10% فقط من المتدربين غادروا إلى الولايات المتحدة

«نبقى هـنا».. مركـز فـي غواتيـمالا يعلّم المهارات المهنية لمنع هجرة الشباب

صورة

في قرية جبلية حيث يغادر الناس كل أسبوع إلى الولايات المتحدة، يعمل مركز تأهيلي بنشاط لتكوين المهارات. إنه مبنى منخفض المستوى يكتسب فيه المراهقون المهارات التي من المفترض أن تساعدهم في العثور على وظائف بالقرية، أو في مكان آخر بالبلاد، بدلاً من الهجرة إلى أميركا. ويتعلم المتدربون في المبنى الذي أُطلق عليه اسم «مركز نبقى هنا»، قص الشعر وإصلاح أجهزة الكمبيوتر. ويتعلمون أيضاً اللغة الإنجليزية حتى يتمكنوا من العمل في مراكز الاتصال، أو كمرشدين سياحيين، إضافة إلى ذلك يتلقون محاضرات حول مخاطر الهجرة. ويظهر ملصق شخصاً غارقاً في نهر، وآخر يسقط من قطار، وثالث يُحتجز تحت تهديد السلاح.

تمويل مشترك

يتم تمويل مركز «نبقى هنا» من قبل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والحكومة الغواتيمالية في محاولة لوقف تدفق المهاجرين من غواتيمالا، والتي تُعد الآن أكبر مصدر للأشخاص الذين يحاولون الهجرة إلى الولايات المتحدة. وقد وصل نحو واحد من كل 100 غواتيمالي إلى الحدود الأميركية خلال العام الماضي فقط. وتنفق واشنطن مئات الملايين من الدولارات كل عام على برامج مثل التي يقدمها هذا المركز، بهدف تحسين حياة المهاجرين المحتملين في مجتمعاتهم المحلية حتى لا يغادروا موطنهم. إنه الجانب الأكثر نعومة لإنفاذ الهجرة: برامج إعادة التأهيل للسجناء في السلفادور، والتدريب على الأعمال التجارية لشباب هندوراس، وتمويل مزارعي الذرة والفاصوليا في غواتيمالا.

وفي ذلك قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الشهر الماضي، إنه سيلغي المساعدات لتلك الدول الثلاث لمعاقبتها، لأنها لم تفعل ما يكفي لوقف الهجرة. واعتبر خبراء التنمية ودبلوماسيون هذه الخطوة هزيمة ذاتية. إن قطع البرامج التي تهدف إلى كبح الهجرة لن يؤدي إلا إلى زيادة تدفق المهاجرين. لم يتم إلغاء المعونات بعد، ومن المحتمل أن يتمكن الكونغرس من الحفاظ عليها، لكن في الوقت الحالي، دخل مركز «نبقى هنا» في لعنة سياسة الإدارة الأميركية الحالية، في وقت تتخبط الأخيرة لتقليل عدد الأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى الحدود الأميركية.

برنامج تطوير

ليس من الواضح ما إذا كان هذا المركز التدريبي الذي بدأ منذ أربع سنوات سيساعد في خفض الهجرة. وتساءل مراقبون عما إذا كان أي برنامج تطوير يمكن أن يغير أنماط الهجرة بشكل فعال. ويقول المعلمون هناك إن الطلاب في مركز «نبقى هنا» يغادرون طوال الوقت، متجهين فجأة إلى الولايات المتحدة.

وقالت سيلفيا كوينتانا، التي تدرس اللغة الإنجليزية في المركز «هناك احتمالات لحصول أي شيء، في بعض الأحيان يختفي الأطفال فجأة».

لايزال المركز بمثابة بصيص صغير من الأمل في سانتا ماريا فيزيتشيون، حيث اعتُبرت الهجرة لعقود من الزمن منحة، والسبيل الوحيد للخروج من الفقر المدقع. الآن لدى المراهقين الانطباع عن الخيارات المتاحة على الأقل. ربما يمكنهم فتح محل حلاقة، أو إصلاح أجهزة الكمبيوتر، أو العمل مع السياح. أحياناً الأمور تسير بشكل جيد.

