«خطوط حمراء» تقف أمام طموحات أطراف عدة

انعكاسات العمليات الروسية في أوكرانيا على النظام الدولي

صورة

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام، بدء عملية عسكرية في أوكرانيا، حيث سمع دوي انفجارات قوية في عدد من مدن البلاد، بينما تحدثت كييف عن «غزو واسع» يجري حالياً، وهو التطور الذي سيرتب تداعيات مباشرة على النظام العالمي.

ملاحظات فارقة

اندلع الصراع في أوكرانيا بين روسيا والولايات المتحدة، نتيجة لرفض الأخيرة الاستجابة لمطالب موسكو، التي كان أبرزها عدم انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، لما يمثله ذلك من تهديد للأمن القومي الروسي. ونتيجة لذلك تصاعدت الأزمة، وصولاً إلى تنفيذ الكرملين تهديداته باجتياح أوكرانيا، ويمكن الإشارة إلى مواقف الأطراف الرئيسة في الأزمة على النحو التالي:

1- قصور القيادة الأميركية

أشارت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تقارير استخبارية عديدة، تفيد بأن روسيا تخطط لغزو شامل لأوكرانيا، وستسعى للسيطرة على عاصمتها كييف، وكان من الواضح هذه الحقيقة، بالنظر إلى حجم الانتشار العسكري الروسي حول أوكرانيا، الذي كان يقدر بنحو 200 ألف جندي، فضلاً عن إحكام موسكو السيطرة على معظم المجال الجوي الأوكراني، وفرضها حصاراً على السواحل الأوكرانية في البحر الأسود.

وكان من المفترض ألا تكون مثل هذه السيناريوهات مجرد «رفاهية ثقافية» لمعرفة المستقبل، أو تكتفي واشنطن بتوظيفها لشن حرب إعلامية، تدرك واشنطن جيداً أنها لن تكبح الكرملين عن الدفاع عما يراه مصالح أمنية مشروعة، بل كان من المفترض أن توظفها واشنطن لمحاولة توقع كل خطوة روسية ومحاولة الرد عليها، بمختلف الأدوات عدا العسكرية، على نحو يدفع موسكو إلى التراجع.

أما إذا أدرك الرئيس الأميركي، جو بايدن، أنه ليس بالمقدور تبني أي سياسة قادرة على تثبيط موسكو عن مهاجمتها أوكرانيا، فإنه كان يجب عليه أن يسعى لتسوية الأزمة الأوكرانية دبلوماسياً، وإن بشكل غير مباشر، عبر الضغط على أوكرانيا للإعلان عن حيادها، وتأكيد عدم انضمامها إلى حلف الأطلسي، أو التماهي مع الوساطة الفرنسية، التي سوّقت للنموذج الفنلندي، وذلك عوضاً عن مواصلة تحدي موسكو. فبكل المقاييس، فإن الإعلان عن حيادية أوكرانيا كان سيكون بمثابة سيناريو أفضل بكثير من احتلالها، سواء بصورة جزئية، أو كلية من موسكو، كما أن الارتدادات العسكرية لذلك على حلفاء واشنطن ستكون هائلة، إذ إن هذا الحدث سيشكك في صدقية الاعتماد على واشنطن، خصوصاً خارج القارة الأوروبية.

2- إصرار بوتين على تنفيذ تهديداته

كانت السياسة الروسية حازمة وجادة حيال مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، فلم تكن موسكو على استعداد خلال أي فترة زمنية لتقديم أي تنازل من أي نوع حول هذه النقطة تحديداً. ففي قمة «الناتو» في بوخارست، التي انعقدت في أبريل 2008، والتي أعلن فيها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، أن أبواب «الناتو» ستكون مفتوحة لأوكرانيا، أخبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الأميركي أن «أوكرانيا ليست حتى دولة»، وأن «جزءاً من أراضيها هو أوروبا الشرقية، لكن الجزء الأكبر منها هي هدية منا». ثم أضاف أنه «إذا انضمت أوكرانيا إلى (الناتو)، فإن وجود الدولة ذاته قد يكون موضع شك».

ويبدو أن الرئيس الأميركي أراد أن يختبر جدية تهديدات بوتين، فجاءت أزمة الحرب الجورجية – الروسية في أغسطس من العام نفسه، حينما حاولت جورجيا الاستيلاء على أوسيتيا الجنوبية، عقب سلسلة من المناوشات مع متمردين في المنطقة يحظون بدعم روسيا، وحينها كان الرد الروسي حازماً، إذ فقد الجيش الجورجي حينها السيطرة على نصف البلاد، وهو ما كان تأكيداً روسياً لبوش بأن الكرملين جاد في تهديداته.

تجدر الإشارة هنا إلى أن جورج كينان، مهندس سياسة الحرب الباردة الأميركية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، اعتبر أن توسع «الناتو» هو «الخطأ الأكثر فداحة للسياسة الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة بأكملها».

وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أنه بالعودة إلى الأزمة الكوبية في عام 1962، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على كوبا، مهددة بغزوها، بعد اكتشافها نشر موسكو صواريخ باليستية نووية على الجزيرة، فقد اعتبرت واشنطن أن هذا الأمر يحمل تهديداً للأمن القومي الأميركي لا يمكن التساهل معه.

3- قصور القيادة الأوكرانية

كشفت الأزمة الأوكرانية عن قصور نظرة قيادة الدولة، ممثلة في فولوديمير زيلينسكي، لكيفية إدارته للأزمة مع روسيا. فقد كان من الواضح أن الولايات المتحدة لن تهب للدفاع عنه، فقد أكدت إدارة بايدن على هذا الأمر في أكثر من موقف، وكان آخرها في اليوم السابق على الهجوم، حين قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين بساكي، خلال مؤتمر صحافي عقدته في مساء 23 فبراير، رداً على سؤال في هذا الشأن: «لا أعرف كم مرة سيكون عليّ أن أكرر ذلك، لا يوجد أي سيناريو سيرسل فيه الرئيس قوات أميركية لمحاربة روسيا في أوكرانيا».

