يعانون بصمت وسط ظروف عمل خطرة وأجور منخفضة

العمال المهاجرون في أستراليا بين استغلال رب العمل أو الطرد من البلاد

صورة

غالباً ما يتعرض العمال المهاجرون في أستراليا لظروف عمل خطرة، وأجور منخفضة بشكل منهجي، ويعملون في ظروف يطلق عليها البعض «العبودية الحديثة». ووفقاً للتقديرات، فإن ما يصل إلى نصف العمال المهاجرين المؤقتين يتقاضون رواتب منخفضة. وكشفت دراسة استقصائية أن ما يقرب من 30٪ من المستجيبين حصلوا على أقل من 12 دولاراً في الساعة، وهو ما يمثل نصف الحد الأدنى القانوني للأجور في أستراليا. ويمثل العمال المهاجرون المؤقتون 11٪ من القوة العاملة في أستراليا (أكثر من 900 ألف شخص)، ومعظمهم من الطلاب الدوليين والباحثين عن مستقبل أفضل، والذين تقطعت بهم السبل.

محنة «مايكل»

ظل (مايكل)، وهو اسم مستعار، يعيش في أستراليا منذ ما يقرب من عقد من الزمان. لديه هنا زوجة وطفل، وأصدقاء ومجتمع، ومهنة. لكنه يواجه باستمرار خيارين لا مفر منهما: إما الصبر على الاستغلال لكي لا يفقد وظيفته، أو المخاطرة بفقدان الوضع الذي يتمتع به، والذي يتمثل في البقاء في البلاد. ويقول: «كان صاحب العمل الأول يضايقني طوال الوقت، واضطررت للعمل لساعات طويلة لوقت إضافي من دون أجر، وأحياناً أكثر من 60 ساعة في الأسبوع»، ويوضح «في البداية قبلت العمل بهذا الشكل، لأنني لم أجد أمامي أي خيار آخر، فوجودي هنا يعتمد على سريان إقامتي في هذه البلاد». ويضيف «لدي ابن يبلغ من العمر ثلاث سنوات ونصف السنة، وأضحي بكل شيء لكي أمنحه حياة أفضل، ولن أفقد الأمل أبداً بسبب مستقبل ابني، لكن سياسات الحكومة استنفدت كل جهودي وطاقتي».

استغلال

وصل (مايكل) إلى أستراليا من دولة في جنوب شرق آسيا عام 2013 لدراسة الطهي، وبعد التخرج تولى وظيفة طاهٍ بتأشيرة. ويقول بما أن تأشيرته مرتبطة برب عمله، فقد ظل عرضة للاستغلال. وأجبره صاحب العمل الثاني على العمل «11-12 ساعة في اليوم طوال ستة أيام في الأسبوع، ولكن بأجر 38 ساعة فقط». اشتراه صاحب عمل ثالث وأعيد هيكلة وضعه، ما جعله يبحث مرة أخرى عن وظيفة جديدة.

ويقول (مايكل) إنه في كل مرة ينتقل فيها إلى صاحب عمل جديد كان عليه «البدء من جديد» في التقديم للحصول على إقامة دائمة. ويضيف: «أعيش في حالة من عدم اليقين والاستقرار طوال الوقت، أعمل بجد، وأفعل كل شيء بشكل صحيح، لكنني أتعرض للعقاب والعذاب».

كان صاحب العمل الرابع لمايكل شركة ضيافة كبيرة تدير أماكن عدة. وظن أن الأمن الوظيفي في شركة كبيرة من شأنه أن يضع حداً لهذا النوع من الاستغلال، الذي ظل يعانيه في أستراليا، لكنه صُدم عندما علم، بعد فترة وجيزة، أن الشركة تخضع للتحقيق بسبب دفعها أجوراً منخفضة للعمال المهاجرين، وتم استدعاء العمال لتقديم أدلة بأنفسهم على استغلالهم. ويقول: «لم يكن أحد منا يجرؤ على فعل ذلك، ولو فعلنا لفقدنا تأشيراتنا، وقد يتم ترحيلنا من البلاد».