يريد الطلاب البقاء في غواتيمالا إن أمكن. في هذه القرية مثل بقية أميركا الوسطى، الهجرة هي الملاذ الأخير. في بعض الحالات قام مركز «نبقى هنا» بتعديل حسابات المراهقين في «سانتا ماريا فيزيتشيون»، أثناء اتخاذ أهم قرار في حياتهم. ويقول مويسيس فنتورا، البالغ من العمر 19 عاماً «في الوقت الحالي أنا بين الأمرين، هل يمكنني كسب المال من قص الشعر هنا وإلا سأرحل؟

علامات الهجرة

عدد سكان قرية سانتا ماريا فيزيتشيون يصل إلى 3000 نسمة، لكن العديد من هؤلاء السكان لم يعيشوا هنا منذ سنوات. وتقع القرية في سلسلة جبال سيرا مادر في غواتيمالا، بالقرب من بحيرة أتيلان، وهي واحدة من مناطق الجذب السياحي الرئيسة في غواتيمالا. إنها عبارة عن بضعة مجمعات سكنية، ومطعم واحد، وسائق سيارة أجرة واحدة، وكنيسة واحدة، وهي مليئة بعلامات الهجرة، وتُعلن المتاجر عن طرق لتلقي التحويلات المالية، فيما تتوافر أدوات تهريب البشر محلياً، بواسطة شاحنات صغيرة.

من الذي غادر للتو إلى أميركا؟ من تم ترحيله؟ كم يكلف تهريب شخص في هذه الأيام؟ هذه الأسئلة وأخرى هي حديث شائع في قرية تُعد الهجرة جزءاً من نمط حياتها؛ وهي رحلة جربها معظم الأشخاص أو فكروا فيها على الأقل. يقول مدير مركز نبقى هنا، ماركوس اكستامير «نعرف أن الجميع يريد مغادرة هذا المكان، لهذا السبب نحن هنا».

يقف اكستامير (40 عاماً) عند مدخل المدرسة، صباح الاثنين، وقد بدأت للتو دروس الأسبوع الأولى. في فصل دراسي واحد، يدرس خمسة مراهقين كيفية إصلاح أجهزة الكمبيوتر، ويعلمهم مدربهم أيضاً كيفية التعامل مع الانترنت. وعلى بعد بضعة أمتار يتعلم 17 مراهقاً فنون قص الشعر.

فكرة سيئة

من المؤكد أن اكستامير، مثل معظم الموظفين في المركز، متأكد من أن أهداف المدرسة صحيحة. الهجرة غير الشرعية هي فكرة سيئة بالنسبة لهؤلاء الأطفال، كما يقول إنها «خطيرة وباهظة الثمن». ويتقاضى المهربون حالياً ما يصل إلى 12000 دولار للشخص الواحد مقابل الرحلة من سانتا ماريا فيزيتشيون إلى الحدود الأميركية.

إنه متأكد من حجته؛ لكنه غير متأكد من أنه سيحدث فرقاً. الحد الأدنى للأجور في غواتيمالا يعادل 12 دولاراً في اليوم. وفي القرية يكسب الكثير من الناس أقل بكثير.

المشكلة ليست فقط الأجور، إنها شُح الوظائف. غادر الكثير من الناس القرية حتى إن البائعين في السوق الأسبوعية يبيعون الآن الخضراوات والقمصان والالكترونيات الرخيصة إلى بعضهم بعضاً. وفي ذلك يقول اكستامير «الحقيقة هي أنه لا يوجد شيء يمكن القيام به هنا».

إن فكرة تدريس المهارات المهنية لمنع المهاجرين المحتملين من المغادرة ليست خاصة بمركز «نبقى هنا». في جميع أنحاء العالم تستثمر البلدان المتقدمة في برامج تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للهجرة. وفتحت إسبانيا مصنعاً لتصنيع الكاجو في مالي. وتمول إيطاليا مراكز التدريب المهني في إثيوبيا، كما تحاول بلجيكا تحسين الممارسات الزراعية في السنغال.


12000

دولار كلفة الرحلة من سانتا ماريا فيزيتشيون إلى الحدود الأميركية لشخص واحد.

أساس اقتصادي

يقول زميل مركز التنمية العالمية، مايكل كليمنس، إن «النهج يعيد الأمور إلى الوراء»، متابعاً «الهجرة جزء أساسي في عملية التنمية في أي بلد». في معظم دول العالم النامي، توفر الأموال التي ترسلها العائلة والأصدقاء إلى الخارج أساساً اقتصادياً حاسماً. في غواتيمالا، تمثل التحويلات المالية أكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي. ويمكن للهجرة أيضاً أن تخفف من شُح أسواق العمل عندما تخلق الطفرات الديموغرافية موجة من الشباب يتنافسون في عدد محدود من الوظائف. ويقول كليمنس: «الحقيقة هي أن الهجرة توفر عائداً جيداً بشكل ملحوظ على الاستثمار».

