«كاهن المسرح» يكنس الوطن «قبل صياح الديك»

«زواريب».. رفيق علي أحمد ولعبة المسرح الموجّه إلى الناس.               تصوير: محمد منور

«إذا أردت أن تعرف ماذا في لبنان، عليك أن تعرف ماذا في روسيا؟». يمكننا استعارة وتحوير هذه الجملة الشهيرة للراحل نهاد قلعي، للاقتراب من عروض اليوم الخامس من أيام مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، والذي بدت فيه لبنان وروسيا وجهين لعملة واحدة هي الممثل، الكائن المسكون بالناس والهموم مثل مدينة صاخبة، الممثل الذي يضيء بوهجه عتمة الخشبة، ويفتح للناس نوافذ على مساحات مجهولة، الممثل الذي تكبر معه الخشبة، وتتسع إلى ذلك المدى غير المنظور، ثم تضيق في لحظات أخرى لتصير موحشة مثل قبر.

من لبنان، حمل رفيق علي أحمد زواريبه، وأوجاع الزبال الذي يكنس هموم مجتمع ووطن، ويعيد اكتشافه وتعريته من خلال نفاياته، ومن روسيا أيقظنا الممثل الممتع أوليغ بيلوف «قبل صياح الديك للمرة الثالثة»، وجال بنا في متاهات روسيا بمنظر رجل أحمق، عليه أن يثبت عكس ذلك في عالم محتشد بالحمقى والمجانين.

متعة إضافية تحققت في عروض اليوم الخامس، تمثلت في الحضور الثاني للراحل ممدح عدوان، وعبر نص «الزبال» الذي قدمه المخرج الأردني حاتم السيد قبل أيام، حيث تحققت للجمهور رؤية عمل واحد بمنظرين مختلفين، ووضعتنا أمام فسحة اكتشافية للكيفيات والفروقات، وكيف يمكن لمسرح أن يحمل كل ذلك التجدد؟ وفق اختلاف الرؤى والدلالات والعقلية التي تدير التجربة.

كاهن المسرح

حين يصعد رفيق علي أحمد إلى خشبة المسرح، يتغير كل شيء، وبطريقة أو بأخرى، يستطيع هذا الممثل أن يستقطبك تماما، وما عليك إلا الاستسلام لهذا «الكاهن» ذي اللحية البيضاء، لينخر فيك، وليتلاعب بأعصابك، ولينقلك من دمعة تحرق العين إلى ضحك غامر. وفي لحظة، يتولد السؤال المؤرق: من يشاهد الآخر ياترى؟ الجمهور الذي جاء ليحضر مسرحية، أم هذا الممثل الذي يجمعنا ليتسلى بنا، ولنصير نحن فرجته، وكأنه يُطل من شرفة منزله على بشر وحكايا وأمكنة.

في أحيان كثيرة، يبدو أن رفيق علي أحمد لا يصعد الخشبة ليُمثل، بل ليتصالح مع نفسه، وليهدأ، وليكون على حقيقته، وكأنه يقول: «أنا أمثل هناك، في الشارع، في البيت، حين أدفع فاتورة الكهرباء، وحين أقول للجميع أنا بخير، والبلاد بخير، والمسرح، والأولاد والزوجة». على الخشبة، يستكين رفيق علي أحمد ويتنفس الصعداء، ويبدأ بالتشظي إلى كائنات وعوالم يحتبسها في نفسه كدخان السجائر أو كغصة قديمة، عوالم تحيط به مثل هالة، يرمي عنه رداء الممثل على حواف المسرح، وتبدأ الحكاية.

تحمل «زواريب» هذه المونودراما القديمة المتجددة، إخراجياً، توقيع روجيه عساف، وتنطلق من مقولة «أرني كيس الزبالة أقل لك من أنت». ومن دون الدخول في مقارنات مع التجلي السابق لهذه المسرحية منذ أيام، نجد أن العرض لم يستسلم لنص ممدوح عدوان، بل نقله من فضاء إلى آخر، ومن مزاج إلى مزاج جديد، بعد «لبننته» ليصير صالحا مع لعبة تعرية واقع المجتمع اللبناني، اقتصاديا، وثقافيا، وطائفيا.

أبوعدنان الزبال المحاصر بالهموم، ليس لأنه زبال، بل لأنه وريث شرعي لخيبات مجتمع كامل، ولأنه على تماس مباشر مع حياة الناس، ولو كان بطريقة غير مباشرة، فهو يعرف وعلى غفلة من الناس كل أسرارهم، ويميز همومهم من أكياس نفاياتهم، يعرف الحزين، والسعيد، هموم النساء الوحيدات، ويلتقط التغيرات التي تطرأ على أحوال الناس، ويتفاعل معها، في الوقت الذي يعيش هو محنته العائلية الخاصة وعلاقته المأزومة مع ابنه العاق، وحفيده الذي مات ولم يستطع إنقاذه.

ميزة العمل الذي بدأ رفيق عرضه قبل أن تشيب لحيته إلى هذه الدرجة، أن مقولته لاتزال حية وقائمة حتى لحظتنا هذه، وربما إلى سنوات لاحقة عدة، ويبدو أن المجتمعات العربية لا تتخلص بسهولة من سلبياتها التي تصير مع الوقت جزءا أصيلا فيها.

