أعمالها في «دوم» دبي مستوحاة من الهندسة الإسلامية
عائشة الحمادي.. فنانة إماراتية تطوّع صلابة الرخام برهافة الذاكرة
بين صلابة الرخام ورهافة الذاكرة، تبحث الفنانة الإماراتية، عائشة الحمادي، عن لغة بصرية تتجاوز حدود الزخرفة لتلامس التجربة الإنسانية في أبعادها الأكثر عمقاً، إذ تستعيد الأنماط الهندسية الإسلامية، لكنها لا تبدو في أعمالها مجرد أشكال ثابتة تسترجع ماضياً بصرياً، بل تتحول إلى لغة حية، تتداخل فيها الذاكرة بالمكان، والصمت بالتأمل والتكرار بفعل النحت نفسه، ومن خلال المطرقة والإزميل، تعيد عائشة قراءة هذا الإرث الهندسي، محاولة نقله بين زخرفة مألوفة في فضاء معاصر يترك مساحة للمُشاهد للتأويل واكتشاف المعنى.
وعن أعمالها، قالت عائشة في مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم»: «إنني أستكشف الهندسة والذاكرة والتحول المادي، كما أتأمل الصمت والتكرار، إذ ينصبّ تركيزي على نقل الأنماط الهندسية الإسلامية من كونها بنية زخرفية ثابتة إلى لغة متطورة تعبّر عن التجارب والمشاعر التي واجهتها خلال رحلتي في الحياة، ومن خلال القيام بذلك، أقدّم مساحة تأملية تدعو المشاهدين إلى خوض مواجهة بطيئة مع البنية والفضاء».
أثر البيئة
وأضافت الفنانة الشابة التي شاركت، أخيراً، في معرض جماعي بـ«دوم بروجيكتس آرت» في دبي: «أستمد ممارستي من إيقاعات البيئة المحيطة بي، من الأشكال المعمارية والمساحات المنزلية، والذكريات المكانية، وكلها عوامل تؤثر في ملمس وأشكال أعمالي، والسبب الذي جعلني أختار الرخام كوسيط من بين الوسائط الأخرى التي أعرفها، هو أنني أردت أن أربط تراث نحت الأنماط الهندسية الإسلامية الموجودة في الكثير من مناطقنا في الماضي بالوقت الحاضر، وأن أستخدمه لتطوير هذا التراث إلى ملمح جديد».
وأوضحت أنها لا تبحث في عملها عن بنية زخرفية ثابتة، بل سعت إلى تحويلها إلى شيء لايزال بإمكان الناس تقديره في عصرنا، ما دفعها إلى الإمساك بالمطرقة والإزميل والبدء بالنحت، مشيرة إلى أن الصلة بين الموضوعات التي تقدمها في ممارستها الفنية وفعل النحت نفسه تمنح أعمالها مزيداً من العمق، وتضيف إلى المعاني التي تريد وضعها في الفن، فضلاً عن أن صلابة مادة الرخام، تحمل إمكانية الاحتفاظ بما تم نحته وحفره وأن يدوم لفترة طويلة.
تحديات العمل
وحول تحديات العمل مع مادة الرخام، وصفت عائشة تجربتها معها بأنها كانت مفاجئة لها، إذ لم تكن تعرف أنها ستذهب في هذا الاتجاه، ولكن بعد لقائها الفنان عادل جبور، وخضوعها لورشة في النحت، تمكنت من تحويل الفضول إلى شغف وحب حقيقي للمادة، التي تحمل الكثير من التحديات، لاسيما أن العمل عليها بطيء جداً، ويتطلب قدراً كبيراً من الطاقة والصبر، معبّرة عن إيمانها بأن الشغف يمكّن الفنان من تجاوز الصعوبات كافة.
