إليزابيث موس تألقت أداءً

يونيفرسال تجدّد «الرجل الخفي» بعد 88 عاماً

صورة

عرض: عبدالله القمزي

تتكدّس في هذا الوقت من العام أفلام رعب وتشويق رخيصة في دور العرض العالمية، لأن استديوهات هوليوود تعلم أن الفرصة متاحة لجني بعض الأموال قبل فصلي الربيع والصيف اللذين يزخران بأفلام الميزانيات العالية (بلوكباستر- سوبرهيرو) وجمهورها العريض من المراهقين.

في الوقت نفسه، فإن أفلام الرعب المقصودة هنا يغلب عليها طابع «اصفع المشاهد عدة صفعات تنشيط» بمجموعة لحظات مخيفة معتمدة بالكامل على القَطْع السريع والمؤثرات الصوتية دون التركيز على أي قصة أو شخصيات. وهذا بالطبع الأسلوب الرخيص الغالب على الكثير جداً من أفلام هذا النوع.

هناك قلة من الأفلام تحاول أن تضيف جديداً، والإضافة تتطلب رؤية جديدة، والرؤية تعني في أحيان كثيرة انفصالاً شبه كامل عن المصدر الأصلي المقتبس منه الفيلم. الأمثلة كثيرة في هذا الخصوص أبرزها The Shining، «بريق» لستانلي كوبريك، الذي ركز على شخصية المؤلف أكثر من ابنه بخلاف رواية ستيفن كينغ، وهناك The Fly «الذبابة» نسخة عام 1986 لديفيد كروننبيرغ الذي أخذ هيكل رواية جورج لانغيلان فقط، وأضاف الباقي من عنده، «للعلم فيلم الذبابة مزعج جداً، سواء الأول الصادر عام 1958 أو إعادة كروننبيرغ المذكورة».

يطرح اليوم فيلم The Invisible Man، «الرجل الخفي» في الصالات عالمياً وهو مقتبس من رواية إتش. جي. ويلز المنشورة عام 1897، وطرحت استديوهات يونيفرسال أول فيلم مقتبس من الرواية عام 1933 بالاسم نفسه من إخراج جيمس ويل وبطولة كلود رينز.

اليوم وبعد 88 عاماً تعيد يونيفرسال طرح الفيلم في محاولة للتخفيف من فشل مشروع عالمها السينمائي المسمى Dark Universe، الذي تداعى بعد الإخفاق الكارثي لمهزلة «المومياء» التي شاهدناها عام 2017 من بطولة توم كروز، في أكبر دليل أن النجم ليس شرطاً لنجاح فيلم.

كانت نية يونيفرسال خلق عالم سينمائي على غرار عالمي مارفل ودي سي، مملوء بشخصيات وحوشها الذين أطلقتهم في أفلام رعب الثلاثينات والأربعينات من القرن 20، تريثت يونيفرسال بعد سقوط «المومياء» وأعادت ترتيب خطتها بالاستعانة بجيسن بلوم الذي سجل نجاحات عدة في نهضة سينما الرعب الجديدة.

أتى بلوم برجل نجح معه ككاتب ومخرج، وهو الأسترالي لي وانيل (كتب فيلم Saw مع رفيق دربه جيمس وان، وأخرج إنسيدياس 3، وأبغريد الذي كتب وأخرج الفيلم برؤية جديدة تتناسب والعصر الذي نعيشه.

نقل وانيل الأحداث من أواخر القرن 19 أو بداية الثلاثينات إلى 2020، ما يعني أن عليه التخلص من عناصر القصة التي تبدو قديمة مقارنة بالتقدم التقني الذي نعيشه اليوم. حتى لو كان تحديث الفيلم وفقاً لتقنية اليوم بمثابة سلاح ذي حدين، فإن ذلك لا يمنع «الرجل الخفي» أن يكون فيلماً جيداً ومسلياً إلى حد كبير.

يبدأ وانيل بمشهد بداية قوي نرى فيه امرأة تُدعى سيسيليا (إليزابيث موس في أداء رائع) تنظم عملية هروبها من منزل عشيقها المهووس بالسيطرة عليها والتحكم في تفاصيل حياتها من ملابسها إلى طعامها. تخدر سيسيليا عشيقها أدريان غريفين (أوليفر جاكسون كوهين) وتهرب.

