للحملان)، وشاركه التمثيل كل من توم كروز وميريل ستريب، اتسم بأكبر قدر من انعدام الفعل، والاستسلام لحوارات طويلة لا تنتهي، لا بل تحول إلى منبر للوعظ والنقاش حول الحروب الأميركية، بين سيناتور وصحفية من جهة، واستاذ جامعي وطالبة من جهة أخرى، بموازاة أطنان الكلام الذي يقال، يصور الفيلم مصير جنديين أميركيين عالقين في جبال أفغانستان الوعرة.


يمكن اعتبار الأفلام الأربعة سابقة الذكر، ودون مجال للشك، أنها حققت مرادها، وكانت على صعيد القول متسقة، وتمتلك زمام مقولتها، إذا استثنينا فيلم ريدفورد الذي كان مضطرباً وغائماً حتى في مقولته، فإن السمة الطاغية على هذه الأفلام، هي خفتها، واندثارها بعد فعل المشاهد، فهي ذات هدف محدد ما أن تحققه حتى تنعدم أسباب بقائها في الذاكرة.


يمكن أن نختم باعتبار أن ما انتج حتى الآن، عن حرب العراق وأفغانستان، مازال في طريقه لتحقيق فيلم مثل «القيامة الآن» أو «بلاتون» كونهما عن فيتنام، ويبدو من البعد الزمني لانتاج هذين الفيلمين عن نهاية تلك الحرب، أن إمكانية انتاج فيلم يماثلهما في الوقع أمر يحتاج إلى مزيد من الوقت.