حائز «نوبل» تصرف كبيروقراطي أخفى ميوله السياسية الوفدية وموهبته

نجيب محفوظ.. موظف ملتزم حلم بتخطي «الدرجة الرابعة»

محفوظ سافر إلى يوغسلافيا واليمن ولندن. أرشيفية

تصرف حائز «نوبل» الأديب العالمي نجيب محفوظ، طوال حياته الوظيفية التي استغرقت 37 عاماً، كموظف شديد الانضباط، يحاذي اللوائح والتعاليم، كما كشف ذلك ملفه الوظيفي الذي ينشر كاملاً لأول مرة في كتاب، ورصد الملف حياة محفوظ الموظف بين ثلاث مصالح حكومية مصرية، هي وزارة الأوقاف، ووزارة المعارف، ووزارة الإرشاد القومي، حيث أخفى علاقته بالأدب وانتماءه للوفد، وأماط اللثام عن أن الوظيفة حرمت محفوظ أشياء كثيرة، لكنه تشبث بها بكل قوة، ودخل أحياناً في معارك مع البيروقراطية، ومن ذلك معركته بسبب تخطيه في الدرجة الرابعة، كما كشف أيضاً عن انضباط محفوظ في الإجازات، سواء من جهة الانتظام في الحصول عليها كل عام في وقت محدد، أو الانضباط في العودة وتدبير بديل ليقوم بعمله إذا تطلب الأمر ذلك.

وقال كتاب «نجيب محفوظ بختم النسر - سيرة تروى كاملة لأول مرة»، للكاتب الصحافي رئيس تحرير«أخبار الأدب» طارق الطاهر، الذي حصل عليه وناقش ملف محفوظ الوظيفي كاملاً لأول مرة، بما تضمن من أوراق بسيطة كطلب إجازة، أو إقرار حالة اجتماعية أو ما شابه، إن حائز «نوبل» تمسك بالوظيفة، لكنه حرم أشياء كثيرة منها (رسالة الماجستير) عن فلسفة الجمال في الإسلام، تحت إشراف الشيخ مصطفى عبدالرازق، ومنها دراسة العزف على القانون في معهد الموسيقى، كما حرم أيضاً بعثتين لنيل الماجستير في فرنسا، كما أن الوظيفة في المقابل لم تحد من تكوينه الأدبي، حتى إن محفوظ كتب طلب إجازته يوماً بصيغة جمالية لا تنتمي للتقاليد البيروقراطية، حيث قال فيها «أتشرف بأن أرجو الموافقة على منحي إجازتي الاعتيادية، قانعاً منها بالمدة من 12/‏‏‏9/‏‏‏1959 إلى 1/‏‏‏10/‏‏‏1959، مراعاة للفترة التي قضيتها في رحلة يوغسلافيا»، وهي رسالة تكشف فيها كلمة (قانعاً)، عن لغة جمالية غير معتادة في أضابير الموظفين.

وكشف الملف أيضاً أن نجيب محفوظ رغم إجادته وظائفه، وحصوله في جميع الأعوام على تقدير 100% إلا في عام واحد حصل على 94%، وخلا سجله كموظف من أي جزاءات أو عقاب، كما دلت التقارير السرية التي حصل عليها المؤلف، إلا أن الأديب العالمي كان منذ مطلع ستينات القرن الماضي، يحلم بالتقاعد المبكر قبل 10 سنوات من بلوغه السن القانونية المحددة لذلك، ليتفرغ للأدب، لأن التفرغ بالنسبة للأديب عبارة عن خلق جديد لمنوال جديد يسير عليه، ولأن كل أديب صادق محب للأدب لا يمكن إلا أن تكون أمنيته أن يتفرغ لهذا الأدب الذي يحبه.

أجواء عالم الموظفين

على مستوى التكوين الشخصي، كشفت الأوراق أن نجيب محفوظ الموظف، يمتلك كل سمات الموظف التقليدي المحافظ، على عكس حالة التمرد في رواياته، فقد أخفى محفوظ حقيقة كونه متزوجاً عن المجتمع لأسباب لم تتكشف بعد، وحين سألته مجلة «الكواكب» في 26 أكتوبر 1960 «ألا يجدر بك أن تستقر وأن تبحث عن بنت الحلال وتتزوج»، أجابها محفوظ «يكفيني أنني سعيد بعملي الجديد غاية السعادة»، بينما قالت الأوراق الرسمية الممهورة بختم النسر، واستمارة التأمين والمعاشات الموقع عليها من محفوظ، ورئيسه المباشر في تلك الفترة، إنه متزوج ولديه بنت اسمها فاطمة، كما كشفت أيضاً أن محفوظ وعلى عكس ما روجت كتابات صحافية كثيرة عن عدم مغادرته مصر في حياته، قد سافر إلى يوغسلافيا، واليمن، ولندن.

طباعة