خبـراء: التحكّم في أسعـار السلـع عبر المنافذ الجمركية صعب التطبيق

إنشاء كيان موحّد يتولى الاستيراد   لكل الجمعيات من شأنه وضع حد لارتفاع الأسعار. تصوير: دينيس مالاري 

 أثار اقتراح تم عرضه أخيراً في بعض الأوساط الإقتصادية في الدولة بشأن التحكم في حدود أسعار السلع فور دخولها المنافذ الجمركية الجدل بين الخبراء التجاريين حول مدى صلاحية تطبيقه، لافتين إلى أن «اتباع وسائل أخرى لمواجهة ظاهرة غلاء الأسعار ستكون مناسبة بشكل أكبر في التنفيذ وفقاً للسياسات التجارية التي تتبعها الدولة».

وكانت وزارة الاقتصاد ـ وعلى لسان مديرها العام، محمد الشحي ـ قد رأت أن «الاقتراح، الذي ظهر أخيراً في بعض الأوساط الاقتصادية وتبنت الدعوة له جمعية أبوظبي التعاونية، صعب التطبيق لعدم ملاءمته لنظم السوق والاقتصاد الحر في  الدولة».

تبنّي الخطة
وقال نائب المدير العام في جمعية أبوظبي التعاونية، فيصل العرشي «من المهم أن يتم تبني خطة متكاملة تقضي بالتحكم في أسعار السلع منذ دخولها المنافذ الجمركية وفرض حد أقصى للأسعار في الأسواق»، لافتاً إلى أن «مثل هذه الخطة ستؤدي إلى إحداث خفض كبير في أسعار مختلف السلع في منافذ التوزيع المختلفة».

واعتبر العرشي أن «خطة وزارة الاقتصاد الخاصة بخفض الأسعار، التي تمنع منافذ التوزيع من بيع أي سلع يرتفع سعرها إلا بموافقة الوزارة، غير كافية»، موضحاً أنه «لابد من إلزام جميع شركات الاستيراد، وليس منافذ البيع فقط، بعدم زيادة الأسعار قبل الحصول على موافقة من الوزارة، على أن يسري ذلك على جميع الشركات من دون استثناء»، مؤكداً أن «جميع منافذ التوزيع لن تستطيع الالتزام بوقف بيع السلع التي ترتفع أسعارها فترة طويلة»، كاشفاً أن «بعض هذه المنافذ تقوم فعلاً حالياً ببيع بعض هذه السلع»، رافضاً أن يكشف عن أسمائها.

صعوبة التطبيق
وقال نائب المدير العام في جمعية «الاتحاد التعاونية» في دبي، إبراهيم عبدالله البحر، إنه «من الصعب تطبيق سياسات التحكم في حدود أسعار السلع عبر المنافذ الجمركية  لأنها تتعارض مع نظم عمل الأسواق في الدولة التي تتبنى مبادئ التجارة الحرة، والتي تتيح للتجار الحرية في وضع الهوامش السعرية للسلع»، لافتاً إلى أن «تطبيق اقتراحات التحكم في الأسعار بمجرد دخولها المنافذ الجمركية من الممكن أن يكون له آثار سلبية على المناخ التجاري في الدولة، وقد يؤثر في جاذبية أسواق الدولة للأنشطة التجارية».

وأوضح أن «غالبية المستثمرين والتجار يفضلون العمل في أسواق الدولة للاستفادة من نظم التجارة الحرة، وتطبيق مثل هذا الاقتراح قد يتسبب في هروبهم لأسواق أخرى». وأشار إلى أن «أفضل السبل لتفادي عدم وجود مبالغات في عمليات التسعير ومواجهة ظاهرة الغلاء تكمن في التطبيق الصحيح لمبادئ العرض والطلب في الأسواق»، مضيفاً أن «ذلك يجب أن يتم أيضاً بشكل موازٍ لنشر مفاهيم ثقافة الاستهلاك وحقوق المستهلك حتى يتم تطبيق الاستقرار والتوازن في الأسواق».

