العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    لاتزال مستمرة منذ الحرب العالمية الثانية

    روسيا واليابان تسعيان لإنهاء حالة الحرب بينهما في المحيط الهادي

    صورة

    خلال الشهر الماضي، انتشر آلاف الجنود والدبابات، وحاملات الصواريخ بالساحة الحمراء في موسكو، للاحتفال بالذكرى الـ76 لنهاية الحرب العالمية الثانية، التي نجم عنها مقتل نحو 24 مليون شخص، في مختلف أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق، لكن على بعد نحو 7000 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة الروسية، تظل جزر كوريل عقبة أمام الجهود الهادفة إلى توقيع اتفاقية سلام بين روسيا واليابان، وحتى تتم تسوية وضع هذه الجزر البركانية، تظل اليابان الإمبراطورية، والاتحاد السوفييتي، من الناحية الفنية على الأقل، في حالة حرب.

    ونزل الجنود السوفييت على هذه الجزر في أغسطس 1945، قبل نحو خمسة أيام من توقيع ممثلي اليابان إعلان استسلامهم على متن المدمرة الأميركية «يو إس إس ميسوري»، وكان اتفاق يالطا، الذي وضعه الحلفاء المنتصرون، وعد بمنح هذه الجزر لموسكو، لقاء دخولها الحرب في المحيط الهادي ضد دول المحور.

    الجزر غير مشمولة

    ومنذ تلك الفترة، وعلى الرغم من أن اليابان سعت إلى إلغاء شروط اتفاقية يالطا، مصرّة على أن الجزر الأربع الواقعة في أقصى الجنوب، التي تشير إليها باعتبارها «الأراضي الشمالية» لليابان، لم تكن مشمولة باتفاقات مرحلة الحرب العالمية الثانية، وتقول اليابان إن هذه الجزر لم تكن تعد سابقاً جزءاً من جزر كوريل، وبناء عليه تجب إعادتها إلى سيطرة اليابان.

    وظل هذا المأزق لمدة أربع سنوات شوكة في خاصرة العلاقات بين اليابان وروسيا، وبالنسبة للناشطين والمعلقين اليمينيين في اليابان، فإن وضع الجزر يعد مسألة فخر وطني، وإشارة إلى أن اليابان لم تسترجع حتى الآن كل ما خسرته في زمن الحرب، لكن وجهة النظر هذه ليست عامة، وقال 44% من اليابانيين، الذين شملهم الاستطلاع الذي أجري عام 2019، إنهم يؤيدون استعادة أي عدد من الجزر إلى اليابان، وأيد ربع السكان استعادة الجزر الأربع إلى السيادة اليابانية.

    أما في موسكو، فإن الجدل يتعلق بالأمن القومي، بالنظر إلى أن الجزر تقع في منطقة شرق المحيط الهادي الاستراتيجية، حيث يتزايد انخراط البحرية الروسية في مواجهات مع سفن بحرية عسكرية تابعة للولايات المتحدة وحلفائها، وإضافة إلى ذلك فإن الدور القديم الذي كانت تلعبه جزر كوريل، باعتبارها منصة انطلاق الغزو الياباني، لفترة قصيرة، للأراضي الروسية، هو عامل لا يمكن إنكاره، وازدادت صعوبة الوضع الدبلوماسي أكثر، نتيجة الإصلاحات الدستورية التي أصدرها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بعد تصويت على مستوى الدولة، والتي تلزم موسكو بالحفاظ على حدودها الإقليمية إلى الأبد، الأمر الذي استبعد أي مقايضة لأي جزء من أراضي الدولة.

    وفي الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الروسي أن الإصلاح الدستوري لا يشكّل عقبة أمام مفاوضات السلام، وقال خلال مؤتمر صحافي افتراضي: «نحن مستعدون لاستمرار المفاوضات»، لكن تصريحاته أثارت جولة أخرى من التكهنات حول مغزى هذا التصريح، شبيهة بتلك التي أحاطت جهود السلام خلال حكم بوتين ورئيس الحكومة اليابانية السابق، شينزو آبي.

    وكيل

    وما زاد الأمر تعقيداً أن المأزق اتخذ بعداً آخر، يتعلق بإمكانية أن تلعب اليابان دور الوكيل للولايات المتحدة، وهي المسالة التي تشتعل وتهدأ وفق سير العلاقات بين الشرق والغرب. وبعد أن دعمت واشنطن نزول قوات الاتحاد السوفييتي على الجزر في الأصل، بدأت تغير رأيها في وضعيتها الآن. وفي نهاية العام الماضي، كشفت صحيفة «هوكايدو شيمبون» اليابانية أن وزارة الخارجية الأميركية تعتبر أي شخص مولود في أي من جزر، هابوماي، شيكوتان، وكوناشير، أو اتوروب التي تطالب طوكيو بسيادتها عليها، مواطناً يابانياً. ويتعارض هذا القرار مع حقيقة أن السكان المدنيين اليابانيين، تم طردهم مع الجيش الياباني من المنطقة في نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي الواقع فإن العديد من سكان هذه الجزر ينحدرون من عرقية «آينو» اليابانية، أو ينحدرون من أصول العمال الروس، أو الأوكرانيين أو التتار الذين تم شحنهم إلى الجزر خلال الفترة الشيوعية، لكن بالنظر إلى الحالة المشحونة للعلاقات في الوضع الراهن، فإن الخلاف يعد وسيلة أخرى لممارسة الضغوط من خلالها.

