مستلهم من علاقة والدي بافلكوسكي

«حرب باردة».. ملحمة رومانسية قاتمة على طرفي الستار الحديدي

صورة

تغيرت السينما كثيراً في القرن الـ21، اختفت الأنماط السابقة من الأفلام لمصلحة أنماط حديثة من ناحية التصنيف والأفكار، وحتى صيغة الفيلم. بدأ التغيير تدريجياً في منتصف العقد الماضي، وبلغت ذروته عام 2017 عندما غيرت الأكاديمية الأميركية للعلوم السينمائية أعضاءها وأدخلت دماء جديدة إلى طاقمها.

الدماء الجديدة، باتفاق الخبراء والمراقبين، لا تعير الفن اهتماماً، وكل ما تريده هو تسييس العمل الفني. تراجع الفن لمصلحة تمجيد دور الأقليات، وإبراز الانحراف الجنسي، وإظهار كل ما كان يراه العالم في الماضي إفساداً في المجتمعات على أنه عادي ومشروع وحق من حقوق الإنسان!

على صعيد الصورة الأكبر، فقد تراجعت تصنيفات سينمائية مهمة، مثل الويسترن والملاحم التاريخية والرومانسية والأفلام البوليسية، لمصلحة أفلام كتيبة الأبطال الخارقين الخاوية! اختفت أفلام مثل «تايتانيك» و«تروي» و«د.جيفاغو» و«ذهب مع الريح» و«كازابلانكا» و«لورانس العرب»، وهي ملاحم تاريخية ورومانسية تحكي قصصاً عظيمة وتحمل قيماً نبيلة.

المقدمة أعلاه ضرورية لتقديم فيلم Cold War «حرب باردة»، للبولندي بافلو بافلكوسكي، الذي ترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي في حفل الأوسكار الأخير، والفائز بجائزة أفضل فيلم أجنبي لعام 2013 عن رائعته Ida، والرجل الذي قدم النجمة البريطانية، إيميلي بلنت، إلى السينما في فيلم My Summer of Love عام 2004. «حرب باردة» تذكير بتلك الملاحم التاريخية والرومانسية التي سادت الفن السابع منذ ظهور «ذهب مع الريح» عام 1939.

تجري أحداث الفيلم المستلهم من قصة علاقة والدَي بافلكوسكي الرومانسية المتوترة في أوروبا، بين عامي 1949 و1964، حيث نرى تفاصيل علاقة حب رومانسية قاتمة مثل المحيط الذي تجري فيه. يحوي الفيلم قليلاً من الأمل وبعض التراجيديا الموجعة للقلب، ودوافع قد لا تتفق معها، لكن عندما تتذكر عبارة «الحب أعمى» ستتقبل تلك الدوافع.

ينتج عن كل ذلك فيلم يخطف الأنفاس لروعة فنّياته، وقد صوره بافلكوسكي بالأبيض والأسود بالضبط كما فعل مع Ida، ومحبط عاطفياً، وقد لا تكون نهايته مُرضية للجميع. نرى أستاذ الموسيقى فيكتور (توماش كوت)، وإحدى المغنيات في فرقته واسمها زولا (جوانا كوليغ)، في منطقة ريفية نائية من بولندا بعد الحرب العالمية الثانية.

فيكتور وزولا يبدوان تائهين مثل العالم من حولهما، يحاولان التطبيع مع نوع الحياة الجديد الذي خلفته الحرب. وأثناء جولاتهما معاً في ربوع البلاد يعزف هو موسيقى شعبية تراثية وتغني هي مع عزفه، فتتولد بينهما شرارة الحب.

لا تستمر السعادة طويلاً، خصوصاً بعد تدخل الحزب الشيوعي الحاكم في فن فيكتور، ويجبر على عزف ألحان أغان وطنية سوفييتية تمجد القائد، جوزيف ستالين، وبمجرد أن تسنح له الفرصة يهرب إلى باريس. لكن الظروف التي لا يكشف بافلكوسكي تفاصيلها تمنع زولا من اللحاق به.

يبقى فيكتور وزولا لسنوات على طرفَي الستار الحديدي، حتى تجد الأخيرة طريقة لتنضم إليه في عاصمة النور. لمّ الشمل لا يستمر طويلاً بسبب أمور جانبية تتحول إلى الواجهة نتيجة لدوافع الشخصيات، مثلا فيكتور وزولا يستغلان الوضع في أرض المهجر لخدمة مصالح بقائهما في صناعة الموسيقى، لكنهما لا يتفقان على تلك الدوافع، بكلمات أخرى.. أحياناً الحب وحده لا يكفي.