وأضاف أن «فتح قنوات التواصل والتباحث مع الموردين يعد من الوسائل الناجحة أيضاً في مواجهة ظاهرة غلاء الأسعار، كما حدث خلال الفترة الماضية عقب اتفاقيات التعاون بين وزارة الاقتصاد ومنافذ البيع والموردين»، مشيراً إلى أن «إدارة جمعية الاتحاد مستمرة خلال الفترة المقبلة في تنفيذ خطوات المباحثات مع الموردين لتطبيق تخفيضات جديدة في أسعار السلع الغذائية الأساسية».

إجراءات الوزارة
وأشار القائم بأعمال المدير العام في جمعية «الإمارات التعاونية» في دبي، فريد الشمندي، إلى أن «إدارة الجمعية تفضل اعتماد معايير العمل التي تقرها وزارة الاقتصاد في مواجهة ظاهرة الغلاء»، موضحاً أن «تلك المعايير كانت جيدة في مواجهة الظاهرة وأثبتت ذلك عبر خطوات عدة نحو تخفيض الأسعار خلال الفترة الأخيرة».

وأوضح أن «مواجهة ظاهرة الغلاء من الممكن أن تتم من خلال وسائل عدة، من أبرزها عدم عرض المنتجات التي يطالب الموردون بزيادتها مثلما حدث أخيراً، وفقاً لتعليمات وزارة الاقتصاد»، مضيفاً أن «عدداً كبيراً من الموردين سحب طلبات زيادة الأسعار بعد قرارات منافذ البيع عدم العرض إلا وفق إقرار الوزارة لتلك الطلبات بعد دراسة مبررات الموردين».

السوق الحرة
من جانبه، اعتبر المدير العام لوزارة الاقتصاد، محمد عبدالعزيز الشحي، أن «هذا الاقتراح يتناقض تماماً مع اقتصاديات السوق الحرة التي تنتهجها الدولة»، لافتاً إلى أن «هذا الاقتراح يمكن تطبيقه فقط في الدول التي تتبع المنهج الاشتراكي».

وقال الشحي «الوزارة لا تتحكم في السوق ولا تتحكم في التجار»، مشيراً في هذا الصدد إلى أن «سياسة الوزارة تتمثل في مكافحة الارتفاع غير المبرر للسلع من خلال الاتفاق مع منافذ التوزيع على عدم عرض السلع التي ترتفع أسعارها، وليس عن الطريق التحكم في الأسعار من المنافذ الجمركية».

المنافذ الجمركية
من ناحية أخرى، قال مصدر مسؤول في الهيئة الاتحادية للجمارك «إن الاقتراح الخاص بالتحكم في أسعار السلع من المنافذ الجمركية وتحديد حد أدنى وحد أقصى لسعر السلعة التي تدخل الدولة صعب التطبيق تماماً»، موضحاً أن «هناك نحو 5000 بند جمركي يتضمن كل بند فيها عشرات الآلاف من السلع، ما يجعل من الصعوبة بمكان تطبيق هذا الاقتراح».

وشدد على أن «الاقتراح صعب التنفيذ وغير عملي، حيث ينبغي على وزارة الاقتصاد  في هذه الحالة القيام بمهمة عسيرة تتمثل في بحث فواتير الاستيراد الخاصة بعشرات الآلاف من السلع، ومعرفة سعر البيع، كذلك دراسة منتجات كل شركة على حدة وتحديد تكاليف الإنتاج والنفقات، ما يجعل الاقتراح غير قابل للتطبيق».

