كان بالإمكان تجنبها بسهولة

الغرب جلب الحرب إلى أوكرانيا بعد إهاناته لروسيا

صورة

خلال الأشهر السبعة الماضية من الحرب في أوكرانيا، بدعم حلف شمال الأطلسي «الناتو»، خصوصاً الدول المطلة على المحيط الأطلسي، تأججت رواية رسمية غربية تصور الصراع باعتباره بين داوود الأوكراني الصغير والشجاع وجالوت المتوحش وهو روسيا. ووفق هذه الرواية، فإن هذه الحرب غير مبررة، وقدمت فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لوحديهما مساعدات على شكل أسلحة وغير أسلحة لأوكرانيا بقيمة 57 مليار دولار.

وتغذي وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية الغربية هذه الرواية عن طريق تقارير يومية عن المقاومة البطولية التي يقوم بها الأوكرانيون، وسيظل البحث عن أسباب هذه الحرب بين دولتين جارتين متقاربتين تاريخياً، في حالة تجمد عميق، ولكن عندما يأتي التقييم التاريخي لما حدث، سيكون لكتاب المؤلف والباحث من جامعة بنسلفانيا الأميركية، بنيامين إيبلو، الذي يحمل عنوان «كيف جلب الغرب الحرب إلى أوكرانيا» أهمية لا تقدر بثمن.

وإيبلو هذا باحث في الأمن الدولي، ويعمل في المجال الطبي، وأسلوبه هنا يبدو سريرياً. وعلى الرغم من أنه يندد بهذه الحرب، إلا أنه يتحدث في السياق ذاته عن سلسلة من الإهانات التي كالها الغرب لروسيا خلال السنوات الـ30 الماضية.

إهانات مألوفة لروسيا

وبالنسبة للذين تابعوا مسار الحرب، تبدو هذه الإهانات مألوفة، ولكنها غير موجودة في الرواية الرئيسة ومنها نشر حلف الناتو بنحو 1600 كيلومتر على الحدود الروسية، على الرغم من التطمينات التي تم تقديمها لرئيس الاتحاد السوفييتي الراحل ميخائيل غورباتشوف، وتوج بيان مؤتمر الناتو الذي عقد عام 2008 في بوخاريست بأن أوكرانيا وجورجيا في طريقهما للحصول على عضوية حلف الناتو، وتخلي الولايات المتحدة من جانب واحد عن معاهدات الحد من الصواريخ الباليستية والمتوسطة المدى، تلا ذلك نشر أنظمة دفاعية قادرة على أن تصبح هجومية، في دول أوروبا الشرقية التي أصبحت أعضاء في حلف الناتو، وزيادة في الاستفزاز والعدوانية انضمت هذه الدول إلى مناورات الناتو العسكرية على الأرض وفي البحر الأسود.

ويذكر إيبلو مجموعة من الدبلوماسيين والعلماء، وخبراء السياسة، وكبار العسكريين، بمن فيهم السفير الأميركي السابق في الاتحاد السوفييتي جاك ماتلوك والدبلوماسي الأميركي المميز تشاس فريمان، وأستاذ السياسة في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، والخبير البريطاني ريتشارد ساكوا، والعقيد السابق في الجيش الأميركي والمستشار السابق العسكري لدى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب دوغلاس مكريغور، جميعهم ينخرطون في توجيه انتقادات لاذعة لدور الغرب في الحرب الدائرة في أوكرانيا.

سيناريو الحذاء في القدم الأخرى

وربما جاء التوضيح الوحيد والأمثل للإدانة من الأميركي جورج كانان، الذي كان مهندس احتواء الاتحاد السوفييتي، حيث قال «الخطأ الكارثي أن تبدأ حرب باردة جديدة»، وطرح إيبلو «سيناريو الحذاء في القدم الأخرى» أي كيف ستكون ردة فعل الغرب لو أن حلف وارسو الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي هو الذي انتصر في الحرب الباردة وأخذ يضم أعضاء حلف الناتو إلى عضويته كي ينشئ وجوداً عسكرياً له في كندا أو المكسيك؟

وهذا من شأنه أن يطرح قضية ذات صلة بالموضوع، وهي: مبدأ مونرو الذي طرحته الولايات المتحدة عام 1823 ويقضي بتكريس الأميركيتين كمجال نفوذ للولايات المتحدة. ونلجأ نحن كأميركيين إلى هذا المبدأ بانتظام في التدخلات الأميركية في وسط وجنوب أميركا، ومع ذلك فقد أنكرنا مثل هذا الحق للمصالح الاستراتيجية لروسيا على جيرانها.

وتكمن القوة الرئيسة في حجة إيبلو في معالجته ليس في الصراع الدائر حالياً فقط وإنما في النتائج الكارثية المحتملة الناجمة عنه، وأكثرها وضوحاً هي حرب الوكالة الحالية والمحدودة مع روسيا في أوكرانيا، والتي يمكن أن تنفجر وتتحوّل إلى صراع إقليمي أو ربما أكبر.

