مسرحية قدمت لعبة جميلة بـ «نص مستهلك»

«درس» عرض مجنون وأداء رشيق

صورة

بأداء مجنون خرج عن الإطار التقليدي الذي تذهب إليه النصوص والعروض التي تنتمي للمسرح العبثي، قدمت فرقة فضاء «أتيستو» من تونس مسرحية «الدرس»، نص وإخراج غازي الزغباني عن «الدرس» ليوجين يونسكو.

عرض يبدأ بدخول طالبة، تستعد لتحضير شهادة الدكتوراه الجامعية، إلى منزل أستاذ جامعي، ينتميان إلى جيلين مختلفين، ومثلما بدأ العرض انتهى بدخول طالبة أخرى، وإن كان المخرج أدخل الطالبة نفسها، في مقاربه للحالة الإنسانية التي ستتكرر بالطريقة ذاتها.

فرجة

قدم مخرج العمل غازي الزغباني فرجة مسرحية جيدة، ولعبة جميلة لنص استهلك، لكن هناك فهماً جديداً ومتعمقاً لهذا النص، إذ تمكن المخرج من تقديم جمل مسرحية جيدة تحسب له، كما أن هناك مفردات داخل شخوص اللعبة المسرحية، فالمخرج استطاع من خلال لعبته الإخراجية أن يحصر الجماهير في حيز مكاني، وكل ما يحيط به هو محاولة لتقريب المنصة لجعل الجمهور جزءاً من لعبة المسرح.

حس متوحش

اعتبر النقاد أن شخصية الأستاذ الأكثر تأثيراً في المسرحية، إذ لديها حس بشري متوحش، وهذا ظهر في نهاية العرض عندما قتل الطالبة، بعد أن حاول قمع طموحها وسعى إلى فرض وجهة نظره المتعصبة، كما أن هناك قدرة على تحميل الشخصيات بأعمال حركية قدموا من خلالها طاقات هائلة ورشاقة في الأداء الحركي والجسدي، ورغم أن بعضها كان متناقضاً ويثير التهكم كون العرض ينتمي إلى مسرح العبث.

شخصية كاريكاتورية

شخصية المساعد، أو ربما الخادم، رسمها المخرج كما أرادها داخل العمل شخصية كاريكاتورية تجيب طلبات سيدها «الأستاذ» وتقاطعه في أحيان كثيرة عندما تصل الأمور بين الأخير والطالبة إلى ذروتها، فيقطع الخادم حالة الاتصال والتواصل اللفظي والجسدي بينهما، وإن كان هناك ضعف في تركيب تلك الشخصية لاسيما في وجود شخصية الأستاذ الذي ألهب أداؤه فضاء الخشبة.

فالأستاذ (الممثل نعمان حمدة) الذي جمعته بالطالبة (الممثلة سيرين بالهادي) طاولة الدرس، تنقطع لغة الحوار بينهما، خصوصاً أنهما ينتميان إلى جيلين مختلفين، فالأول يمتلك الحقيقة وينظر للعالم من وجهة نظر أحادية ومتعصبة، ولديه الأنا والعظمة تفوقان بكثير الطالبة التي تحاول أن تثبت وجودها وطموحها معبرة عن حقها في الاختلاف ورؤيتها الخاصة للعالم.

العمل حمل الكثير من المشاعر الإنسانية المتضاربة، منها القسوة والوحشية اللتان تقابلها الطيبة ورقة القلب، كل تلك الأحاسيس تتصاعد تدريجياً مع شخصيات العمل، إذ تختفي في أحيان المفردات والحوارات لتحل مكانهما لغة الجسد والتمثيل الإيمائي الذي كان يصل إلى الجمهور بصورة أعمق من النص الحواري الذي كان باللهجة التونسية، فغاب عن كثير من الحاضرين لاسيما الذين لا ينتمون إلى دول شمال إفريقيا، رغم ذلك ضم العرض جملاً مسرحية مفيدة بعيداً عن لغة الحوار، منها مكان الدرس، والجريمة التي حصلت في نهاية العرض، والدلالات الأخرى مثل الإضاءة التي يتحكم بها الممثل، فتارة بإشارة من اصبعه وتارة يصيح عليها بصوته.

المسرحية تقدم صورة من أنواع الرفض، ولعله يكون الأخطر، وهو عدم تقبل الآخر بفكره أو رأيه، بل يقوم بمحاولة السيطرة والاستيلاء على حقه في إبداء رأيه أو الحوار معه بالمستوى نفسه، وفي ذلك جانب آخر من التسلط والتجبر، الذي يخشى أن ينكشف ضعفه أو ربما تفوق الآخر عليه، فيظهر الجانب الديكتاتوري المتوحش في محاولة للقمع والتصدي لطموح الآخر، لدرجة تصل به إلى ارتكاب جريمة قتل لإرضاء جنون العظمة وحب السيطرة لديه، ليتكشف الجمهور أنها الضحية رقم 39، ليتساءل المساعد في تلك اللحظة «إلى هذه الدرجة الشعب بهيم؟».

قدم مخرج العمل غازي الزغباني فرجة مسرحية جيدة، ولعبة جميلة لنص استهلك، لكن هناك فهماً جديداً ومتعمقاً لهذا النص، إذ تمكن المخرج من تقديم جمل مسرحية جيدة تحسب له، كما أن هناك مفردات داخل شخوص اللعبة المسرحية، فالمخرج استطاع من خلال لعبته الإخراجية أن يحصر الجماهير في حيز مكاني، وكل ما يحيط به هو محاولة لتقريب المنصة لجعل الجمهور جزءاً من لعبة المسرح.

في أحيان كثير يشعر الجمهور بأنه من طلاب هذا المدرس المتوحش الذي في أحيان كثيرة يوجه نظرة إلى الجمهور في إشراك واضح وتفاعل مع الحدث، وان كان المقصود هو الطالبة، كما أن الأستاذ نزل من على المنصة وجلس على مقاعد الجماهير في محاولة لإقحامهم في داخل اللعبة المسرحية.

أما شخصية المساعد، أو ربما الخادم، فقد رسمها المخرج كما أرادها داخل العمل شخصية كاريكاتورية تجيب طلبات سيدها «الأستاذ» وتقاطعه في أحيان كثيرة عندما تصل الأمور بين الأخير والطالبة إلى ذروتها، فيقطع الخادم حالة الاتصال والتواصل اللفظي والجسدي بينهما، وإن كان هناك ضعف في تركيب تلك الشخصية لاسيما في وجود شخصية الأستاذ الذي ألهب أداؤه فضاء الخشبة.

كما أن هناك مزجاً في اللغات المستخدمة وهذا إسقاط واضح على أن شخصية الديكتاتور لا تعرف لغة واحدة وإن اشتركت في الأداء التكويني، كما أن هناك تقابلاً بين مقولة وأخرى وصراعاً باطنياً للشخوص، هذا الصراع تجسد في الأداء الإيحائي الذي ساعد كثيراً في إيصال المعنى اللغوي في لغة الجسد.

 

 

طباعة