تصاب زولا بالضجر وتعكر المزاج، ويظهر أن حبهما تحول إلى سجن، تفرط زولا في الشرب، حتى عندما تنتج أول أسطوانة غنائية لها بإشراف زوجها فإنها ترميها أرضاً في الشارع ولا تخفي سخطها. لا نريد كشف المزيد من التفاصيل، لكن نقول إن قراراً واحداً مستعجلاً ينهي وجودهما معاً ويعود بالقصة إلى المربع الأول، ونراهما لا يطيقان الوضع، وهذه ليست نهاية الفيلم.

يتمتع «حرب باردة» بفنّيات عالية جداً، ليس فقط بسبب قرار بافلكوسكي تصويره بالأبيض والأسود (وهو قرار فني بحت)، لكن بسبب طريقة المخرج في تحديد إطار كل لقطة، وهي الطريقة ذاتها التي طبقها في Ida. بافلكوسكي يكسر قواعد التصوير الفوتوغرافي والسينمائي المعروفة، ويقلبها رأساً على عقب، فهو أولاً يختار نسبة طول الإطار إلى عرضه 4:3، وهي المستخدمة قديماً في السينما قبل احتدام المنافسة مع التلفاز. ثم يضع الأشخاص في الربعين السفليين من الإطار (أسفل الشاشة بالنسبة للشخص غير المتخصص)، ويترك مسافة شاسعة فارغة بين مادة الإطار (وجه الشخصية) والخط العلوي للإطار. هذا النوع من الأطر ظهر أكثر في Ida من «حرب باردة»، واستخدمه المخرج في الفيلم الأول بشكل متطرف إلى درجة أن الشخصيات كانت أحياناً تخرج من أسفل الإطار.

اللقطة غريبة وغير مستحبة في التصوير الفوتوغرافي أو السينمائي، لكن بافلكوسكي له قصد معين من استخدامها، هي للمشاهد المتأمل أكثر من العادي، والمقصود منها إبراز مساحة فارغة بمثابة منطقة ميتة في الإطار، تعكس الخواءين النفسي والعاطفي للشخصيات، وحالة الضياع أو الشرود الذهني التي تعيشها في الفيلم.

أو بإمكاننا القول إن المقصود جرّ عين المشاهد إلى ذلك الفراغ وفصله عن دراما المشهد بغرض التأمل. كلا التفسيرين يشيران إلى شجاعة وثقة بافلكوسكي بأسلوبه الأقرب إلى سينما تجريبية.

«حرب باردة» تحفة سينمائية حتى وهو لا يتجاوز 85 دقيقة، بالضبط مثل Ida. «حرب باردة» ملحمة رومانسية مصغرة صالحة لكل الأزمنة وتحدث في كل الأمكنة، هي قصة كل عاشقين تقهرهما الظروف وتحول بينهما وبين حلمهما. ولم يكن ينقصها (ولا نقول إن النقص عيبٌ هنا)، إلا ساعة واحدة لو أضافها بافلكوسكي لكانت لدينا ملحمة حقيقية لا تقل عن «ذهب مع الريح».

عودة إلى فقرة الافتتاح، نقول إن التسييس سبب فوز «كتاب أخضر» بأوسكار أفضل فيلم لعام 2018، وهو فيلم دراما عادي لا يقترب أبداً من مستوى «حرب باردة» أو «روما». ونقول لو فاز «روما» بأوسكار أفضل فيلم، وهو يستحق ذلك، لربما فاز «حرب باردة» بجائزة أفضل فيلم أجنبي وهو الأقرب لها، ولا يقل عن «روما» في شيء، لكنه الأوسكار المسيس، فاز «كتاب أخضر» لأنه عن قضية السود، و فاز «روما» (من دون أن ننتقص منه) لأنه عن المكسيكيين. وفوز الفيلمين جاء نكاية في الرئيس الأميركي دونالد ترامب!

أخيراً، يجدر التنويه هنا إلى أنني شاهدت الفيلم على خدمة البث المنزلي، لرداءة الخيارات الموجودة في الصالات المحلية!

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


الفيلم يحوي قليلاً من الأمل وبعض التراجيديا الموجعة للقلب، ودوافع قد لا تتفق معها لكنّك عندما تتذكر عبارة «الحب أعمى» ستتقبلها.

الفيلم يتمتع بفنّيات عالية جداً، وبافلكوسكي يكسر قواعد التصوير المعروفة ويقلبها رأساً على عقب.

طباعة