التردّد.. البحث طوال العمر عن قـــــــرار

الأسرة المشجّعة تساعد الفرد على التخلّص من التردّد. أرشيفية

يعد أخذ فترة للتفكير قبل اتخاذ قرار في شأن معين أمراً طبيعياً، لأن التروي مهم في أحيان كثيرة. ولكن، عندما يعجز الإنسان عن اتخاذ قرار مهم في حياته العملية أو الاجتماعية أو العاطفية، فيتردد ويتحير ويتخذ قرارات ثم يتراجع عنها، يكون قد أصبح في حالة تردد مرضي يجب التوقف عند أسبابه ومعالجته، خصوصاً لدى من يستغرقهم التفكير في بعض الأمور العالقة أياماً وليالي حتى يصلوا إلى قرار. وقد يتعدى التردد لدى بعض الناس اتخاذ القرارات المهمة، ليصل إلى أبسط الأمور في الحياة، مثل اختيار المطعم المناسب لتناول الغذاء، أو عدم القدرة على شراء لوازم شخصية صغيرة، فيستعين الشخص بأصدقاء كي يتمكن من القيام بهذه الأمور الحياتية البسيطة.

ويعزو مختصون نفسيون سبب التردد إلى التنشئة العائلية القامعة واللائمة التي تهز ثقة الشخص بذاته وقراراته منذ طفولته، وتحرمه من روح المبادرة، وقد تفقده القدرة على اتخاذ قرار ـ صغيراً كان أم كبيراً ـ طوال عمره.

ولا تعتبر بثينة أن التردد طبيعي في حياتها، وتعترف بأنه أفسد عليها أموراً كثيرة في حياتها، وقالت «فسخت أكثر من خطوبة، حتى أنني بعد أن تزوجت شعرت بأنني أخطأت في قراري، وأردت التراجع وطلب الطلاق». وترى أن هذا التردد أمر غير طبيعي، إذ أثر سلبا في حياتها، لأنها غير قادرة على اتخاذ القرارات البسيطة جداً، والتي تتعلق بالتبضّع.

وتضيف «أغراض بيتي لم تكتمل حتى الآن، على الرغم من أنني متزوجة منذ سنين، فكلما أشتري قطعة أعود وأبدلها، لأنني عندما أعود إلى المنزل أغير رأيي وأرى أنها غير مناسبة، وأني غير مقتنعة».

في المقابل، تردد عمر درويش (سوري) مختلف، يقول «لم أكن متردداً في أي يوم، فكان سهلاً علي اتخاذ قراراتي كافة، ولا أنكر انني أفكر في بعض الأمور المصيرية، ولكن لا أتردد كثيراً».

ولكن، كان لدرويش صديق متردد جداً، يعجز عن اتخاذ أي قرار، ويصف درويش بعض المواقف التي كانت تصادفهم، «كنا نخرج، أنا وزوجتي مع صديقي وزوجته، وكان يعجز عن اختيار الأمور البسيطة جداً، كتقرير الدخول لمشاهدة فيلم في السينما، أو حتى المطعم الذي سنتناول فيه الغذاء، وهذا كان يشعرنا بالانزعاج، لأنه لا يمكن أن يساعدنا في اتخاذ قرار معين أو التخطيط لسهرة ما أو مشوار . وبعد أن توطدت علاقتي بصديقي، شعرت أن التردد بدأ ينتقل إلي كالعدوى المرضية، فلاشعورياً صرت أتردد في اختيار المطعم، حتى بدأت تلاحظ زوجتي هذا الأمر».

ولم يتمكن درويش من الاستمرار مع حالة التردد، إذ عمد إلى الابتعاد قليلاً عن صديقه، لئلا يتأثر كثيراً به، ويتمكن من السيطرة على حالته، حتى عاد إلى ما كان عليه، حسب درويش.

تفكير طويل

لا تعرف اللبنانية مي دياب التردد في أمور كثيرة، لكنها قبل اتخاذ أي قرار، تفكر طويلاً وتختبر معظم الاحتمالات. وتوضح «لا أنزعج من التروي في اتخاذ بعض القرارات، حتى أنني في بعض الأحيان ألجأ إلى الاستخارة إن لم أكن قادرة على اتخاذ القرار». وتضيف «عندما أذهب لشراء ملابسي، قد أذهب وأتفرج على كل ما هو معروض قبل أن أقرر ماذا سأشتري، على الرغم من أنني غالباً أشتري من المحال نفسها».