عندما تم إغلاق الشركة لاحقاً بسبب مخالفاتها العديدة ضد العمال المهاجرين، اضطر (مايكل)، وجميع زملائه الحاصلين على تأشيرات، إلى التقديم للإقامة الدائمة من جديد. ويقول: «البحث عن كفيل مناسب ليس بالأمر السهل، وأنا خائف ومكتئب للغاية من أن تحدث لي المشكلات نفسها مرة أخرى». ويعتقد (مايكل) أن هشاشة وضعه، ووضع الآلاف من العمال المهاجرين الآخرين، لا تؤثر فقط عليهم، وإنما أيضاً على عوائلهم في أستراليا وفي مواطنهم الأصلية.

مشروع قانون مثير للجدل

تم الترويج لمشروع قانون لتعديل الهجرة اقترحته الحكومة (حماية العمال المهاجرين) لمعالجة استغلال العمال المهاجرين، حيث حدد هذا القانون عقوبات على جرائم جنائية جديدة، من بينها إصدار عقوبة بحق من يكره العمال المهاجرين على قبول ترتيبات عمل استغلالية. كما يفوض سلطات أوسع للجهات المختصة لحظر الشركات التي تنتهك قانون كفالة العمال المهاجرين. إلا أن النقاد يجادلون بأن مشروع القانون معيب بشكل أساسي، لأنه لا يتضمن أي حماية للأشخاص الذين يُبلغون عن منتهكي القانون.

ويقول الرئيس التنفيذي لمركز العمال المهاجرين، مات كونكيل، إنه ينبغي على السلطات إصدار تأشيرات مؤقتة للعمال الذين يتعرضون لانتهاكات بحقهم كي يستطيعوا الإبلاغ عنها دون أي خوف من نتائج عكسية. ويسترسل «لقد خلق نظام الهجرة الحالي فرصاً لأصحاب الأعمال عديمي الضمير، للاستفادة من وضع الإقامة غير المستقر للمهاجرين»، فإذا أبلغوا عن أي إساءة أو معاملة من صاحب العمل، يفقدون وظائفهم في الحال، وقد يفقدون أيضاً قدرتهم على البقاء في البلاد. وهذا يعني أن الكثيرين يضطرون إلى اتخاذ خيار صعب بين الإبلاغ عن سرقة الأجور أو الحفاظ على علاقة العمل. إضافة إلى ذلك، فإن العديد من «المهاجرين المؤقتين» أمضوا سنوات عدة، أو حتى أكثر من عقد في أستراليا، ولهذا «فهم أعضاء مساهمون في مجتمعنا»، كما يقول (كونكيل).

وأشار تقرير معهد العدالة للمهاجرين إلى دراسة استقصائية أجريت عام 2019 لأكثر من 5000 طالب دولي، كشفت أن 38٪ من العمال المهاجرين لم يطلبوا المساعدة لحل مشكلة في العمل، لأنهم يعتقدون أن ذلك قد يؤثر في وضعهم الوظيفي وبقائهم في البلاد.

قصة «رمضان»

وصل (رمضان) إلى أستراليا عام 2018. عمل في مطعم ووعده مالكه بأنه سيصدر له تأشيرة عمل دائمة في أستراليا. تسلم أول راتب له نقداً، ودفع منه كلفة الإقامة، و«رسوم التأشيرة»، وما تبقى أرسله لزوجته وبناته في موطنه. مر المطعم بفترة هادئة، وفي يناير 2019 توقف كفيل (رمضان) عن الدفع له. وعندما طالب بأجره أخبره كفيله أنه إذا أراد الحصول على تأشيرة، فعليه أن يلتزم الصمت. مرت الأيام والأشهر، وطالب (رمضان) كفيله مرة أخرى بأن يدفع له، إلا أن كفيله أخبره أن الشركة لا تستطيع أن تدفع له وستغلق.