يقدم رفيق في «زواريب» المونودراما بنكهة خاصة، وبخلطة مسرحية تستفيد من مرجعيات أدائية عدة لمصلحة تقديم فرجة متكاملة العناصر، ولمصلحة مسرح راق قادر على استقطاب الجمهور، وأن يكون في الوقت نفسه مكانا للنخبة، ولمن شاء التنظير في المضامين والسينوغرافيا والديكور والفضاء وغير ذلك.

كانت هذه المعادلة، ومنذ سنوات، رهانا من رهانات رفيق علي أحمد الذي انشغل كثيراً بإيجاد مسرح للناس، وشيء يشبه خبز البشر العاديين، وأن يصير المسرح حاجة وليس ترفا، وتجارب تتجاوز عقد المهرجانات واستعراض العضلات المسرحية. ومن هنا، فإن خيارات هذا الممثل كانت ولاتزال منحازة لمشروع تأصيل المسرح مجتمعياً، والبحث في السبل التي تخدم هذه الغاية، عبر الاستفادة من فتنة الحكواتي، والمسرح الجوال، ومسرح خيال الظل، وغيرها من المرجعيات الشعبية «الفرجوية»، وربطها عضويا بالتقنيات المعاصرة والحديثة في فنون المسرح وأدواته.

«زواريب» من الأعمال المسرحية التي لا يتوجب إخضاعها للنقد وفق الأشكال الكلاسيكية له، ليس لأنه عملا خاليا من العيوب، فليست هناك تجربة ابداعية كاملة، بل لأنها تنتمي إلى مناخ احترافي، تجاوز بدهيات المسرح التي لاتزال عروض كثيرة عالقة عندها، هذا العمل الذي صفق له الجمهور كثيرا، كوميديا سوداء مشرقة، ومساحة إبداعية لمخرج له بصمته الخاصة جداً، ولممثل عنيد يمشي بتثاقل على الأرض، ويطير بخفة الفراشة على خشبة المسرح.

الديك الروسي

ليس عرض «زواريب» أقل شأنا من الآخر، وليس ما قدمه الممثل أوليغ بيلوف شيئا سهلا أو متاحاً للجميع، فهذا الممثل المتقمص عراقة المسرح الروسي وخصوصيته جاء حاملا معه أعدادا لقصة «الأهبل أو الأحمق»، وهي من أصعب قصص الكاتب الروسي فاسيلي شوكشين التي تتضمن اختبارات وجودية لأهبل يبحث لنفسه عن براءة من هبله، ويدخل في تجارب وتقاطعات مع عشرات الشخصيات التي عليها التأكد من سلامة عقل هذا الرجل، إلى أن نجد أنفسنا في عالم خانق من الجنون، ولتدخل الحكاية في مكان عبثي هذياني صعب، يعري بدوره خصوصية الاتحاد السوفييتي سابقا ويتوقع انهياره في أي لحظة.

يقوم العمل على عوالم متناقضة وغير متجانسة، كما هي حال التركيبة العرقية والاجتماعية السوفييتية، وأعطى هذا التناقض الممثل مساحة كبيرة لوضعنا أمام عشرات الشخصيات، والقصص المتداخلة والتي كان على الممثل الانتقال بينها، من دون الإخلال بالخط العام للحكاية، والشخصية الرئيسة في العمل.

اعتمدت التجربة، وعنوانها «قبل صياح الديك للمرة الثالثة»، على تفعيل طاقة السخرية، وربطها بجملة الأشكال التعبيرية التي ظهرت على الخشبة، فكانت الاستفادة من تقنيات المهرج وخصوصية أداء السيرك والمسرح الحديث، مع الالتزام بإيقاعية صارمة، أمسكت بزمام الأمور واستطاعت حماية هذه التجربة الصعبة التي تشبه المشي على حبل في الهواء.

أدوات الممثل في العرض كانت كثيرة ومتعبة، وكان على هذا الممثل الاستفادة منها، من دون أن يفضح أوراق اللعبة، وأن يدخل في تشخيصية بحيث يفقد العمل غوايته، وتضيع منه لعبة الإيهام التي كانت جوهرية في هذا العمل الحافل بالشخصيات والتحولات التعبيرية والجسمانية والذهنية.

على الرغم من السخرية الطاغية في العمل، والاقتراب إلى حد كبير من الكوميدية الشعبية التجارية التي كانت مقصودة في بعض التحولات الدرامية، إلا أن التجربة حافظت على خط تراجيدي موازٍ، وكانت تحيط بالعمل تتداخل معه وتغيب ثم تعود حاملة معها البوح المأزوم لشخصية يصعب الإلمام بها، ويصعب إدراك من هو الأحمق أو الأبله الحقيقي، وكأن العالم صار مساحة للجنون والتيه والضياع. إنها حكاية جيل كامل من الذين لم يستطيعوا فهم ما حدث، ووقفوا عاجزين تماما أمام التداعيات والتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم عموما والاتحاد السوفييتي خصوصاً.

قدمت المسرحية تجربة استثنائية لممثل منغمس تماماً في لعبته، يدرك تماما خطورة ما يفعله، وخطورة المسرح بصورة عامة، لا شيء مجانيا، بل هي خطوات مدروسة تتكامل فيها العناصر وتتداخل ليكون الجمهور عالقا في اللعبة، ومرتبطا بها، على الرغم من أنه كان أمام لغة غريبة وغير مفهومة.

طباعة