أفقر الطلاب

التدريب في المركز لا يضمن بقاء المتدرب في البلاد نظراً لمغريات الهجرة. أرشيفية

نحو 136 ألف غواتيمالي ألقي القبض عليهم أو سلّموا أنفسهم على الحدود الأميركية بين أكتوبر ومارس، طبقاً لدورية الجمارك والحدود الأميركية. وشمل ذلك 94 ألف شخص أرادوا الانضمام إلى عائلاتهم، و16800 قاصر غير مرافَقِين.

يخدم مركز «نبقى هنا» الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين 12 و19 عاماً. على عكس العديد من المدارس العامة في غواتيمالا فهو مجاني، ونتيجة لذلك يُعد المكان الوحيد الذي يرتاده أفقر الطلاب. ويركز المركز على المراهقين المعرضين لخطر الهجرة غير الشرعية، ويتواصل المعلمون مع الآباء وقادة المجتمع لتحديد المخاطر ومعرفة الأطفال الذين يخططون للهجرة، أولئك الذين لديهم أقارب بالفعل في الولايات المتحدة يُعتبرون مرشحين محتملين بشكل خاص.

وقال مدير المركز اكستامير «ليس من الصعب علينا العثور على أطفال يستعدون للمغادرة أو يفكرون فيها».

في وقت متأخر من صباح الاثنين يتواجد طالب يدعى إلمير في مكتب اكستامير، الذي يقول «لقد تم ترحيله منذ بضعة أشهر، وكل يوم يقول سأعود، وسأحاول مرة أخرى».

ويتابع المدير «نحاول إقناعه بالبقاء هنا، لإعطاء هذه الفئة فرصة. لا أعرف كم من الوقت يمكننا الاحتفاظ به». كوينتانا، مدرسة اللغة الإنجليزية، على دراية بهذه المعركة، تقول إن نحو 10% أو نحو ذلك من الأطفال الذين درستهم هاجروا، متابعة «أنا لا ألوم نفسي لأني أعرف ما نواجهه».

ومع ذلك هناك من يتخيل كيف ستبدو سانتا ماريا فيزيتشيون مع جيل جديد من الحلاقين أو محال الكمبيوتر أو المرشدين السياحيين لقيادة الزوار حول البحيرة. هل يمكن للقرية - واحدة من قرى عدة شبيهة بها في المنطقة - أن تدعم هذه الوظائف؟ إنه يعرف أن معظم الأطفال لا يملكون ما يكفي من المال من أجل فتح صالون حلاقة أو محل تصليح أجهزة الكمبيوتر المحمولة.

أكثر عُرضة للهجرة

 تيموتيو بيريز يتعقب المراهقين الذين يخططون للهجرة كل أسبوع.  أرشيفية

يصعد تيموتيو بيريز إلى التلال المحيطة بالقرية كل أسبوع، بحثاً عن المزيد من المراهقين الذين يخططون للهجرة. بيريز هو أخصائي اجتماعي في مركز «نبقى هنا»، تعلم أربع لغات أصلية لأن العديد من الأسر في المجتمعات المعزولة في المنطقة لا تتحدث الإسبانية. خلال الأسبوع الأخير كان يسير في قرية صغيرة تسمى باتزيج، وهي مجموعة من المنازل الصغيرة المتصلة بمسار ترابي ضيق. زراعات بسيطة هي المهمة الوحيدة هناك. حمل بيريز قائمة مكتوبة بخط اليد من الأسماء لتعقبها، ومر على منزل ضخم من ثلاثة طوابق مع شرفة.

وقال «هذه المنازل شيدها أشخاص مقيمون في الولايات المتحدة»، متابعاً «الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها تحمل كلفة شيء من هذا القبيل هي إرسال الأموال من أميركا». من الطريق السريع، استدار يساراً وسار في طريق ترابية باتجاه منزل باسكوالا ماروكين وابنتها ميلفيا البالغة من العمر 12 عاماً.

سأل بيريز عن الفتاة قائلاً «ألم تحاول الذهاب إلى الولايات المتحدة؟ هي تريد ذلك، أليس كذلك؟»، وأجابت الأم «نعم، ووالدها في الولايات المتحدة وهي تعرف مكانه. سمعنا أنه في لوس أنجلوس». وقال بيريز «نحن هنا لمساعدتها، سنعلمها قص الشعر».

فردت الأم «إنها تقول إنها ستذهب». فقال لها بيريز «لا، أخبري ميلفيا أن دروس قص الشعر ستبدأ في وقت لاحق من هذا الأسبوع».

طباعة