«نسخة منقّحة».. العراق جهنم الجندي الأميركي

     
فيلم المخرج الأميركي الكبير بريان دي بالما «ريدكتد» «ريدكتد» (نسخة منقّحة) الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية، صادم، ومخيف، ومؤلم، ومرعب، وما إلى هنالك من صفات لها أن تمضي إلى ما لا نهاية، وتحديداً في الجزء الأخير من الفيلم، ويكاد كل من شاهده أن يخرج من صالة العرض وقد دهمه ألم يظل يتزايد.


الصفات سابقة الذكر تنطبق على رسالة (نسخة منقّحة) الذي أراد به دي بالما تسجيل موقفه من الحرب على العراق، والاحتلال الأميركي، وممارساته الوحشية في بلاد الرافدين، دون أن يكون على صعيد فني حاملاً لتلك الصفات السابقة، بمعنى أن التقنية التي بنى فيها دي بالما فيلمه كانت مميزة إلى أبعد حدّ، لكنها لم تكن صارمة ومحكمة بقدر يتناغم مع صرامة الموقف، والرصد لممارسات الكتيبة «ألفا» في مدينة سامراء العراقية.


بداية الفيلم بطيئة ومتوترة، لا تفارق نقطة تفتيش لتلك الكتيبة سابقة الذكر، ويستعين الفيلم، الذي جمّع مادته دي بالما من مواقع إنترنت، بتقنية وثائقية وإخبارية، جعلت من الأفلام القصيرة التي نشاهدها على الإنترنت مادة أساسية في فيلمه، إضافة للمراسلين الصحافيين، ووسائل الإعلام، وعليه يختلط الروائي بالتسجيلي، ونتعرف إلى الجنود الذين شكّلوا شخصيات العمل الرئيسة من خلال جندي يهوى التصوير، ويستعمل الكاميرا بوصفها مفكرة يوثّق بها أيام خدمته في العراق.


يقول الفيلم بطريقة مباشرة لا تستدعي أي شك: إن العراق هي جهنم الجيش الأميركي، وإنهم هناك يخافون من خيالهم، وسؤال دائم يتردد على ألسنة الجنود «ما الذي نفعله هنا؟» ماداموا يعتبرون كل مواطن عراقي عدواً لهم، ويغدو ذلك تصاعدياً، فمن المشهد الذي نرى فيه كيف يقوم الجنود بتفتيش السيارات، والصلافة التي يعاملون بها المواطنين العراقيين، وصولاً إلى إطلاقهم النار على سيارة تتخطى الخط الأحمر المُعدّ لتقف السيارة عليه، وبالتالي قتلهم امرأة حامل، والريبورتاج الصحافي لإحدى الصحفيات الذي يقول فيه سائق السيارة إنهم أشاروا له أن يمضي لا أن يتوقف، في إيضاح لإشارات الجنود الأميركيين الملتبسة بالنسبة إلى المواطن العراقي، وليكون ثمن أي التباس مفارقة الحياة.


الجندي الذي يقتل تلك المرأة لا يشعر بأيّ ذنب، ليتوالى بعد ذلك -ومن خلال كاميرا الجندي الذي يوثق حياته- استعراض عشرات الأفكار الغائمة والملتبسة التي يحملها الجنود نحو العراقيين، مثل «أقزام علي بابا»، «المسؤولون عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر»، «لنستعمل الأسلحة النووية ونهدم هذا البلد بأكمله»...إلخ. 


ومن جهة أخرى، يقدم الفيلم خلفية بعض الجنود، مثل ذلك الجندي الذي يقول إنه لو لم يتطوّع بالجيش لكان إما جائعاً أو في السجن. 


نصل في النهاية إلى القصة الأكثر إيلاماً، ألا وهي إقدام جنديين على معاودة مداهمة بيت سبق أن دهماه واعتقلا والداً عراقياً، لا لشيء إلا لاغتصاب ابنته، فتاة في الخامسة عشرة من عمرها يراقبها الجنود تذهب إلى مدرستها وتعود إلى بيتها.


يأتي قرار الجنديين بداية كمزحة تتطور إلى حقيقة، على اعتبار ذلك انتقاماً لزميلهم الذي قُتل بانفجار عبوة، ومع ممانعة الجنود الآخرين القيام بذلك، إلا أن الجنديين يقومان بالتناوب على اغتصاب الفتاة، ومن ثم حرقها بعد قتل جميع أفراد عائلتها، في مشهد صادم، يحزّ القلوب، وعلى شيء من توضيح عميق لبدائية متوحشة لا تعرف الرحمة. 


الرد من المقاومة يأتي من خلال اختطاف الجندي صاحب الكاميرا وقطع رأسه في مشهد مروّع، لكنه وكما يبدو أن دي بالما أراده، أن يبدو طبيعياً إن قيس بما ارتكبه الجنود الأميركيون. ينتهي الفيلم بمجموعة من الصور الحقيقية المروّعة للقتلى في العراق، وتتضمن صوراً لمن شاهدناهم يقتلون في الفيلم، مثل المرأة الحامل، والفتاة المغتصبة وجثتها المحروقة.


يخرج المشاهد من الفيلم بانطباع أكيد بأن على هذا الاحتلال أن ينتهي، ولعل هذا الانطباع أكثر الانطباعات لطافة وتنقيحاً، وإن كان دي بالما قد ضيّع فرصة إنجاز فيلم أكثر حنكة، أقل تسرعاً، بميزانية أكبر!