تركيـا تعيـــد جنسيتها إلى ناظم حــــــكمت

ناظم حكمت أعظم شعراء القرن الـ 20 في تركيا. غيتي

أعلنت تركيا أنها ستعيد الجنسية للشاعر التركي ناظم حكمت، الذي حوكم بسبب ارائه اليسارية، وتوفي في المنفى في موسكو عام 1963 بعدما اعتبر خائناً.

ويعد حكمت ـ الذي أحدث شعره ثورة في النظام التركي في الستينات ـ أعظم شاعر تركي في القرن الـ.20

ومنذ فترة طويلة يقول فنانون وكتاب أتراك، بينهم الروائي اورهان باموك الفائز بجائزة «نوبل» ان «حالة حكمت مثال على قمع المفكرين في تركيا».

وأمضى حكمت، الذي كان شعره محظورا في ما مضى في تركيا وترجم الى ٥٠ لغة، سنوات في السجن في تركيا وجرد من جنسيته في عام 1959 لكونه شيوعيا. وكافح محبوه طويلا من أجل رد اعتباره قائلين ان «هذا سيبعث بإشارة الى أن تركيا تخطت الانقسامات السياسية التي وقعت في السابق عندما دفعت معارك الشوارع التي اندلعت بين اليساريين والقوميين في السبعينات والثمانينات الى انقلابات عسكرية».

وقال نائب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة، جميل جيجك، الذي أعلن اجراء ردّ الجنسية ان «الامر متروك لعائلة حكمت أن تقرر ما اذا كان ينبغي احضار رفاته الى تركيا من موسكو».

أحدث حكمت ثورة في الشعر التركي منذ ديوانه «المدينة التي فقدت صوتها» وهو يعد بمثابة الديوان الأول «1931»، وعلى الرغم من ان الشاعر كان أصدر قبله كتيباً شعرياً في 1929 عنوانه «538 سطرا». أسس الشاعر الشاب حينذاك شعراً جديداً قائماً على تقنية شعرية جديدة وروح جديدة منفتحة على الإيديولوجيا الثورية والوعي الاشتراكي. وحملت قصائده هذه رؤية مختلفة الى العالم انطلاقاً من الصدمة التي أحدثتها الحياة المدينية الحديثة والمجتمع الصناعي. وحملت القصائد أيضا رؤية مأساوية الى الناس أفرادا وجماعات، رؤية لا تخلو من الأمل او الرجاء الذي أذكته الثورة الاشتراكية. ولم يكن ناظم حكمت يميل كثيراً الى بناء نظرية شعرية، كما يعبّر الناقد الروسي اكبر باباييف. لكنه لم يتوان عن كتابة نصوص تعبّر عن رؤيته الى الشعر وعن فنّه الشعري. فالشاعر كما يعبّر كان يحس ان ثمة حاجة في قرارته للتعبير شعراً عن أمور لم تكن قيلت قبلاً. وبعدما عاش هموم الناس عن كثب، خصوصاً في الأرياف والمناطق وبعد إطلاعه على مجريات الثورة الروسية بدأت تشغله مسألة البحث عن شكل شعري جديد يلائم المضمون الجديد.

ويشير ناظم حكمت الى أنه بدأ العمل على القافية ثم حاول أن يضع القوافي في ختام الأبيات مرة ومرة في بدايتها. ويعترف هو نفسه بالأثر الذي تركه فيه شكل القصيدة التي كان يكتبها ماياكوفسكي موزّعاً أبياتها على الصفحة البيضاء وكأن الأبيات موجات إيقاعية تنسرح وتتردّد. إلا ان ثورة حكمت الشعرية لن تقتصر على الشعر الحر فهو دعا انطلاقاً من وعيه الثوري، الى حرية التعبير اياً يكن شكل هذا التعبير.

وفي أحد بياناته، قال حكمت «الشعر يمكن ان يكتب بالقافية ومن دونها، بالوزن ومن دونه، ويمكن ان يكون مفعماً بالصور أو من دون صور إطلاقاً، صارخاً بصوت مرتفع حيناً أو عبر الهمس حيناً». أما أبرز ما سعى إليه ناظم حكمت فهو ان يجعل الشعر شاهداً على المراحل التاريخية المتعاقبة شكلاً ومضموناً. فالشعر يجب ان يكتسب الشكل المنسجم مع هذه المرحلة التاريخية، او تلك، وعليه تالياً أن يأخذ بأكثر الأساليب مهارة».