وتتابع «أشعر بالذنب إن اشتريت قطعة من دون أن أكون متأكدة إنه ليس هناك أفضل منها في السوق، لذا أحياناً ألجأ إلى اصطحاب أحد معي للتسوق، فهذا يسهّل خياراتي».

وعلى النقيض من دياب، لايتردد عامر شرف الدين في اتخاذ أي قرار، ويقول «عندما يتوجب علي اتخاذ قرار معين، أحاول التوصل إليه بأسرع وقت ممكن، كي لا أتردد أو أحاول التغيير لاحقاً». مضيفاً «هناك أمور تتطلب وقتاً أطول للتفكير فيها ودراسة مختلف جوانبها، ولكن ليست مسألة صعوبة».

عواقب نفسية

  العلاج
أشار الاستشاري في الطب النفسي الدكتور علي الحرجان إلى خطوات تساعد على التخلص من التردد، منها «اعتزاز الفرد بنفسه، ودراسة الأمور قبل اتخاذ أي قرار، وتقبّل الخطأ، ثم أن يبدي آراءه في جميع الأمور التي يصادفها في الحياة من دون أن يضع في باله موافقة الجميع عليها»، مؤكداً أن المجتمع المحيط يساعد المرء كثيراً على تجاوز حالة التردد، «لذا يجب أن تقدر البيئة المحيطة الجهد الذي يبذله الإنسان، لأنه في النهاية ما من كمال في الحياة».


وعرّف الاستشاري في الطب النفسي الدكتور علي الحرجان التردد بأنه «عدم قدرة الإنسان على اتخاذ موقف أو التعبير عن رأي في قضية ما أو حدث معين، ما يؤدي إلى حالة من الإرباك والانزعاج والتوتر».

وأوضح أن الأعراض التي قد تظهر على الشخص المتردد يمكن أن تكون جسدية أو نفسية، كالتعرق والتلعثم والارتعاش، والشعور بالضيق، والحزن والإرباك في الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية والوظيفية.

وقال الحرجان أن الذين يعانون من التردد «يفشلون في اتخاذ القرار في الوقت المناسب، فيخسرون مادياً ووظيفياً إن كان القرار يتعلق بالعمل، أو اجتماعياً وعاطفياً إن كان يتعلق بحياتهم الخاصة».

وتصل نتيجة عدم القدرة على اتخاذ هكذا نوع من القرارات، حسب الحرجان، إلى «الحسرة، والشعور بالذنب، حيث يبدأ المرء بلوم نفسه، وقد يصل بعضهم إلى درجة الاكتئاب».

شعور طبيعي

ولفت الاستشاري في الطب النفسي إلى أن «الشعور بالتردد أمر طبيعي في بعض المواقف التي تواجهنا في الحياة. ولكن، إن وصل التردد إلى الأمور البسيطة في الحياة عندها يجب أن يعمل المرء على شخصيته، وقد يتطلب الأمر أحياناً الاستشارات النفسية». أما الأسباب التي تؤدي إلى نشوء شخصية مترددة، فذكر أنها تعود إلى التنشئة الاجتماعية التي لا تزرع الثقة في روح الأشخاص منذ طفولتهم، ويوضح «يعمد بعض الأهالي إلى إخافة الأطفال من عواقب الخطأ في القرارات، كما أنهم يلومون الطفل إن اخطأ، وهذا يسحق روح المبادرة عنده، إذ إن كلمات المعاقبة على الذنب التي تنهال عليه تحرجه».

وحذر من عواقب هذا النوع من التربية، وقال إنها «تهز شخصية الطفل التي تصبح ضعيفة، ويصير إنساناً قلقاً، خائفاً من ردة فعل المقربين على سلوكه»، لافتاً إلى ضرورة التشجيع، وليس اللوم «إذ يعمل التشجيع على مساعدة الطفل لتقديم الأفضل في المرات المقبلة، وإن كان ما قدمه ليس بالمستوى الجيد أو المطلوب منه».
طباعة