أورنوفسكي والموت من وطأة الجمال

«بجعة سوداء».. ولدت من ريش البيـضاء

أورنوفسكي يخرج من حلبات المصارعة إلى بحيرة البجع. أرشيفية

راقصة الباليه من شدة ولهها بتلك البحيرة أمست بجعة، عاشت كل ما يحيلها إلى تحول أسطوري، إلى جنون يصل الموت دون أدنى تردد، دون ذرة عقل واحدة ستكون بلا معنى حين ينعدم الاحساس بالواقع ويمسي التمركز حول الجسد والروح والحواس.

هنا يمكن الحديث عن العالم وقد تمركز عند أصابع قدمي راقصة الباليه، وهي تحمل جسدها كاملاً بالخفة التي تحيلنا إلى ريش البجعة، وليست تلك البجعة إلا امرأة مسحورة حسب تشايكوفسكي، بجعة بيضاء وأخرى سوداء، كما الخير والشر وذاك العتاد الثنائي، الذي ستنبني عليه موسيقى «بحيرة البجع». ثمة ما يغري بمواصلة ما بدأنا به، لكن علي أن أوضح من أين يهب هذا الكلام، لا لشيء إلا ليتسق ويتضح بمجرد القول إنه قادم من فيلم دارين أورونوفسكي Black Swan «بجعة سوداء»، فالعنوان واضح وصريح، ويمكن لمقاربة هذا الفيلم أن تبدأ من ملصقه، لكن في الوقت نفسه لن يكون في وسعنا توقع ما ينتظرنا، والسؤال السابق للمشاهدة سيكون على شيء مثل: ما الذي سيفعله أورنوفسكي ببحيرة البجع؟ ما الذي سيفعله هو الخارج من حلبات المصارعة مع فيلمه الأخير «المصارع» 2008؟

بناء أسطورة

الإجابة عن السؤال الأول سيكون بأن هناك الكثير ليفعله كما سيضيء لنا الفيلم، بينما ستأتي الباليه استكمالاً للمصارعة! وإن كانا على النقيض تماما من بعضهما البعض، لكنه ليس كذلك إن كان المقصود هو تعقب هذا الرصد لشخصية محورية واحدة متمركزة حول فعل شيء واحد فقط، لا تعرف الحياة دونه ولا تعرف شيئاً خارجه، ومصيرها الموت متى فارقته، فالمصارع راندي (ميكي رورك) لن يحيا دون مصارعة، كذلك نينا (ناتالي بورتمان) راقصة الباليه التي ستموت من شدة ولهها برقصها. في فيلم أورنوفسكي ما يغري بالحديث عن فنون أخرى غير السينما، ولعل المقاربة الأجمل للفيلم ستكون عبر ما يستدعيه من أعمال فنية وأدبية كبرى، ومسعى الفيلم أولاً وأخيراً لبناء أسطورة، كما هو بجماليون على سبيل المثال الذي يعشق تمثال امرأة، أو امرأة الريش في «حكاية الحسن البصري» في «ألف ليلة وليلة»، وصولاً إلى تحولات كافكا، وغيرها من أعمال فنية خالدة، يأتي ايرادها هنا بعيداً عن المقارنة بمعنى التشابه من حيث القصة أو ما إلى هنالك، بل للتدليل على البناء المجازي لحالة نينا، لشرعيتها الإبداعية وصلاحيتها لأن تكون مجازاً للتماهي مع الفن، ومحو الخط الفاصل بين الواقعي والفني وتداخلهما، أو ما يمكن اعتباره تفوق الفن على الحياة، وكل ما يقدمه فيلم «بجعة سوداء» هو المضي مع من تتماهى مع الفن لدرجة الانفصال التام عن الواقع، فلا واقع إلا واقع المخيلة، ولن يكون العالم إلا عالم تشايكوفسكي بالنسبة لنينا، وهي لا تعرف إلا الرقص والرقص فقط. وفي السياق نفسه فإن الفيلم يضيء ما تقدم من أعماق نينا، إنه فيلم نتالي بورتمان بامتياز، وإن أداءها وإدارة تمثيلها من قبل أورنوفسكي سيكون عاملاً حاسماً في الفيلم، وبالتأكيد فإنه دور العمر بالنسبة لبورتمان، والذي نالت عليه جائزة أفضل ممثلة في دور رئيس في «غولدن كلوب» ولعل الأوسكار سيكون بانتظارها هذا العام.

