أفلام عن التطرّف البوسني وتنديد بالنازية

الفيلم البوسني «على المعبر» محمّل بكثير من الأفكار حول الإسلام.               آوت ناو

تُعلن اليوم نتائج المسابقة الرسمية للدورة الـ60 من مهرجان برلين السينمائي، وبالتأكيد يبقى السؤال حاضراً بقوة عمّن سينال الدبّ الذهبي، وعلى أي من أفلام المسابقة التي تفاوتت مستوياتها سيقع اختيار لجنة التحكيم التي يرأسها المخرج الألماني فرنر هيرتزوغ.

يمكن حصر النتيجة في ستة أو سبعة أفلام، وكما في كل مسابقة يبقى الأمر ضرباً من المقامرة، قد تحتمل أشياء مثل ما يحب ولا يحب هرتزوغ، وحسابات كثيرة لها أن تندرج ضمن خانة التوقعات لا أكثر، ولا نعرف إن كان تأكيد هرتزوغ على المواهب الجديدة أمراً سيتدخل في خياراته، خصوصاً أن ثلاثة أفلام من المسابقة هي لمخرجين يخوضون تجربتهم الإخراجية الأولى.

نترك ما تقدم ونمضي خلف أفلام المسابقة التي عرضت في اليومين الماضيين، والتي كان أبرزها الفيلم البوسني Na Putu (على المعبر) للمخرجة جاسميلة زبانيك، التي سبق أن نالت جائزة «الدب الذهبي» عن فيلمها «أسرار إيما»، ولتقارب هذه المخرجة بلدها من خلال شخصيتين تجمعهما علاقة حب، وهما لونا (زرينكا شفتسيك) وعمار (ليون لوشيف)، دون أن تفارقهما ظلال الحرب الصربية، فلونا قُتلت عائلتها في الحرب، بينما عمار فقد شارك في الحرب وقد مات أخوه فيها، الأمر الذي يحضر في سياقات تعزز ما يود الفيلم تقديمه، حيث سيكون العنوان مفتاحاً، يتمثل في بحث كل شخصية عن طريق تمضي به.

لونا تعمل مضيفة طيران، وعمار سرعان ما يتم طرده من عمله في برج مراقبة المطار، كونه يكون كحولياً، ويكتشف أحد زملائه أنه يشرب الكحول أثناء العمل، ولعل اليقين الوحيد الذي تمتلكه الشخصيتان هو الحب، وعلاقتهما الدافئة والمتقدة التي تبقى كذلك، لكن سيكون عمار قد تغير تغيراً جذرياً، بمجرد لقائه بأحد رفاقه القدامى في الحرب والذي يكون قد أمسى إسلامياً سلفياً، سرعان ما يجد به عمار مخلصاً وهو يأخذه إلى عالمه الذي يمنحه شعوراً بالأمان، وعليه فإن عمار يهجر الكحول دون رجعة وبسهولة تكون مستعصية عليه في محاولاته، ويواظب على الصلاة، لكن مع طاعة عمياء للإمام، وعلى شيء من التزمّت الذي يحرص الفيلم على تقديمه من خلال تعدّد الزوجات والنقاب اللذين ترفضهما لونا، ولينتهي بها الأمر بهجران عمار، كونها مصرة على الاستمرار بنمط حياتها السابق على التغيرات التي طرأت على عمار، وأولها أنه أصبح يشعر بأنه يمارس الفاحشة معها كونهما غير متزوجين.

يخبرنا الفيلم عبر أحداثه المتصاعدة بأنه ما من طريق ثالثة في بوسنة اليوم، فإما التطرف في الكحول والحياة الليلية والعلاقات الجنسية خارج الزواج، أو التطرف الديني، والتعامل مع الدين بوصفه شكلاً من أشكال فرض الرأي على الآخرين.

فيلم «على المعبر» محمل بالكثير، وله أن يقول ما يقول عن التطرف الديني الذي توصف به الشخصيات المتزمّتة في الفيلم، وهو مبني بإيقاع متناغم، ويمضي على هدي المعبر الذي يفضي إلى مكانين يقعان على طرفي النقيض، وكلاهما على قدر هائل من التطرف.

