«غالفيستون».. جيد رغم الخروج عن سيطرة ميلاني لوران - الإمارات اليوم

أداء ممتاز من بطلي الفيلم

«غالفيستون».. جيد رغم الخروج عن سيطرة ميلاني لوران

صورة

لعل أفضل وصف لفيلم Galveston وهو اسم مدينة في ولاية تكساس الأميركية هو: مرقع. فحيث ترى مواطن ضعف تجد في مقابلها عناصر قوية أو استخدمت لتقوية النص، والفيلم إدراكاً من الطاقم التمثيلي والإخراج بأن النص على الورق بحاجة إلى إنقاذ بعد عمليات تغيير أجريت على النص الأصلي.

وربما ما يؤيد هذه النظرية الأنباء الواردة عن رفض كاتب نصّ الفيلم نيك بيزولاتو - وهو أيضاً مؤلف الرواية الأصلية المقتبس منها هذا العمل - وضع اسمه في خانة الاقتباس بعد الإضافات الكثيرة التي وضعتها النجمة والمخرجة الفرنسية ميلاني لوران، بالتعاون مع ممثليها الأميركيين بين فوستر وإيل فاننغ على النص المقتبس، ما أدى إلى تغيير رؤية بيزولاتو بشكل كامل. تصادم الطرفان واحتكما إلى منتجي الفيلم وانحاز هؤلاء إلى رؤية المخرجة التي وصفوها بالأكثر سينمائية، فانسحب بيزولاتو وطالب بوضع اسم مستعار في خانة الاقتباس، وهو جيم هاميت، الذي ليس له أي صفحة تعريفية في موقع ويكيبيديا، ولا في IMDB الشهير، وكان له ما أراد.

كمين

تبدأ أحداث الفيلم عام 1988، نرى روي (فوستر) مجرماً يعمل لدى زعيم عصابة يسمى ستان (بو بريجيز). روي مصاب بسرطان رئة يخرج من العيادة غاضباً بعد أن يخبره الطبيب بالمرض، لكن دون أن ينتظر شرح أي تفاصيل أخرى تتعلق بالتشخيص.

ليس واضحاً لو كان زعيم العصابة يشعر بتهديد، لأن روي كان يواعد صديقة الأول في وقت سابق، أو لأن روي ليس بالكفاءة المطلوبة، لكن الزعيم يقرّر التخلص من روي بإرساله في مهمة، لكن يطلب منه عدم حمل سلاحه! ولا يوجد سبب لذلك سوى أن الزعيم يخطط قتل رجله في كمين.

وهذا ما يحدث بالضبط، لكن روي أذكى من ألا يحمل سلاحه، فيذهب إلى المهمة ويقاتل بشراسة وعندما يُقتل زميله، يقضي على العدو عن بكرة أبيه، وعندما يهم بالخروج يجد فتاة مربوطة بكرسي، فيقرر تحريرها وأخذها معه. الفتاة اسمها راكيل (فاننغ) وتحب أن تسمى روكي، يتضح أنها بائعة هوى، أثناء هربهما تطلب روكي من روي التوقف عند بيتها القديم، تدخله ثم نسمع طلقة نارية وتخرج ومعها طفلة صغيرة (التوأم تينسلي وأنيستون برايس اللتان مثلتا دور أخت البطلة، ويبدو أن ذلك لتشجيع الطفلتين على دخول التمثيل مستقبلاً) تقول إنها أختها، وإنها تنقذها من عنف والد الطفلة بالتبني، يكمل روي طريقه إلى مدينة غالفيستون حيث يقيمان مع الطفلة المختطفة في فندق صغير إلى حين تدبير أمورهما. بعد هذه الجزئية تحديداً تبدأ مواطن الضعف في الظهور ومعها محاولات المخرجة والممثلين التغطية، مثلاً تبرز كليشيهات كمحاولة روكي إغراء روي بجسدها، ورفضه ذلك الإغراء دون توضيح أسباب رفضه، هل لأنه شخص محتشم أم لأنه يريد مساعدتها لترك هذه الطريق، أو أنه يحمي نفسه.

