فقدت الأسر الحيز الاجتماعي المشترك.. وتضاءلت قيمة الحياة المنزلية

    غياب خط الهاتف الثابت بالمنزل أثر سلباً في العائلة

    أصبح كل شخص لديه هاتفه الخاص لتنتهي المشاركة العائلية. أرشيفية

    معظم المنازل في الولايات المتحدة تستخدم الآن الهواتف المحمولة، حصرياً، وفقاً لتقارير الحكومة الفيدرالية. وبات الناس يقولون بفخر مع بداية الألفية الجديدة: «لن يكون لدينا خط أرضي بعد الآن». لكن جاء ذلك مع خسارة تجاوزها الناس بهدوء؛ متمثلة في فقدان الحيز الاجتماعي المشترك لخط الهاتف الثابت العائلي.

    وفي ذلك يقول أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة «ويبر ستيت»، لوك فرنانديز: «كان هاتف العائلة المشترك بمثابة مذيع أخبار للمنزل»، متابعاً: «إنها الطريقة التي يمكن من خلالها الوصول إليك، والوسيلة التي كانت هناك حاجة إليها لاستقبال الرسائل». ومع ظهور الهواتف الذكية، اكتسبنا مرونة التواصل من أي مكان، إضافة إلى المزيد من الخصوصية، لكن قيمة الحياة المنزلية تضاءلت، وكذلك تراجعت قدرة البيت على توجيه ومراقبة السلوك العائلي، وربما ربط العائلات ببعضها بعضاً». كان هاتف المنزل اختراعاً للاستخدام المشترك، منذ البداية، وكان الهاتف يرن، عندما يتجمع الأصدقاء والعائلة. وبعد ظهور الهاتف، أواخر القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، كان المتصلون يعتمدون على موظفي البدالة، الذين كانوا يعرفون أصوات عملائهم، وتمت مشاركة الخطوط من قبل الجيران، الذين كانوا يتنصتون - في كثير من الأحيان - على محادثات بعضهم بعضاً، وبات الهاتف يؤدي وظيفة مجتمعية.

    أكثر خصوصية

    على مدار القرن العشرين، أصبحت الهواتف أصغر وأسهل في الاستخدام، وبالتالي أصبحت أقل رمزية في المنزل. ومع انتشار الهواتف اللاسلكية في الثمانينات، أصبحت المكالمات أكثر خصوصية؛ لكن حتى عند تلك النقطة، كان إجراء مكالمة هاتفية مع خط أرضي آخر، يعني أن المتصل لا يعرف من سيرفع السماعة. وبالنسبة لأولئك الذين نشأوا مع هاتف عائلي مشترك، فإن الاتصال بالأصدقاء يعني عادة التحدث أولاً مع والديهم، والرد على المكالمات يعني التحدث مع عدد من معارف آبائنا، بشكل منتظم.

    وبالإضافة إلى تطوير مهارات التحدث، يطلب هاتف العائلة من مستخدميه التحلي بالصبر والمشاركة مع الآخرين. والواقع أن هواتف الثمانينات المحمولة، التي اكتسبت شعبية في التسعينات، جعلت كل المكاسب القديمة يتخطاها الزمن، بتهميش الخطوط الأرضية. علاوة على ذلك، يمكن الآن الاحتفاظ بالمكالمات والنصوص ورسائل البريد الإلكتروني التي تصل إلى الهواتف المحمولة، خصوصاً من أفراد الأسرة.

    يقول أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا الحكومية، لاري روزن، «إنه (الهاتف المحمول) يُبقي الجميع منفصلين في شرانقهم التكنولوجية الصغيرة»، متابعاً: «في حين أن الخطوط الأرضية تجمع أفراد الأسرة في مكان واحد، فإن الهواتف المحمولة، الآن، تجعلهم يعيشون في صوامع مغلقة».نشّأت شيريل مولر، وهي فنانة تبلغ من العمر 59 عاماً، ولديها البالغين حالياً 27 و30 عاماً، أثناء فترة الانتقال من الهاتف الثابت إلى المحمول. وتقول الأم التي تعيش في بروكلين: «أتذكر التحول في المشهد، فقد يخبرني أحدهم بأن الاتصال (من أجلك)، وكنت أعرف الأصدقاء المتصلين مسبقاً، إلى أن تحولت الأمور، إلى حد كبير، لتصل إلى الصمت». أما كارولين كولمان (54 عاماً)، وهي كاتبة من نيويورك، التي نشأ أطفالها خلال الفترة الانتقالية أيضاً، فتتذكر كيف تلقى ابنها في سن العاشرة مكالمة هاتفية من شخص له صوت غريب، «كنت مرعوبة، وسألته: من هو؟ ليتبين أنه زميله في الفصل، وقد تغير صوته». متابعة: «عندما يكون لديك هاتف محمول، تفقد هذا التواصل».في هذه الأيام، يتم عكس هذه الديناميكية، أيضاً. لقد كان هاتف العائلة المشترك يتيح للأطفال سماع بعض محادثات آبائهم، ما يسلط الضوء على علاقاتهم خارج البيت، لكن اليوم، كثيراً ما يرى الأطفال أحد الوالدين يحدق بصمت في شاشة الهاتف الذكي، بينما تلامسها أصابعه بهدوء، وفي بعض الأحيان تتخلل المشهد ابتسامة أو تعابير وجه مختلفة.