وأكدت أنها عملت على تطوير مهاراتها في النحت، للقيام بشيء أقرب إلى النحت الثلاثي الأبعاد، وهنا تقدمت للحصول على منحة من وزارة الثقافة، وعند حصولها عليها، انضمت إلى ورشة عمل مدتها ثلاثة أسابيع في إيطاليا، لتعلم المزيد من التقنيات، وكانت تجربة مميزة، لافتة إلى أن النحت الذي تقوم به يعتمد على إيقاع التكرار، وجزء منه بصري، وجزء فعل النحت نفسه، وهو الخفي الذي لا يراه الجمهور، ولكنه في الواقع متكرر.
وحول مفهوم الصمت في أعمالها، رأت أنه يأخذ المتلقي إلى حالة من التأمل، وعندما يكون هناك صمت، تجسد ذلك من خلال اتخاذ قرارات مقصودة بشأن الأنماط أو الأشكال التي تريد إظهارها وما الذي تريد إبقاءه مخفياً، وهذا ما يفسر وجود أجزاء منحوتة، وأخرى غير ذلك في العمل، فهذه الموازنة بين المساحة السالبة والموجبة أمر أساسي. وعبّرت عن شعورها بإمكانية أن تتحدث في الغياب، مع ترك الفرصة للمشاهد بأن يقرر كيف يمكنه تفسير العمل، وكيف يمكن ربطه بالتجربة الشخصية.
تجارب
واستطردت عائشة عن اهتمامها بالأنماط الهندسية الإسلامية بشكل خاص: «عندما كنت في سنتي الأخيرة في الجامعة، وكنت أريد شيئاً يرتبط بي، ويكون قريباً مني ومن تراثي وهويتي، ذهبت إلى ما يمكّنني من إعادة إحياء هذه الأنماط الهندسية الإسلامية، لأن الناس يرون هذه الأنماط بطريقة واحدة محددة، وأردت أن أعيدها إلى الحياة وأن أظهرها بطريقة مختلفة، وهذا ما دفعني إلى اختيار الأنماط الهندسية الإسلامية كلغة». ونوهت بأن الذي عرضته في «دوم بروجيكتس آرت»، هو نمط وجدته في الشارقة، وأثار اهتمامها بسبب كثرة المباني الحديثة.
ورأت أنها عندما تتحدث عن الذاكرة والذاكرة المكانية فهي تكون معنية بتلك الأحداث، والتجارب المتمثلة في التجول أو حتى القيادة في أنحاء المدينة، والتوقف في أوقات معينة والتي سعت لإظهارها في العمل. وذكرت أن أبوظبي التي كانت مدينتها لفترة طويلة، أثّرت كثيراً في أعمالها، لاسيما رؤية الشاطئ والمساحات الخضراء، والأحياء، علاوة على البحر الذي كان مهماً في إبداعاتها.
تعدد الوسائط
تميل الفنانة عائشة الحمادي في أعمالها إلى تعدد الوسائط الفنية، إذ كان أول اهتمامها بالتصوير، وفي البدء كانت شديدة الانجذاب لهذا الوسيط، لأنها كانت تتوقف عند لحظات معينة وتتأمل الأفعال التي تراها، وكان الوسيط يأتي أولاً ثم الفكرة خلال تنفيذ العمل، مشيرة إلى أنها لاحقاً بدأت استخدام وسائط مختلفة، وأدركت أن العمل يبدأ من الفكرة وليس من الوسيط، فباتت تختار الأخير الذي يمكنه منح العمل العمق. وأشادت بتجربة الإقامة الفنية في «دوم آرت بروجيكتس»، ووصفتها بالمثمرة جداً، لأنها كانت بحاجة إلى بيئة مناسبة لتتمكن من العودة إلى النحت.
عائشة الحمادي:
• أردت شيئاً يرتبط بي، ويكون قريباً مني ومن تراثي وهويتي، وعملت على تطوير مهاراتي لتبدو أقرب إلى النحت الثلاثي الأبعاد.
• أستمد ممارستي الفنية من إيقاعات البيئة المحيطة بي، ومن الأشكال المعمارية والمساحات المنزلية والذكريات المكانية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news