سأله عن تأشيرته فقال له إنه أرسلها لدائرة الهجرة. وعندما اتصل (رمضان) بالدائرة اكتشف عدم وجود أي طلب من هذا القبيل. وذهبت آمال (رمضان) أدراج الرياح في الحصول على تأشيرة من خلال صاحب العمل، ولايزال هائماً على وجهه.

لفتت جائحة «كوفيد-19» الانتباه إلى الظلم الشديد الذي يعانيه العمال المهاجرون، نظراً لأن حاملي التأشيرات المؤقتة لم يكونوا مؤهلين لبرنامجي «جوب كير» و«جوب سيكيور» اللذين يدعمان الدخل، فقد ظل العديد من العمال المهاجرين عاطلين عن العمل ومن دون مصدر دخل. ونتيجة لذلك، فإن العمال كانوا عرضة للإصابة بالفعل بالوباء أكثر من معاناتهم من السلوك الاستغلالي لأرباب العمل.

وفي النهاية يعتقد مايكل أن تجربته القاسية هنا في أستراليا، قد قوضت إيمانه بأستراليا، وبفرصته في بناء مستقبل فيها. ويقول: «ظللنا نعتقد دائماً أن أستراليا بلد رائع، لكن ما يحدث لنا يجعلنا محبطين للغاية، ومكتئبين للغاية، ومرهقين للغاية طوال الوقت». ويختتم بقوله: «نحن قلقون، فربما ارتكبنا خطأ بقدومنا إليها».

هشاشة وضع الآلاف من العمال المهاجرين، لا تؤثر فقط عليهم، وإنما أيضاً على عوائلهم في أستراليا، وفي مواطنهم الأصلية.

معالجات غير كافية

أصدرت فرقة العمل المعنية بالعمال المهاجرين في أستراليا 22 توصية لمعالجة قضايا استغلال العمال المهاجرين. وتشمل هذه الإجراءات اعتبار الاستغلال المتعمد غير قانوني، وإنشاء لجنة مطالبات صغيرة للمطالبة بحقوق العمال، وتوسيع قانون العمل العادل ليشمل الموظفين المهاجرين. والتزمت الحكومة الفيدرالية بتنفيذ جميع توصيات التقرير البالغ عددها 22 توصية.

كما يتم تنفيذ سياسات مماثلة من قبل حكومات الولايات، حيث أقرت ولاية فيكتوريا تشريعاً جديداً لهيكلة منظمات توظيف العمال، والتي غالباً ما تكون متورطة في استغلال العمال المهاجرين. بالإضافة إلى ذلك، صدر قانون لمكافحة سرقة الأجور لعام 2020، أخيراً، في فيكتوريا، والذي يعالج العديد من الجرائم الجنائية المتعلقة بالدفع الناقص وتلفيق البيانات. وفي حين أن هذه جهود إيجابية في الاتجاه الصحيح، فإن الواقع هو أن نظام الهجرة في أستراليا يسهم ويشجع على ظروف غير عادلة للعمال المهاجرين.

 

أستراليا حطمت أحلام بعض العمال. أرشيفية

سرقة الأجور

يقول الرئيس التنفيذي لمركز العمال المهاجرين في أستراليا، مات كونكيل، إن مشروع القانون «سيجعل المشكلة الحقيقية أكثر سوءاً». ويضيف أن سرقة الأجور والاستغلال في مكان العمل وغيرهما، لاتزال شائعة بشكل لا يصدق، ويقول إن أكثر من ثلثي العمال الموجودين في أستراليا بتأشيرات مؤقتة يؤكدون، بناءً على استطلاع، أنهم يتلقون أجوراً أقل من الحد الأدنى للمعايير السائدة، وأفاد ربعهم بأنهم يتعرضون للاستغلال بأشكال أخرى، مثل الاستغلال في العمل الإضافي القسري أو غير مدفوع الأجر.

 

 استغلال بشع للعمالة المهاجرة في أستراليا. من المصدر

طباعة