بداية الخيط إعلان «عوديد بـارون» في «فيـس بـوك» عـن رغـبته في تسليمها لأصحابها

صحافي مصري يستعيد مذكّرات شهـــيد في حرب أكتوبر من إسرائيل

صورة

تمكّن صحافي مصري من استعادة فصول من مذكّرات مقاتل مصري استشهد في حرب أكتوبر 1973 كانت بحوزة جندي إسرائيلي قام بنشر بعضها على «فيس بوك»، وقاد الصحافي معركة طويلة في الدلتا والقاهرة توازت مع جهد آخر غير مباشر منه داخل إسرائيل لتجميع المذكرات، وشملت المعركة محاولات مضنية من الصحافي للتعرف إلى المقاتل صاحب المذكرات، الذي اتضح استشهاده في معركة الدفرسوار، وإلى زملائه وأسرته.

ورصدت مقدمة المذكرات التي نشرتها «كتاب اليوم»، التابعة لمؤسسة «أخبار اليوم»، كاملة للمرة الأولى، الأسبوع الجاري، أن بداية المحاولة الصحافية لاستعادتها كانت في سبتمبر 2013 حين قرأ الصحافي المتخصص في الشؤون الاسرائيلية، محمد الليثي، بالمصادفة أثناء تصفّحه إحدى صفحات التواصل الاجتماعي «فيس بوك» الإسرائيلية، منشوراً للصحافي الإسرائيلي، جاكي خوجي، يقول إن «هناك جندياً اسرائيلياً سابقاً يدعى عوديد بارون يحتفظ بدفتر مذكرات لجندي مصري، ويريد إعادته له إذا كان حياً، أو لأسرته إذا كان قد توفي».

وتضيف المذكرات أن المنشور كان بسيطاً، وأن الجندي الاسرائيلي السبعيني الذي سعي لاعادة المذكرات لم يعرف لمن يعيدها، لأنه لا يمتلك معلومات عن الجندي المصري صاحبها إلا اسمه الأول «سيد»، ومحل سكنه «طنطا»، ولم يفرج في المنشور الذي نشره في سبتمبر 2013 إلا عن ثماني صفحات من المذكرات، لكنها كشفت أيضاً عن امتلاك صاحب المذكرات لموهبة، واطلاع واسع، كما أن الصفحات احتوت على أسماء رباعية لزملاء الجندي المصري وتواريخ ميلادهم وبدايات عن قصة لكل منهم.

ويسرد صاحب المغامرة الصحافية لاسترداد المذكرات، تفاصيل مهمته الصعبة في «العثور على جندي مصري اسمه سيد، وقد عقد المهمة أن هذا الجندي من (طنطا)، بلد القطب الصوفي المعروف (السيد البدوي)، الذي يتسمى المئات على اسمه كل عام تيمناً بسيرته، لكن الموقف انفرج بعد ذلك مع توصل صاحب المغامرة الصحافية لأول زملاء سيد، وهو محمد العربي بعد سبع محاولات لم تكلل بالنجاح، والذي روى - أي العربي - أن سيد كان يكتب كشاكيل كثيرة، ويفهم في السياسة والأدب، ويرسم، وأن اسمه الكامل سيد بسطويسي».

ويتابع صاحب المغامرة الصحافية في ثنايا كتابه أنه «بعد عام ونصف العام من تعرفه الى العربي، لم يصل الى شيء جديد، فقرر نشر ما توصل اليه تحت عنوان (كشكول بطولات تحتجزه إسرائيل لمدة 42 عاماً)، مع نداء الى عائلة بسطويسي بأن تبادر، إذا وصلها الريبورتاج المنشور، الى الاتصال به، والتي بالفعل ولحسن حظه، لم تخذله، حيث اتصل به شقيق سيد بسطويسي، نبيل بسطويسي، ليفتح له آفاقاً جديدة في القصة».

