المرصد

هل نقول: وداعاً «بي.بي.سي»

بعد قرن كامل من الإنجازات، تواجه هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أزمة متصاعدة، تصل حدتها إلى درجة يمكن أن تهددها بالإغلاق.

وتتسم الأزمة بأبعاد مركبة، لا يمكن اختزالها في عنصر واحد، ضمنها بعد سياسي يتعلق بالاعتراض على محتوى الهيئة الإعلامي من قبل أطراف نافذين، وآخر يتعلق بالتمويل، وثالث يتعلق بتقلص أهمية خدمات إعلامية معينة تقدمها الهيئة، ورابع يتعلق بشلالات الثورة المعلوماتية، التي تدفقت في العالم من كل جانب، فبدت «الهيئة العجوز» غير قادرة على المنافسة.

الأزمة الجارية ليست الأولى ولا الوحيدة في تاريخ الهيئة، فقد واجهتها بعد أربعة أعوام فقط من ميلادها عام 1922 أزمة إضراب عام 1926 في بريطانيا، وكان عليها أن تختار إما الانحياز لمليون ونصف المليون من عمال صناعة الفحم من أبناء الشعب، أو الانحياز إلى الحكومة صاحبة السلطة والقرار، فاختارت الهيئة البقاء وأفلتت من الأزمة، لكن ليس قبل أن تدينها قطاعات واسعة من الشعب البريطاني، وتسميها «بي.إف.سي»، أو «بريتيش فيك نيوز»، أي «هيئة الأخبار المزيفة البريطانية»، بدلاً من «بي.بي.سي».

وخطورة الأزمة هذه المرة أنها تضرب في الجذور، في خياري البقاء والفناء، بشكل لا مواربة فيه.

فرئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، ومعه قطاعات من الطبقة السياسية، يقودون حملة متصاعدة تسلم خطوة منها للأخرى في تسلسل محكم، كان أولها قراراً حكومياً بالتحقيق في «رسوم الترخيص»، التي تعيش عليها «بي.بي.سي» تمهيداً لإلغائها، وهي خطوة بالغة الخطورة، إذا وضعنا في الاعتبار أن هذه الرسوم تشكل 75% من ميزانية الهيئة، البالغة خمسة مليارات دولار تقريباً، مع أن الميزانية الحالية بالأساس لم تعد كافية، في ظل توسع المؤسسة الإعلامية الضخمة، التي زاد عدد موظفيها الرسميين على 22 ألف شخص، والفعليين على 35 ألف شخص.

خصوم «بي.بي.سي»، كما تقول التسريبات، لن يكتفوا بهذه الخطوة، فالحكومة تعتزم، بحلول 2022، إلغاء عقوبة الحبس لمن يمتنع عن دفع رسم الترخيص البالغ 206 دولارات سنوياً للفرد، ما يعني فعلياً إلغاؤه، كما أنها تعتزم عدم تجديد الاتفاقية بينها وبين «بي.بي.سي»، بشأن الرسم نهائياً بحلول 2027.

ووسط هذه التطورات، يبدو تشبث الهيئة بالبقاء مهمة صعبة، خصوصاً في ظل تزايد مساحات تغول ديناصورات صناعة الإعلام والترفيه العالميين: «نتفلكس»، و«أمازون»، و«غوغل يوتيوب».

المسؤول الأول في «بي.بي.سي»، ديفيد كليمني، لا يعترف بهذه الموجة العاتية المضادة، ويعتبر أن «الهيئة التاريخية» أقوى من أن تكسر، فيصرح للإعلام، في تحدٍّ، بأنه يرحب بالتحقيق، «لأن الشعب البريطاني يعتبر (بي.بي.سي) ثروة قومية، ويعرف أن (بي.بي.سي) ضعيفة تعني بريطانيا ضعيفة». تصريح قوي لاشك، لكن الحقائق تبدو أكثر وعورة.

طباعة