    وظائف عدة

    «ابنتي البالغة من العمر 11 عاماً تخبرني، يوماً، بأنها لم تعرف أبداً الأشخاص الذين تراسلهم نصياً». تقول شيري توركل، وهي أستاذة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومؤلفة كتاب «استعادة المحادثة: قوة الحديث في العصر الرقمي»، متابعة: «إنه الصمت الجديد في الحياة الأسرية».

    ومن الأمور الأساسية في جذب الهاتف الذكي، حقيقة أنه ليس مجرد هاتف. لقد تم تصميم الهاتف الأصلي، حصرياً، للتحدث والاستماع، بينما لدى هواتف اليوم هذه الوظيفة والعديد من الوظائف الأخرى، وفقاً للأستاذة في نيوجيرسي، ماري إيلين لوف: «عندما كان مجرد هاتف، يمكن إجراء محادثة واحدة فقط في كل مرة»، متابعة: «الآن بالإمكان الانخراط في خمس محادثات، في آنٍ واحد».

    وتقول عالمة النفس الإكلينيكي، كاترين شتاينر - أدير: «لم يكن لدى أي أحد مشكلات نفسية، عندما كان الشباب يغادر المنزل دون هاتف». متابعة: «لم يكن أحد يقول إن هاتفه الخاص هو حياته». وتوضح عالمة النفس: «إنه ليس هاتفاً، بل إنه الخبر و(يوتيوب)، والحساب المصرفي، ووسيلة التسوق.. يمكنك الانخراط في كل جانب من جوانب حياتك، وبعضها رائع».

    فقدان الإحساس

    انتقلت بيئة المكالمات من غرفة المعيشة أو المطبخ إلى أي مكان، ونتيجة لذلك قضى المتصلون الأوائل وقتاً في محاولة معرفة أمكنة وجود بعضهم، وكانوا في الأيام الأولى للهاتف المحمول يسألون غالباً: «هل أنت هناك؟».. لكن الآن أصبحوا أكثر نضجاً، وباتوا يسألون: «أين أنت؟».

    عندما يرفع مستخدم الهاتف عينيه بعيداً عن عالمه الافتراضي؛ يتعين عليه أن يعود إلى محيطه المادي. وفي ذلك تقول شتاينر - أدير: «لا يغيب الإنسان عن واقعه عندما يتحدث عبر الهاتف المنزلي، مقارنة بالهاتف المحمول». موضحة: «لا يفقد الإحساس بالمكان والزمان».

    الكثير من الناس لا يتحسرون على رحيل هاتف العائلة. يقول مايكل مولر، وهو فنان في بروكلين، إنه يشعر بقربه الدائم من الهاتف المحمول، ويفضل الرسائل النصية على الاتصال، والتي يقول إن الناس يستخدمونها فقط عندما يريدون «الحصول على إجابة». مضيفاً: «النص يعطيك الوقت الكافي للتفكير في الأمر». وفي حال كان للفنان الشاب أطفال، فهو غير متأكد من أنه سيطلب خطاً أرضياً لمشاركته مع عائلته.

    • بيئة المكالمات انتقلت من غرفة المعيشة أو المطبخ إلى أي مكان.


    مكون الترابط العائلي

     

    حتى في بداياته، لم يكن الهاتف محتفى به دائماً. فقد دفع ظهوره ناشر أحد الصحف اللندنية أواخر القرن الـ19، إلى طرح السؤال التالي: «ماذا سيحدث لخصوصية الحياة؟». ونظر البعض إلى الهاتف على أنه خارق للطبيعة؛ لقد كافحوا لفهم كيف يمكن أن ينتقل الصوت عبر الأسلاك. كما رأى بعضهم أنه غير عملي، فخطوط الهاتف الموجودة فوق الأرض بالأيام الأولى كانت كثيرة للغاية في كثير منالأحيان. وعندما صرخ الناس لأول مرة في الهواتف، شعروا بالحرج، كما لو كانوا يؤدون عملاً موسيقياً. حتى مع انطلاق الهاتف العائلي قبل قرن ونصف القرن، كان بإمكاننا الحفاظ على الأُلفة الجماعية التي روج لها، لكن بطرق أخرى.

    وفي ذلك يقول أستاذ علم النفس، لاري روزن، إن «إيجاد وقت خاص بالعائلة، أمر بالغ الأهمية»، وتؤكد الأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، شيري توركل، أهمية المساحات «المقدسة» الخالية من الأجهزة الإلكترونية في المنزل. وقد كان هاتف العائلة مكوناً ضرورياً للترابط العائلي.