تكشف المذكرات أن نبيل بسطويسي كشف للمرة الاولى أن شقيقه خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وأنه استشهد في الدفرسوار، وانه علاوة على المذكرات الموجودة في إسرائيل، ترك سبعة كشاكيل بمنزل العائلة بحي الملك الصالح، كما تكشف أجواء الصمود النفسي للجنود المصريين أثناء معركة الدفرسوار، حيث يقول الشهيد سيد في فصل «المزرعة الصينية» المخصص لهذه المعركة، إن «الغارات لم تمس انشغالنا بالطعام، بل إنها زادت شهيتنا»، في إشارة ساخرة لتحدي وتجاهل الجنود المصريين لضراوة الموقف.

ويُبرز صاحب كشف المذكرات أنه بعد أن عثر على دفاتر سيد في المنيل، أراد أن يضمها لمثيلتها الموجودة مع الجندي الاسرائيلي، لكن موقفه، أي موقف الليثي (الشخصي قبل المهني)، على حد تعبيره، الرافض للتطبيع مع اسرائيل، شكّل عقبة، فتحايل على ذلك باعتماده على صديق له - باحث ومترجم عبري - على علاقة صداقة «فيسبوكية» مع جاكي خوجي.

الجدير بالذكر أن عودة المذكرات، بحسب ما روت الصفحات، أثارت موجة حزن مجدداً في بيت سيد بسطويسي رغم مرور السنوات، حيث انفجر شقيقه السبعيني نبيل بالبكاء حال رؤيتها.

في هذا الإطار، قال الصحافي محمد الليثي، صاحب الفضل في جمع المذكرات، في تعليق خاص لـ«الإمارات اليوم»: «عملت على استعادة مذكرات سيد بسطويسي طوال أربع سنوات، بدأت عام 2013 حتى نهاية عام 2017، عشت فيها تقريباً (حياة الشهيد) من خلال أصدقائه وأقاربه وأسرته، ومذكراته الزاخرة بالعديد من الأعمال الأدبية، التي دلت على أنه كان مشروعاً لأديب كبير، حيث شملت مذكراته مسرحيات وقصصاً قصيرة عدة، كما كان سيصبح فناناً محترفاً يرسم بأساليب كثيرة». ويضيف الليثي «عندما دخلت منزل أسرة سيد وجدت اللوحات التي رسمها لكل الأسرة معلقة على الجدران، وأنهم محتفظون بها حتى الآن».

ويستطرد الليثي: «سعيت إلى تسجيل هذه القصة في كتاب بناءً على رغبة الشهيد سيد، الذي كتب في المذكرات أن لديه الكثير سيفعله بعد انتهاء الحرب، إلا أنه استشهد وظلت حكايته في طي النسيان نحو 45 عاماً، إلى أن قادنا هو بكتاباته إلى قصته، فكان عليّ أن أسجل قصته ليقرأها الجمهور، بشتى الطرق، فعملت على كتابتها في البداية كتحقيق صحافي في جريدة (الوطن) نُشر على ثلاث حلقات، ومن بعدها سجلت قصته في هذا الكتاب، بالإضافة إلى إنتاج فيلم وثائقي تم نشره تزامناً مع احتفالات نصر أكتوبر العظيم، العام الماضي، وكان الدافع من كل هذا هو سيد نفسه، فكل خيط في التحقيق كنت أصل به إلى استعادة تلك المذكرات أشعر أن الشهيد هو من وضعه ليدلّني على قصته وإعادتها الى الحياة».

كانت قصة «سيد بسطويسي» في إطار إنتاجها كتحقيق في جريدة «الوطن» فازت بالمركز الثاني في جائزة النادي الإعلامي للتميز الصحافي بالمعهد الدنماركي، كما فازت بالمركز الأولى في مسابقة التفوق الصحافي بنقابة الصحافيين المصريين عام 2018، فضلاً عن أنها كانت أحد الموضوعات التي حصدت جائزة الصحافة العربية عام 2018 - الفئة الشبابية.

طباعة