    ومع ذلك، فإنه توجد الآن آمال في إمكانية توصل الطرفين إلى اتفاق، ويعمل الكرملين، وهو الطرف الراضي عن الوضع الراهن حالياً، منذ سنوات لدفن الأحقاد، وقدّم رئيس الحكومة اليابانية الحالي، يوشيهيدي سوغا، لموسكو أفضل فرصة من أجل تسوية القضية، وبعد وقت قصير من وصوله إلى منصب رئيس الحكومة، قال سوغا للصحافيين إنه استغل اتصالاً مع بوتين للتركيز على الحاجة إلى «تطوير العلاقات اليابانية - الروسية على نحو تاريخي، بما فيها توقيع اتفاقية سلام» وأضاف: «سيكون من الخطأ ترك مشكلة الجزر للأجيال المقبلة».

    مطالب صعبة

    ومع ذلك، في بداية العام الجاري قدّم سوغا مجموعة من المطالب أكثر صعوبة مما كانت تتوقعه موسكو، واصفاً الجزر بأنها «تحت سيادتنا»، ومن الواضح أنه على الرغم من أن الطرفين لم يتخليا عن الأمل في حلّ القضية من خلال المفاوضات، إلا أن ثمة فرصاً قليلة للتوصل إلى اتفاق على معظم الشروط التي يقدمها كل منهما للآخر. وخلال المنتدى الاقتصادي في مدينة سان بطرسبورغ، في يونيو الجاري، جدّد بوتين دعوته من أجل توقيع اتفاقية سلام، ورفض الاقتراحات التي تفيد بأن الإصلاحات الدستورية تقف حجر عثرة أمام التوصل إلى اتفاق، وقال إن حكومته تعتقد أن اليابان يمكن أن تتخلى عن مطالبها في شمال المحيط الهادي من أجل التوصل إلى اتفاق.

    لكن طوكيو من جانبها تجنبت رفض هذا المقترح، وقال كبير الأمناء في مجلس الوزراء الياباني، كاتو كاتسنوبو، قبل أيام، إن المسؤولين اليابانيين مهتمون بتصريح بوتين، وأضاف: «نعتبر ذلك تأكيداً على استعدادنا لمواصلة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق». وفي أبسط مستوياتها، فإن حالة الحرب بين روسيا واليابان ليست توصيفاً لعدم وجود اتفاقية سلام بينهما، وتعتبر الدولتان من أضخم الاقتصادات في العالم، وهما شريكان تجاريان مهمان، وقبل جائحة «كورونا» كان التبادل السياحي والثقافي بين الدولتين مرتفعاً، ومن المفهوم أن موسكو تنظر إلى اليابان من منظور علاقاتها مع الدول الأخرى، خصوصاً علاقتها مع الولايات المتحدة، وعلاقتها العادية مع شريكة موسكو الأساسية وهي الصين. ويفهم الكرملين أن حل قضية جزر كوريل يضمن لها أنها لن تكون يوماً ما وكيلاً من أجل تصعيدات محتملة على حدود روسيا الشرقية. أما اليابان من ناحيتها، فمن غير المرجح أن تتنازل عن الجزر من دون الحصول على تنازلات كبيرة في مكان آخر، ومع استعداد كبار المسؤولين لتجاهل الأحداث التي عفا عليها الزمن، والكراهية الواضحة من العامة، فإن أولئك الذين يحاولون الحفاظ على الحوار مستمراً هم أقلية واضحة.

    • في أبسط مستوياتها، فإن حالة الحرب بين روسيا واليابان ليست توصيفاً لعدم وجود اتفاقية سلام بينهما، وتعد الدولتان شريكين تجاريين مهمين، وقبل جائحة «كورونا» كان التبادل السياحي والثقافي بين الدولتين مرتفعاً.

    • من غير المرجح أن تتنازل اليابان عن جزر كوريل من دون الحصول على تنازلات كبيرة في مكان آخر، ومع استعداد كبار المسؤولين لتجاهل الأحداث التي عفا عليها الزمن، فإن الذين يحاولون الحفاظ على الحوار مستمراً هم أقلية واضحة.

    • كشفت صحيفة «هوكايدو شيمبون» اليابانية أن أميركا تعتبر أي شخص مولود في أي من جزر هابوماي، شيكوتان، وكوناشير، أو اتوروب التي تطالب طوكيو بسيادتها عليها، مواطناً يابانياً.

    غابريل غافين - صحافي مستقل يغطي وسط وشرق أوروبا

    طباعة