وأوضح  أن «الجمارك ليس لها علاقة بأسعار السلع التي تدخل الدولة وتنحصر مهمتها بشكل أساسي في مراجعة فواتير الاستيراد والتأكد من سلامتها من خلال خبراء التقييم الجمركي، وتبادل المعلومات على نطاق دولي والتحقق من عدم حدوث تزوير فيها»، لافتاً إلى أن «وزارة الاقتصاد تستطيع التدخل في الأسعار من خلال اتفاقيات مع الموردين وتحديد هوامش ربح محددة والمساعدة على تقليل النفقات بالنسبة للشركات من خلال الاستغلال الأمثل للموارد وإعادة هيكلة الشركات مثل ترشيد نفقاتها».

ولفت إلى أنه «يمكن التأثير في أسعار السلع التي تدخل الدولة من خلال رفع الرسوم الجمركية في حالة حدوث إغراق أو خفض الرسوم الجمركية أو إلغائها لإحداث خفض في أسعار السلع، مثلما حدث في أسعار الحديد، ما أدى إلى انخفاض سعره في السوق بنسبة 5%»، مشيراً إلى أن «الإمارات لا تملك وحدها اتخاذ قرار بتغيير الرسوم الجمركية بل ينبغي تغيير الرسوم بواسطة قرار خليجي موحد بعد رفع طلب بهذا الصدد إلى مجلس التعاون الخليجي للموافقة عليه».

تلاعب التجار
ورأى الخبير في شؤون المستهلك، حسن الكثيري، أن السيطرة على الأسعار من المنافذ الجمركية أمر صعب في ضوء تلاعب التجار والموردين بالأسعار عن طريق حيل عديدة، فضلاً عن عدم وجود عمالة فنية ماهرة وكوادر مدربة تستطيع التعرف الى هذه الألاعيب ومحاربتها، ووجود جهات حكومية معنية بالرقابة ما يؤدي إلى ضياع المسؤولية بين الأطراف المختلفة».

وتابع «القضية الأساسية تتمثل في إيجاد منافس قوي للموردين الذين يتحكمون في الأسعار كيفما يشاؤون سواء كانت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية أو غيرها، ما يتطلب تغيير قانون الجمعيات واستقطاب أعداد كبيرة من المشاركين».

وأوضح «في هذه الحالة لابد من إيجاد جمعية مركزية تنضوي تحتها مختلف الجمعيات، بحيث تقوم بعمليات استيراد جماعي للسلع الاستراتيجية بصفة خاصة على مستوى الدولة، وعمل عقود تفضيلية مع أصحاب المزارع والمصانع للحصول على أفضل الأسعار».

وشدد «يلاحظ المستهلك عند شرائه العديد من السلع وجود اختلاف بين أسعار السلع في منافذ البيع المختلفة، وأحياناً يكون السعر في الجمعيات أكبر من سعره في منافذ أخرى، ما يتطلب تكتل الجمعيات والقيام بعمليات استيراد جماعي للحصول على ارخص الأسعار».

وطالب الكثيري «بزيادة عدد السلع التي تبيعها الجمعيات تحت اسم «التعاون» بأسعار مخفضة عن السلع الأخرى»، مشيراً إلى أن «عدد هذه السلع محدود للغاية ولا يشعر بها المستهلك». 
وعي المستهلكين
قال الخبير في شؤون المستهلك، حسن الكثيري «إن المستهلكين في أسواق الدولة لايزال ينقصهم الوعي بالقدر الكافي إلى الدرجة التي تجعلهم يقارنون بين السلع قبل الشراء من حيث السعر والوزن، والعمل على ترشيد استهلاكهم بالنسبة للسلع الغالية الثمن أو التي يرتفع ثمنها من دون مبرر».

مطالباً بـ«زيادة عدد الأسواق الشعبية»، موضحاً أن «هذه الأسواق قل عددها كثيراً بعد سيطرة المراكز التجارية الضخمة، ما أضرّ بالمستهلك، حيث تستأجر هذه الأسواق الأماكن التي تعرض فيها بأسعار زهيدة، ما يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع، خصوصاً بالنسبة لمحدودي ومتوسطي الدخل».  

طباعة