محفزات تصعيد محتملة

وتعتبر أحداث مثل غرق المدمرة الحربية الروسية «موسكوفا» في البحر الأسود وفقدان 40 من بحارتها، والقتل المستهدف لـ12 جنرالاً روسياً، وفوق كل ذلك المساعدات العسكرية وغير العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها لأوكرانيا ربما محفزات تصعيد محتملة. ولاحظ إيبلو التناقض في هدفين معلنين لدعم الولايات المتحدة لأوكرانيا، حيث يتمثل الأول في تقوية أوكرانيا كي تصبح لديها قوة دفاع فعالة، والثاني تم التركيز عليه في البيانات الإخبارية المتكررة الصادرة عن إدارة الرئيس جو بايدن، والقصد منه تقويض روسيا ليس في الصراع الحالي فقط وإنما في أي مغامرة عسكرية تقوم بها مستقبلاً.

وهذا يتجاوز بكثير عملية تقديم الحماية لأوكرانيا ويضمن استمرار الحرب، وبمستويات كبيرة من القتل والتدمير، كما أنه جعل كلاً من روسيا والولايات المتحدة تندفعان نحو سياسة التسلح وزيادة شبح المواجهة بينهما. وروسيا التي تعرضت لإصابات كثيرة يمكن أن تكون في حالة تأهب، وأشار إيبلو إلى أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أطلق تهديدات كثيرة، أو ربما حدوث هجوم نووي غير مقصود نتيجة خطأ من كمبيوتر، وقد حدثت من قبل تحذيرات مزيفة، ولكنها كانت في زمن أقل خطورة من الآن.

الرواية المضادة

وبالتأكيد فإن هذه الرواية المضادة والمقنعة يجب أن تحفز الحديث عن هذه الأفكار التي بالكاد يتطرق إليها إيبلو، ويمكن أن نذكر عدداً قليلاً منها على سبيل المثال: فأولاً أحد الدروس المأساوية لهذه الحرب أنها في الوقت الحالي، على الأقل، فإن دخول أوكرانيا إلى حلف الناتو مجرد وهم، واعترف رئيس أوكرانيا فلودومير زيلينسكي بعد وقت قصير من الحرب، عندما قال «لقد خذلنا الناتو بعدم دخولنا إليه».

ومن يعلم ما الجنون الذي تعكسه هذه التصرفات؟ ولكن الحقيقة، لو أن أحد أعضاء حلف الناتو وربما الرئيس الفرنسي ألغى فكرة عضوية أوكرانيا لما حدثت هذه الحرب أصلاً.

وثانياً، فإن روسيا ربطت التدخل الأميركي في الحرب بالتهديد بتغيير النظام، ويمكننا النظر في أحداث سابقة، مثل تبليسي، وبيشكيك، ناهيك عن بغداد وطرابلس، إضافة إلى تصريحات أعضاء الكونغرس الأميركي والسلطة التنفيذية، وليس ببعيد أن تكون روسيا هي الأخيرة ولذلك كان ردّ روسيا استباقياً لإغلاق هذا الباب.

وثالثاً، ضمن أوكرانيا ذاتها، لماذا غير زيلينسكي، وسلفه بيترو بروشينكو تعهداتهما الانتخابية بمواصلة العلاقات الإيجابية مع روسيا؟ لقد كانت التهديدات من القوميين المتشددين المحليين كثيرة.

وأخيراً، ثمة كميات متزايدة من الأدلة من الرقابة على وسائل الإعلام الغربية، على أي محاولة للتساؤل بشأن الرواية الرسمية. لماذا؟ إذا كانت صحيحة كما يدعون، لماذا الخوف من التساؤلات المتشككة؟

أحدث هذه الأمثلة قيام شبكة أخبار «سي بي اس نيوز» بخنق تقرير استقصائي في تحويل كميات من الأسلحة من مصادر غربية ليس إلى خطوط الجبهة في أوكرانيا وإنما إلى الأسواق السوداء في أوروبا. كملاحظة هامشية ساخرة على ذلك، ولأي سبب كان، علم إيبلو أن شركة أمازون رفضت السماح له، على نحو غير معهود منها، بعرض إعلان له على منصتها، وهي شركة مهمة لتسويق الكتب بالنظر لكمية الكتب التي تعرض فيها. وكما هي الحرب بحد ذاتها، فإن هذه الأسئلة ستستمر، وبالنسبة للوقت الحالي، فإن الكلمة الأخيرة والمناسبة هي لبنيامين إيبلو، حيث قال «الرواية الكاذبة تؤدي إلى نتائج سيئة».

 ديفيد سبيدي باحث في الأمن الدولي


مبدأ مونرو الذي طرحته الولايات المتحدة عام 1823 يقضي بتكريس الأميركيتين كمجال نفوذ للولايات المتحدة، ونلجأ نحن كأميركيين إلى هذا المبدأ بانتظام في التدخلات الأميركية في وسط أميركا وجنوبها، ومع ذلك فقد أنكرنا مثل هذا الحق للمصالح الاستراتيجية لروسيا على جيرانها.

الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قدمتا لوحديهما مساعدات على شكل أسلحة وغير أسلحة لأوكرانيا بقيمة 57 مليار دولار. 

طباعة