صاحبة «السيرة الذاتية للون الأحمر» وأشكال مبتكرة في الكتابة المعاصرة

«نوبل للآداب 2026» للكندية آن كارسون بعد «حوار مرح مع التراث»

صورة

من الحب إلى اليأس والتصوف، ومن أسئلة الإنسان المعاصر إلى أساطير العصور القديمة، تمتد تجربة الشاعرة والكاتبة الكندية، آن كارسون، التي منحتها الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب 2026، تقديراً لمسار أدبي جعل من الحوار مع التراث الكلاسيكي مساحة لإعادة ابتكار أشكال الكتابة المعاصرة.

وأعلنت الأكاديمية السويدية، أمس، منح كارسون، البالغة 76 عاماً، الجائزة عن «نتاجها الأدبي الجريء والخلاق، الذي أوجد، في حوار مرح مع التراث الكلاسيكي، أشكالاً جديدة للأدب المعاصر»، في تقدير لتجربة تجمع بين الشعر والمقال والبحث في الأدب الكلاسيكي، وتعيد قراءة موضوعات إنسانية قديمة بلغة وحساسية تنتميان إلى الحاضر.

وتبرز خصوصية كارسون في قدرتها على تحويل التراث القديم من مادة تاريخية إلى فضاء حي للأسئلة. فهي لا تستعيد الأساطير والنصوص الكلاسيكية بهدف إعادة سردها، بل تعيد النظر إليها من زاوية الإنسان المعاصر، وتضع موضوعات مثل الحب والرغبة والفقد واليأس في مواجهة أسئلة الذاكرة والهوية والتجربة الإنسانية.

ومن أبرز أعمالها الأدبية «السيرة الذاتية للون الأحمر»، الذي أعادت فيه صياغة أسطورة يونانية قديمة في عمل يمزج بين الشعر والسرد، مقدمة نموذجاً واضحاً لطريقتها في التعامل مع التراث، إذ تستعيد مادة أسطورية من الماضي وتمنحها حياة جديدة داخل كتابة حديثة، تتجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية.

ويكشف هذا العمل جانباً أساسياً من مشروع كارسون الأدبي، الذي يقوم على إعادة اكتشاف القديم من خلال الحاضر. فالأسطورة بالنسبة إليها ليست حكاية مغلقة تنتمي إلى زمن انتهى، وإنما مادة قابلة لإعادة التأويل، يمكن من خلالها الاقتراب من مشاعر وأسئلة لاتزال حاضرة في حياة الإنسان، مهما تغيرت الأزمنة والأشكال.

وتنبع أهمية تجربتها كذلك من التداخل بين المعرفة والخيال؛ فهي باحثة في الأدب الكلاسيكي وشاعرة في الوقت نفسه، وهو ما أتاح لها أن تنظر إلى النص القديم بعين الباحث، ثم تعيد تشكيله بحساسية المبدع، ومن هنا جاء انفتاح أعمالها على الشعر والنثر والبحث والترجمة، وعلى أشكال كتابية يصعب وضعها داخل قالب أدبي واحد.

وفي عالم كارسون، لا يبدو الماضي نقيضاً للحاضر، بل هو شريك في صياغة أسئلته. فالحب والرغبة والفقد، وهي موضوعات تتكرر في الأدب منذ العصور القديمة، تظهر في كتاباتها من خلال لغة معاصرة وأساليب غير تقليدية، بما يجعل القارئ أمام نصّ يتنقل بين المعرفة والتأمل والسرد والشعر.

ولهذا وصفت الأكاديمية السويدية علاقتها بالتراث الكلاسيكي بأنها «حوار مرح»، في إشارة إلى قدرتها على التعامل مع الموروث الأدبي بمرونة وخيال، واستخدامه لبناء أشكال جديدة للأدب، بدلاً من الاكتفاء باستعادته أو محاكاته.

وتأتي جائزة نوبل لتسلط الضوء على تجربة أدبية جعلت من العبور بين الأزمنة جزءاً من هويتها، وأثبتت أن النصوص القديمة يمكن أن تستعيد حضورها كلما أعيد طرحها من خلال أسئلة جديدة. وفي أعمال آن كارسون، يصبح الأدب مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، والأسطورة بالتجربة اليومية، والمعرفة بالشعر، في صيغة جعلت من تجربتها واحدة من التجارب اللافتة في الأدب المعاصر.

تويتر