    حماية مناسبة

    على الرغم من تراجع دوره، فإن الخط الأرضي يرفض أن يختفي. ووفقاً لمسح أجرته الحكومة الأميركية عام 2017، لايزال نحو 44% من الأسر تمتلك هواتف تقليدية، مقارنة بـ53% قبل ثلاث سنوات؛ لكن النسبة لاتزال عالية. وبالنسبة للكثيرين، السبب عملي جداً، لأن خدمة الهاتف المحمول متقطعة في المناطق الريفية، وحتى في تلال لوس أنجلوس.

    ويؤدي ارتفاع جبال الروكي إلى تعطيل التواصل مع أبراج الاتصالات، المحظورة، أيضاً، في المناطق المحمية بيئياً. ويمكن الاعتماد على الخط الأرضي عند انقطاع التيار الكهربائي، أو أثناء حالة الطوارئ، مثل إعصار يسبب انقطاع التيار الكهربائي عن الاتصال الخلوي. والهواتف المحمولة لا توفر حماية مناسبة من المضايقات والإزعاج؛ وجميع مستخدميها يصلهم الرسائل النصية والتعليقات ورسائل البريد الإلكتروني والتنبيهات على التطبيقات المختلفة، في كل مكان.. طوال الوقت.

    وتقول باميلا كارول (35 عاماً)، والتي أضافت خطاً أرضياً، قبل عام، بعد انتقالها إلى غابة نيوهامشاير، «لم أعتقد مطلقاً أني سأكون هذا الشخص مرة أخرى». وقد أجبرت على التنقل في أماكن معينة من بيتها للحصول على خدمة الهاتف المحمول، وهي الآن تتلقى المكالمات على هاتفها المنزلي، فقط. وباتت باميلا محل تهكم بين صديقاتها، لكنها لا تخطط للتخلي عن هذا الخيار. ووجدت تقارير المستهلكين، عام 2013، أن الهواتف اللاسلكية الحديثة توفر جودة صوت متفوقة على أفضل الهواتف الذكية، وفي ذلك تقول باميلا: «أتحدث على الهاتف (الأرضي) دون مشكلات. لقد أحببت ذلك كثيراً»، مضيفة أنها تحب التحدث مع العائلة أثناء الطهي أو غسل الملابس، كما فعلت في سن المراهقة في التسعينات.

    • وجدت تقارير المستهلكين، عام 2013، أن الهواتف اللاسلكية الحديثة توفر جودة صوت متفوقة على أفضل الهواتف الذكية.

    الهاتف الأرضي لمَّ شمل العائلة لعقود طويلة.  أرشيفية


    فترة صمت

    يمكن أن يستمر دور الهاتف في تعزيز الروابط العائلية. هذا ما حاولت أن تفعله مارغريت كلاين، وهي باحثة تعليمية تعيش في نيوجيرسي، وأم لثلاث فتيات، تراوح أعمارهن بين 6 و11 عاماً. وعوضاً عن امتلاك البنات هواتفهن الخاصة، فإنهن يشتركن في هاتف محمول واحد، من دون اتصال بالإنترنت، يُطلق عليه «هاتف العائلة». وعندما ذهبت البنت الكبرى إلى برنامج باليه في مانهاتن، هذا الصيف، أخذته معها. وقد استخدمته الابنة الوسطى، مرات عدة، لتراسل أصدقاء المخيم؛ لكنها تعيده دائماً إلى مكانه بجانب الهاتف الأرضي، في غرفة المعيشة.

    في الواقع، حتى عندما هيمنت الهواتف الذكية على حياتنا، يقف بعض الناس إلى جانب الخطوط الأرضية. ويقول الصحافي في مدينة نيويورك، بيتر إيفيس، وهو خمسيني وأب لطفلين: «أريد بشكل أساسي الاحتفاظ به، لأنه يعمل عندما ينقطع التيار الكهربائي». متابعاً: «مع انقطاع التيار في المدينة، أو إعصار إيرين، أو عاصفة ساندي، فإن ذلك يمنحني الراحة».

    لكن خط إيفيس الأرضي في طريقه إلى أن يكون حالة شاذة، فهناك جيل من الأطفال الذين ترعرعوا، ولم يروا هذا النوع من الهاتف أبداً. وفي نهاية المطاف، بالنسبة لأولئك الذين استمتعوا، أو اعتادوا صوت هاتف مشترك يرن في منازلهم، ستكون هناك فترة صمت.

    • رغم أن الهواتف الذكية هيمنت على حياتنا، فإن بعض الناس يقفون إلى جانب الخطوط الأرضية.

     

    بعض الأميركيين لايزالون يؤيدون استخدام الخط الأرضي.  أرشيفية

    طباعة