هوس وفصام

الهوس، الوساوس، الفصام، كل ذلك سيجد طريقه إلى نينا، وبمجرد أن يختارها مدير فرقة الرقص توماس (فينسنت كاسل)، لتقديم «بحيرة البجع»، لكن بوصفها البجعة البيضاء والسوداء في آن. حسب توماس فإنها متمكنة تماماً من كونها بجعة بيضاء، لكنها ليست بجاهزة لأن تكون السوداء، غير قادرة على أن تكون رمزاً للغواية، متشنجة ومتوترة، لا وجود لرجل في حياتها، لا بل إن الأمر ملتبس بخصوص عذريتها ربما.

سيمضي الفيلم في خطين متوازيين، الأول استعدادات نينا لتقديم «بحيرة البجع»، والخط الثاني يتمثل بتسرب قصة بحيرة البجع إلى حياتها، وإيجادها معادلات تلتقطها من محيطها تكون محملة بما تمثله القصة، حيث تتحول ليلي (ميلا كونيس) زميلتها في فرقة الرقص إلى المجسد لكل الغوايات، وإلى المحرض لها للمضي في رغباتها الدفينة، ومن ثم منافستها التي تريد سرقة دورها الرئيس أو على الأقل تجسيد ليلي للبجعة السوداء، لكن سرعان ما سنكتشف بأن ذلك كله يحدث في مخيلة نينا، كما هو الحال مع التمهيد السابق لذلك المتمثل برؤية امرأة تشبهها على الدوام، وصولاً إلى العوارض الفصامية المتثلة بجرحها نفسها، ووجود آثار خمسة على ظهرها تكون من صنيع أظافرها، بما يمثل البنية التأسيسية لما ستمضي إليه حياتها. عالم نينا لا شيء فيه إلا الباليه وأمها، ولن نعرف أي شيء عن حياتها خارج ذلك، وفي هذا ما يؤكد أن الفيلم معني تماماً بالتركيز على نينا بوصفها حاملاً للهوس الفني، للجنون بالعمل الفني الذي تجسده، إلى أن تصل بعد تصعيد يصل أقساه إلى بجعة، بما يلغي الواقع تماماً، دون أن يتخلى الفيلم في الوقت نفسه عن بناء مبرراته الواقعية إن صح الوصف، والتي هي مبررات نفسية، سرعان ما تتحالف مع مسعى نينا إلى الكمال الفني، والذي يعني في النهاية الموت، وما سيقتل هو الأبيض، بعد أن بذلت نينا كل ما في وسعها لأن تكون قادرة على تجسيد البجعة السوداء.

سيكولوجيا

فيلم «بجعة سواداء» الذي كتبه كل من مارك هيمن وأندريه هينز وجون ماكليفن، سيجد بالاتكاء على السيكولوجي معبراً محكماً نحو عوالمه الخاصة، والتمركز سيكون حول شخصية واحدة فقط، بطولتها مضاعفة، وحياتها التي سنتعقب طيلة الفيلم ستكون مجازاً مكثفاً للهوس الذي يطال كل شيء في حياة نينا، بما في ذلك الأكل، ونحن نرى نينا ترفض أكل قطعة من «الكعك» الذي أحضرته أمها احتفالاً بحصولها على الدور الرئيس في «بحيرة البجعة»، وحين تقبل وتتناول الكريما التي تقدمها أمها لها باصبعها فإن وجهها سيكون محملاً بالندم، وذلك لهلعها من أي زيادة في الوزن، الوجه نفسه أي وجه نتالي بورتمان الذي يفضح كل أعماقها، الوجه الذي سيكون قلقاً من البداية، على حافة البكاء، ويجد في تعابير الفرح مشقة كبيرة، ولنكون في النهاية أمام فيلم أسود، فاحم السواد من شدة توهجه.

طباعة