ولا يخلو شعر ناظم حكمت في معظم مراحله من مبدأ الصنعة. حتى قصائده المباشرة والتعليمية التي كتبها في أوج نضاله لم تخل من الصنعة او المتانة. لكن الصنعة هنا يجب ألا تكون بمثابة المأخذ على الشعر بل هي التي تتيح للشاعر ان يحقق ما يسمّيه ولعاً بجعل الشكل متطابقاً مع المضمون. فالشكل في نظره ينبغي له ان يمنح المضمون مزيداً من الوضوح شرط ألا يطفو هو على السطح، كما يقول.

ولم يتوقف حكمت عن الكتابة في جميع السجون والمعتقلات التي دخلها وعلى الرغم من العذابات التي كان يعاني منها يوميا، فإنه يتوصل الى انجاز تلك الاعمال العظيمة التي ستخلد اسمه في تاريخ الشعر العالمي، وستعكس هذه الاعمال مأساة السجن التي فرضت عليه، وايضا الازمات التي يعيشها العالم. وكان المساجين الآخرون يسمونه «المعلم». وكان يساعدهم ويرفع معنوياتهم ويسميهم «اخوتي». وامام تصلب ادارة السجون قرر حكمت عام 1950 الشروع في اضراب عن الطعام مستغلا الانتخابات الاشتراكية التي كانت تجرى في تركيا، آنذاك، ولمساندته في موقفه ذاك، نظم اصدقاؤه في باريس بتحريض من لوي اراجون تظاهرات احتجاجا على قسوة النظام التركي.

الى جانب ذلك، نشرت المجلات الادبية الفرنسية الرفيعة العديد من قصائده، وايضا بعض الدراسات عنه وعن شعره. ولم يتوقف الامر عند ذلك الحد، بل ان تركيا نفسها شهدت العديد من التظاهرات الاحتجاجية يطالب منظموها بإطلاق سراح الشاعر فورا ومن دون اي شروط مسبقة. وتحت هذه الضغوط الخارجية والداخلية، خرج ناظم حكمت من سجن «بورصة» الرهيب الذي امضى فيه قرابة 13 عاما، غير ان السطات التركية سرعان ما شرعت في تضييق الخناق عليه لاعادته الى السجن مرة أخرى، فلما اشتدت محاصرتها له فرّ الى موسكو.

وواصل ناظم حكمت اسفاره وعند زيارته بكين عام ،1952 أصيب بأزمة قلبية اجبرته على العودة الى موسكو ليظل رهين الفراش لمدة شهرين. بعدها عاود اسفاره من جديد فزار مصر وسورية وكوبا وباريس، حيث التقى لوي اراجون والزا تريوليه وتريستان تزارا وايضا نيرودا والعديد من الشعراء والفنانين الاتراك الذين يعيشون في العاصمة الفرنسية. وعلى الرغم من التعب والامراض التي تكالبت عليه، واصل اسفاره غير مبال بنصائح الاطباء، راغبا في ان يقدم ما عنده للناس الذين احبهم وإليهم وهب اشعاره وحياته. حياته التي انتهت في الثالث من يونيو.

نوبـــة قلبيـــــة
إن كان نِصْفِ قلبِي هنا.. يا طبيب

فالنصف الآخر في تراه في الصين

مع الجيشِ المتحرك نحو النهرِ الأصفرِ

في كُلّ صباح يا طبيب.. كُلّ صباح عند شروق الشمس

يسمع أهل اليونان خفقان قلبي

وكُل لَيلة يا طبيبي حين ينام السجناء

وتجد المستشفى قد صارت مَهْجُورةُ

يَتوقّفُ قلبُي كبيت قديم وخَرِب في إسطنبول

وبعد ذلك بعشْرة سَنَواتِ كُلّ ما أستطيع أن أقدمه لأهلي الفقراءَ

هي تلك التفاحة التي بيدي

فقط تفاحة واحدة حمراء.. قلبـي

وذلك يا طبيب، أراه السببُ لهذه «النوبة القلبيةِ

لَيس النيكوتين أو السجن أَو حتى تصلب الشرايين»

أَنْظرُ إلى الليلِ من بين القضبان

وبالرغم مِنْ الثقل الجاثم على صدرِيقلبي لازالَ يَنبض مع أضواء النجومِ البعيدة



طباعة