صنع المشهد بحرفية عالية جداً من استخدام كاميرات المراقبة المنزلية (إشارة واضحة إلى أنها أصبحت سمة بارزة لأفلام رعب النهضة الجديدة) إلى حركة الكاميرا العرضية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين والعكس لتسليط العدسة على مكان خالٍ من البشر، وهي أيضاً من السمات البارزة الجديدة لأفلام الرعب في العقد المنصرم، والتي تلمح إلى وجود كيان خفي شرير في مكان ما في المشهد.

إضافة إلى صوت الأمواج المتكسرة على الصخور مقابل المنزل المعزول المقام على ربوة، والذي يضيف هيبة على المشهد. ربما كانت هذه أفضل مقدمة تعبيرية لفيلم رعب في السنوات الخمس الأخيرة. في الفيلم الأصلي البطل هو الرجل الخفي الذي لا نراه معظم الفيلم لأنه خفي، في الجديد سيسيليا هي البطلة والرجل الخفي تقلص إلى مجرد عنصر شر. القصة بسيطة جداً، وهي أن أدريان ينتحر بعد هروب سيسيليا ويترك وصية يورث فيها الأخيرة أمواله، لكنها تشعر أن شيئاً ما يراقبها ويزعجها ويدمر حياتها، وهي تعلم أن أدريان حي لم يمت وإنما هو متخفٍ بشكل ما، لأنه عبقري في علم البصريات ومخترع أدوات لا تخطر على بال الإنسان العادي يخفيها في منزله المعزول. نقل البطولة إلى سيسيليا ليس جديداً وقبلها كانت إليزابيث شو في دور امرأة تقاتل بروفيسور مجنون مهووس بمحلول اختفاء من اختراعه في فيلم Hollow Man عام 2000 للمخرج بول فيرهوفن، وعموماً انتصار المرأة أو الفتاة في أفلام الرعب على القاتل أو القوى الشيطانية ظاهرة أو موجة بدأت منذ أواخر التسعينات ومازالت مستمرة.

لكن الجديد هنا، ولن نذكره، هو مشهد النهاية الذي ظهر مقحماً لأن هوليوود تصرّ على تسييس دور المرأة في الأفلام، خصوصاً أن عرض الفيلم يأتي مصادفة مع إدانة منتج الأفلام السابق هارفي واينستين في المحكمة وتفوح منه رائحة حملة «مي تو». دور موس في الفيلم شبيه جداً بدور الراحلة إنغريد بيرغمان في رائعة جورج كوكور Gaslight عام 1944 ورائعة ألفريد هيتشكوك «نوتوريوس» 1946، في الأول امرأة يشعرها زوجها بأنها مجنونة، وفي الثاني امرأة تخدع رجلاً يظن أنها تحبه وهي في الحقيقة خائفة منه.

هناك مشهد في الفيلم نرى فيه سيسيليا في المستشفى تلتفت إلى يسارها فترى رجلاً منوماً على سرير ملفوف، وجهه في ضمادة أشبه بقناع لا يظهر سوى عينيه. سيمر المشهد بسهولة على الكثيرين، لكنه ذكي جداً لأنه الإشارة الوحيدة في هذا الفيلم إلى «الرجل الخفي» الصادر عام 1933.

في ذلك الفيلم، ظهر الرجل الخفي ملفوف الوجه بالكامل ويرتدي نظارة سوداء وهي الصورة الأيقونة على ملصق الفيلم، ولو كتبت اسم الفيلم بإضافة عام 2020 في محرك «غوغل» ستجدها، أي الصورة، بالأبيض والأسود إلى جانب ملصق الفيلم الجديد.

بالمقارنة، الوجه الملفوف بضمادة مرعب أكثر من بدلة تخفي مرتديها، شاهدنا عشرات البدلات مثلها تصميماً وليس غرضاً في أفلام مارفل. لكن نقول الفيلم محاولة جيدة جداً لتجديد «الرجل الخفي» وهو مسلٍ، خصوصاً إن لم تكن خبير تقنية تشكك في إمكانية اختراع كهذا، أو تعلم عن تقنية موجودة تمكن من رؤية الأشياء الخفية مثل نظارات «غوغل» للأشعة تحت الحمراء مثلاً.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


الفيلم محاولة جيدة جداً لتجديد «الرجل الخفي» وهو مسلٍ، خصوصاً إن لم تكن خبير تقنية.

بعد 88 عاماً تعيد يونيفرسال طرح الفيلم في محاولة للتخفيف من فشل مشروع عالمها السينمائي.

طباعة