الفيلم الثاني الذي نعرض له هنا حمل عنوان Jew Suss (سوس اليهودي) وجاء ألمانياً ولقي كما لم يلقَ فيلم من أفلام المسابقة صيحات التنديد بدل التصفيق ، ولعله كان شاغل الصحافة الألمانية أول من أمس، كونه يقدم الموضوع الأكثر حساسية في ألمانيا والمتمثل بالنازية ومعها اليهود وبالتأكيد «المحرقة اليهودية»، وذلك من خلال استعادة فيلم مفصلي في تاريخ السينما النازية، وتعقب مصائر طاقم عمله أثناء تصويره وبعده، وعلى شيء وجده بعض الألمان على قدر كبير من التعاطف، وأنه يقدم من اشتغلوا بهذا الفيلم بوصفهم ضحايا تورطوا أو أجبروا على صناعة فيلم استخدم في تصعيد العداء لليهود، لا بل إنه كان يعرض على الجنود والضباط القائمين على معسكرات الاعتقال مشكلاً ما له أن يكون محرضاً لهم على ارتكاب ما ارتكبوه.

عنوان الفيلم مأخوذ عن عنوان الفيلم الأصلي الذي تم تصويره بتخطيط من جوزيف غوبلز وزير الإعلام النازي الشهير، وقام بدور البطولة فرديناد ماريان (توبياز مورتي)، الذي تتركز حوله الأحداث، وكيفية محاولته مراراً الرفض، وتصوير مدى صعوبة أن تقول «لا» لشخص مثل غوبلز كان الأخطر في حكومة هتلر، وغير ذلك من حيثيات وتفاصيل لها أن تضيء حياة هذا الممثل، الذي لم تقبل الصحافة الألمانية أن يكون موضع تعاطف بوصفه متورطاً، لا بل إنها مضت باعتبار الفيلم غير دقيق تاريخياً، كوننا نشهد في الفيلم إقدام غوبلز على اقتياد زوجة ماريان إلى معسكرات الاعتقال بوصفها نصف يهودية، الأمر الذي يفتقد الدقة - حسب الصحافة هنا - كونها لم تكن يهودية أصلاً، ما دفع مخرج الفيلم أوسكار رويلر إلى التأكيد أن الفيلم روائي وليس وثائقياً، مع اصراره أيضاً على أنه قدم كامل الشخصيات بصيغة كاريكاتيرية لأنهم كانوا كذلك حقاً حسب ما يرى.

الفيلم الأصلي الذي يوثق له فيلم رويلر منع عرضه في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولنكون شهوداً أيضاً على المصير المأساوي الذي يطال ماريان الذي يمسي كحولياً ومن ثم ينتحر بعد أن يتعرض للضرب على أيدي اليهود.

من المأزق النازي وحساسياته في ألمانيا، قدم المخرج البريطاني الشهير مايكل ونتربوتم جديده The Killer Inside Me (القاتل في داخلي)، الذي حمل جرعة عنف صارخة دفعت الكثيرين لمغادرة القاعة، وهو يقدم لنا مجرماً يحمل كل صفات السادية، مع تمتعه بقدرة عجيبة على قتل من يحب، وتحديداً من النساء.

كعادة صاحب «الطريق إلى غونتانامو» فإن الفيلم مصنوع بحنكة، وله أن يغوص في أعماق هذا المجرم الذي يكون شرطياً للمفارقة، مع استدعاء منابع هذا العنف والوحشية من طفولته ومن جهة الأم. في الفيلم الكثير من الجنس المحمل بالسادية، ومعها مشاهد قتل يقوم بها القاتل باستخدام قبضته، بحيث نشهد إجهازه على حياة كل امرأة من المرأتين اللتين قتلهما باستخدام قبضته فقط، إلى أن تفارق أو تبدو له أنها فارقت الحياة، كوننا سنكتشف في النهاية أن المرأة الأولى تم إنقاذها، والتي تكون مازوشية بامتياز وحتى في قبولها الموت مجدداً وعلى يده وهي مسكونة بفرح بأنه هو من يقتلها وليفجر البيت بمن فيه من رجال شرطة جاؤوا لإلقاء القبض عليه، بينما نسمع أغنية ختام الفيلم تقول كلماتها بمنتهى البرود: Shame on You

هذا المرور السريع على فيلم ونترباتوم يدفعنا مجدداً إلى التأكيد على كمية العنف التي احتكم عليها، وليكون القاتل في داخل المخرج أيضاً وهو يضعه ويستحضره خالصاً ومعتقاً ويتكلم بدم بارد، مع مفارقات الأغاني التي ترافق الأحداث، وعلى شيء من احتفالية بالسادية والمازوشية وما بينهما من قتل، أو منتجهما الذي يأخذ باللذة إلى أقصاها لدرجة ينتقم منها بكل ما أوتي من وحشية.

طباعة