رجل عصابة تائب

شاهدنا كثيراً من الأفلام والمسلسلات عن رجل عصابة تائب يبحث عن الخلاص، حتى غدت الشخصية «كليشيه» هي الأخرى. قصة روي وهي قصة الفيلم نفسه، حيث تروى من وجهة نظره ليست أفضل عناصر الفيلم بل أقلها إثارة للاهتمام، وليس لها أي وزن. هو مريض ويقول إنه يصارع الموت ونواياه غير واضحة، ويبدو أن كل هدفه تخليص روكي من مصيرها. ولا نعلم شيئاً عنه لنهتم به. في المقابل، شخصية روكي غامضة وتثير الاهتمام، فهل هي اختطفت الطفلة أم خلصتها؟ ما سر الطلقة النارية؟ وهي كلها تفاصيل ستضح في الجزء الأوسط من الفيلم، لكن رغم ذلك تهمل لوران روكي وتذهب إلى روي. أيضاً في منتصف الفيلم تتضح أكثر لمسات لوران بجعل الفيلم أفضل، حيث خالفت توقعات المشاهد بشكل جيد. مثلاً عندما تذهب التوقعات باتجاه أن هذا فيلم طريق، أي تقع كل أحداثه أثناء ترحال الشخصيات من مكان الهروب إلى مكان الخلاص، فإن لوران تخالف ذلك لتستقر شخصياتها في فندق غالفيستون.

في الفندق عندما يظن المشاهد أن علاقة روي وروكي ستذهب باتجاه الرومانسية، خصوصاً بعد طلبها المبيت في غرفته لأسباب لا تتعلق بمهنتها، فإن لوران وفاننغ تدفعان باتجاه آخر لسنا بحاجة لكشف تفاصيله. يذكر «غالفيستون» بفيلم آخر هو جوليا عام 1977 الذي يفعل الشيء نفسه، وهو ترك الشخصية الأكثر إثارة بالاهتمام والتركيز على أخرى لتروي القصة؛ فيضيع الكثير من التفاصيل المهمة.

جزئية نوعية

لوران وهي تلك الممثلة الفرنسية التي اشتهرت كثيراً بعد تقمصها دور المنتقمة شوسانا في فيلم Inglourious Bastards الشهير لكوينتن تارانتينو عام 2009، كذلك Enemy في 2013، وهذا العام في Operation Finale أثبتت أنها تمتلك رؤية سينمائية تستحق الاهتمام من خلال فيلمها السابق Breathe عام 2014 الرائع والأجمل من هذا. «غالفيستون» فيلم جيد إلى حد ما رغم خروجه عن سيطرة لوران في أجزاء عدة.

المشهد الأخير من الفيلم ينتقل بالقصة 20 عاماً إلى الأمام، حيث نرى روي في «غالفيستون» أثناء إعصار آيك عام 2008، لا نريد كشف مزيد من التفاصيل للراغبين في استكشاف الفيلم، لكن نقول إن هذه الجزئية أفضل بكثير من الفيلم برمته، والانتقال إليها سبب خللاً شديداً في النبرة والقصة، وكأننا نشاهد فيلماً آخر، لأنها انتقلت من فيلم جريمة عادي إلى جزئية تمثل قصة مختلفة كلياً يتداخل فيها واقع مرير مع نوع من الخيال السيريالي، وبمجرد انغماس المشاهد وتوقه للمزيد ينتهي الفيلم فجأة، وربما لو بدأت لوران من هذه الجزئية لكان «غالفيستون» فيلماً أفضل.

تتمتع لوران بثقة كبيرة مع الكاميرا، وتبدو لقطات الفيلم كأنها غير ملتزمة بالنص، فهناك لقطتا أكشن مستعارتان من مسلسل True Detective (كمين البداية ومشهد هروب روي من كمين في النهاية) تصورهما لوران في لقطة واحدة دون أي قطع على طريقة بول غرينغراس في أفلام جيسن بورن. وهناك لقطات حوارية تترك فيها لوران الكاميرا على المتحاورين دون التركيز على أحدهما، وهنا يأتي دور الممثلين في خلق علاقة الانسجام مع بعضهما، على طريقة ريتشارد لينكليتر التجريبية في ثلاثية «بيفور». يحوي الفيلم لقطات بانورامية جميلة لشاطئ بحر (موجودة أيضاً في فيلم Breathe المذكور سابقاً) وأخرى مؤطرة ومضاءة بألوان جاذبة وجميلة وأخرى تهتز بشكل لافت، وليست كل اللقطات منسجمة مع نبرة الفيلم الظلامية. أجمل ما في الفيلم تمثيل فوستر، الذي قدم أداء لا يقل في فيلم Leave No Trace في وقت سابق هذا العام، وكذلك فاننغ التي منحت شخصيتها بعداً أكثر من مجرد بائعة هوى نمطية.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


عمل مختلف

كتب بيزولاتو رواية «غالفيستون» عام 2010، أي قبل مسلسلهTrue Detective الفلسفي الشهير عام 2014، وينبغي التنويه أن هذا الفيلم ليس مثل المسلسل، وإنما عمل مختلف كلياً بسبب رؤية لوران أكثر منه نص بيزولاتو.

1988

العام الذي تبدأ معه أحداث الفيلم.

يحوي الفيلم لقطات بانورامية جميلة لشاطئ بحر.. وأخرى مؤطرة ومضاءة بألوان جاذبة وجميلة وأخرى مهتزة.

طباعة