لذا كان من غير المفهوم أن يقدم زيلينسكي على تحدي أكبر قوة نووية في العالم مكافئة للولايات المتحدة، خصوصاً أنه كان من الواضح أن واشنطن أو الدول الغربية لن تهب للدفاع عنه، بل إن العقوبات الاقتصادية التي أعلنتها الدول الأوروبية والولايات المتحدة في أعقاب اعتراف بوتين بالإقليميين الانفصاليين هزيلة، ولم تفرض أي عقوبات مؤثرة على الاقتصاد الروسي، وهي العقوبات التي أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أنها متوقعة، وأن بلاده قد اعتادت عليها، إذ إن من غير الوارد أن تكون موسكو قد أقدمت على التصعيد مع الغرب حول أوكرانيا، وصولاً إلى احتلالها قبل أن تتحسب لمعظم ردود الفعل الغربية، بما في ذلك العقوبات.

كما أن متابعة سير العمليات العسكرية، والسرعة التي تمكنت بها موسكو من الوصول إلى حدود العاصمة الأوكرانية كييف، يكشفان عن أن الجيش الأوكراني غير قادر على مواجهة نظيره الروسي.

تداعيات استراتيجية عميقة

يلاحظ أن الأزمة الأوكرانية، وكيفية إدارة مختلف الأطراف لها، تكشف عن أن شكل النظام الدولي قد تأخر، بل إن العلاقات بين أطرافه الرئيسة قد طرأت عليها تحولات واضحة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- نهاية عصر القطب الواحد

إذا كان هناك أي شك في ما إذا كان الانسحاب الأميركي من أفغانستان في منتصف 2021 مثّل نهاية عصر الأحادية القطية أم لا، فإن اجتياح موسكو لأوكرانيا قد كشف بما لا يدع أي مجال للشك، أن النظام الدولي قد انتقل إلى عالم متعدد الأقطاب، بما يستتبعه ذلك الاعتراف بضرورة قبول أن الترتيبات التي كانت سائدة في أعقاب الهيمنة الأميركية قد انتهت، ويجب إعادة مراجعتها، وأنه بات لروسيا «مجال حيوي» يجب احترامه، وأن هذا أصبح الوضع العادي الجديد، أي على الغرب مراجعة عقلية «الأحادية القطبية» التي سادت منذ تسعينات القرن الماضي، وحتى العقد الثاني من القرن الـ21.

2- رفض بوتين نفاق الغرب

كانت إحدى النقاط التي أثارها الرئيس الروسي في انتقاده للغرب هي مهاجمة الولايات المتحدة وتدخلاتها السابقة في منطقة الشرق الأوسط، وكيف أن واشنطن ضربت بالقانون الدولي عرض الحائط عند احتلالها العراق في عام 2003، فضلاً عن الاستخدام غير المشروع للقوة العسكرية ضد ليبيا في 2011، الذي ترتب عليه في النهاية التدمير الكامل للدولة هناك، وهو بذلك يرد على المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، الذين أدانوا العملية العسكرية الروسية على أساس انتهاكها لقواعد القانون الدولي.

3- اصطفاف صيني – روسي واضح

كشفت الأزمة الأوكرانية عن وجود تفهم صيني كامل للموقف الروسي، وهو ما وضح في تأكيد الصين لتفهمها «مخاوف روسيا الأمنية المشروعة»، و«تدرك السياق التاريخي المعقد والخاص للأزمة الروسية – الأوكرانية».

من جهة أخرى، رفضت بكين مصطلح «الغزو»، الذي أوردته بعض وسائل الإعلام الأجنبية عن تحركات روسيا ضد أوكرانيا، وناشدت جميع الأطراف المعنية بالوضع في أوكرانيا التحلي بضبط النفس.

4- التشكيك في صدقية الحليف الأميركي

كشفت الأزمة الأوكرانية أن الولايات المتحدة أساءت إدارة الأزمة الأوكرانية، وبدلاً من محاولة استيعاب بعض الهواجس الروسية الأمنية، فإنها قد أسهمت في تعقيد الأزمة، وصولاً إلى التسبب بشكل مباشر في دفع روسيا إلى تنفيذ تهديداتها باحتلال أوكرانيا بالكامل.

تحولات هيكلية

يمكن القول إن الأزمة الأوكرانية، والإدارة الأميركية لها، قد كشفت عن تحولات هيكلية في أزمة النظام الدولي، إذ لم تعد الولايات المتحدة هي القطب الأوحد في العالم، التي تفرض قواعده، بل باتت هناك قوى أخرى لها مجال حيوي تسعى للدفاع عنه في مواجهة المحاولات الأميركية الرامية إلى انتهاكه.

• كانت السياسة الروسية حازمة وجادة حيال مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، فلم تكن موسكو على استعداد خلال أي فترة زمنية لتقديم أي تنازل من أي نوع حول هذه النقطة تحديداً.

• كشفت الأزمة الأوكرانية أن الولايات المتحدة أساءت إدارة الأزمة الأوكرانية، وبدلاً من محاولة استيعاب بعض الهواجس الروسية الأمنية، فإنها قد أسهمت في تعقيد الأزمة، وصولاً إلى التسبب بشكل مباشر في دفع روسيا إلى تنفيذ تهديداتها باحتلال أوكرانيا بالكامل.

طباعة