بيانات ترسم وجه تاريــخ جديد

تظاهرات مليونية شهدتها مصر خلال ثورة 25 يناير. أ.ف.ب

من شاشة التلفزيون أو عبر أثير الإذاعات، انطلق معظم اللحظات الفارقة التي غيّرت مجرى التاريخ، وشكلت وجدان الأمة العربية بأكملها، عبر بيانات الثوار وخطابات التنحي وإعلان وفاة زعماء، وغيرها من الأحداث التي لا يمكن ان تُمحى من ذاكرة الأمة العربية، أو من أرشيف قنوات التلفزيون والإذاعة.

في 23 يوليو ،1952 خرج بيان ثورة الضباط الأحرار المصريين، ليعلن عبر الأثير بدء عصر جديد في تاريخ مصر، يصنعه أبناؤها للمرة الأولى بعد عقود طويلة، وهو ما تحقق عقب ثلاثة أيام بإعلان انتهاء الحكم الملكي وقيام الجمهورية. وفي فبراير 1954 كان لمجلس قيادة الثورة المصرية بيان آخر، أقل شهرة وانتشاراً بين الجمهور، أعلن فيه استقالة اللواء محمد نجيب من منصب رئيس الجمهورية المصرية وجميع مهامه الأخرى، لتنتقل الرئاسة بعد ذلك إلى الزعيم جمال عبدالناصر.

ولعل عبدالناصر، هو صاحب الرصيد الأكبر والأكثر تأثيراً من البيانات والخطب الإذاعية ثم التلفزيونية، التي مازالت تتمتع بالقدر نفسه من التأثير والانتشار لدى كل الاجيال، ومن ضمنها الجيل الجديد، وفق معدلات تداولها على المواقع الالكترونية مثل «يوتيوب». ومن الخطابات المؤثرة لعبدالناصر تلك التي تزامنت مع العيد الخامس لثورة يوليو، والتي أعلن فيها تأميم قناة السويس، ليعقبه خطاب آخر في نوفمبر 1956 يدعو فيه الشعب المصري إلى التصدي للعدوان الثلاثي، وهو ما تحقق بالفعل على أيدي الشعب، خصوصاً أبناء مدينة السويس.

في 14 يوليو ،1958 كان إعلان جديد، ولكن من العراق هذه المرة، أعلن من خلاله عبدالسلام عارف بيان ثورة 14 يوليو (تموز)، وقيام الجمهورية العراقية.

أما الخطاب الأشهر في حياة عبدالناصر، ولعله في التاريخ العربي الحديث، فعرف بـ«خطاب التنحي»، الذي ألقاه الزعيم عبر التلفزيون المصري في أعقاب نكسة الخامس من يونيو .1967 ورغم وجود نسخ متعددة من هذا الخطاب بعناوين مختلفة، إلا أن عدد مرات مشاهدته على موقع «يوتيوب» فاق نصف مليون مرة، وبلغت مرات مشاهدة فيديو آخر بعنوان «تنحي ناصر» 253 ألف مرة تقريباً، بينما بلغت مرات مشاهدة بيان الإعلان عن وفاة عبدالناصر، الذي ألقاه محمد أنور السادات أقل قليلاً من نصف المليون مرة.

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كان له خطاب مهم أثناء حرب السادس من أكتوبر ،1973 وبلغ عدد مشاهداته على «يوتيوب» 440 ألف مرة، في حين بلغ عدد مشاهدات خطاب السادات عقب نصر أكتوبر 737 ألف مرة.

المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ترك خلفه كنزاً من الأقوال واللقاءات التلفزيونية، التي تذاع مقاطع منها في نشرة «علوم الدار» وفي المناسبات الوطنية، واتخذت طابعها من سمات صاحبها، رحمه الله، فجاءت عفوية مباشرة وبعيدة عن التكلف أو الإعداد المسبق، وكانت تحفل بحكم يصعب أن تخرج من شخص آخر من دون أن يعدها مسبقاً.

أما وداع الشيخ زايد وإعلان خبر وفاته، فكان من اللحظات التي لا تنسى في تاريخ الإمارات خصوصاً والوطن العربي عموماً، إذ سيتذكر الجميع صوت الإعلامي الإماراتي علي الرميثي وهو يعجز عن تمالك دموعه أثناء إعلان خبر وفاة الشيخ زايد على الهواء مباشرة.

وبعد سنوات من غياب الاهتمام بالخطب والبيانات الرسمية العربية التي بهت بريقها الجماهيري، عادت من جديد لتصبح محور اهتمام الشعوب العربية في المرحلة الحالية، مع خطاب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي الذي خرج به عبر شاشات التلفزيون في 13 يناير الماضي مخاطباً الشعب التونسي الثائر الذي تظاهر احتجاجاً على أحواله 28 يوماً، بقوله «الآن فهمتكم، فهمتكم»، ليغادر بعدها البلاد.

أما الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، فقدم خلال 18 يوماً من التظاهرات المستمرة من قبل الشعب المصري الثائر، ثلاثة خطابات كانت محط أنظار محطات الأخبار والفضائيات في العالم أجمع، قبل أن تطيح الثورة الشعبية بنظامه، ليخرج نائبه عمر سليمان على شاشة التلفزيون ويعلن، متجهماً، تنحي مبارك بعد 30 عاماً من حكم مصر.

في المقابل، حافظت الثورة الشعبية المصرية، ثورة اللوتس، التي فجرها شباب مصر في 25 يناير الماضي، على ارتباطها بالحداثة والتقنية، فجاءت بيانات الثورة بعيداً عن الإذاعات وشاشات التلفزيون، فكانت مطالب الثوار تتبلور وتعلن عبر المواقع الالكترونية، خصوصاً «فيس بوك»، قبل أن تنتقل بعد ذلك إلى الشاشات التي يبدو أنها بدأت تفقد سلطتها المطلقة، وتتنازل عن جزء منها، قسراً وليس طوعاً، للمدونات وأصحابها من صناع الخبر وناقليه.

طباعة