الدول بحاجة إلى قدرات استخباراتية ومراقبة متقدمة للغاية

بريطانيا تُقلص حجم قواتها استعداداً لاستراتيجية دفاعية جديدة

صورة

يشعر خبراء ومراقبون بالقلق حيال تقليص بريطانيا، مرة أخرى، لحجم قواتها المسلحة، وجاءت مجموعة من الشكاوى من جنرالات متقاعدين وخبراء دفاع وسياسيين، وجميعهم انتقدوا الخفض المخطط له في القوة البشرية العسكرية، والدبابات، والمعدات الأخرى، وكذلك في السفن الحربية.

وانضمت أصوات من الولايات المتحدة، تعرب عن شكوكها بشأن استمرار المملكة المتحدة كقوة عسكرية. وما يجد كل هؤلاء النقاد صعوبة في فهمه أن هناك تغييراً جوهرياً يحدث في متطلبات الدفاع، عبر سلسلة كاملة من المخاوف الأمنية، وفي طبيعة الحرب نفسها. وفي الواقع، كما وصف أحد العسكريين الحروب بأنها «لم تعد معلنة»، وهذا لا يعني أن تهديدات الصراع والغزو قد انتهت، بل على العكس من ذلك، فقد أصبحت ظروفاً مستمرة للعداء بين الدول وتمتد إلى مناطق مثل الفضاء، والفضاء السيبراني.

كما أن الحروب تنتقل إلى الشرايين الحيوية والأنظمة الداخلية للمجتمعات، على نطاق واسع، وبطريقة لم يسبق لها مثيل من قبل، وتم وضع أسس بناء ضخم جديد للفكر الدفاعي الحديث والمستقبلي.

وتتعرض المجتمعات بأسرها للهجوم، وبالتالي يجب الدفاع عنها، بجميع الأبعاد، سواء كانت اقتصادية، أو بنية تحتية، أو اجتماعية، أو سياسية، أو دبلوماسية، أو علمية، أو تعليمية، أو متعلقة بالصحة، أو أي شيء آخر تقريباً. وهذا يعني أن المناطق البعيدة خارج التنظيم العسكري يجب أن تشارك في مواجهة التهديدات والأخطار المستمرة، وفي شن هجمات مضادة. وفي هذه الدول الجزرية العالمية التي يتم ربطها بالأسلاك، فإن لديها نقاط ضعف خاصة، وهو جانب من الحكمة أن تشاركه بريطانيا واليابان عن كثب.

وعلى سبيل المثال، يتمثل مصدر القلق الرئيس للبريطانيين في التهديد الذي تتعرض له روابط الكابلات البحرية، وروابط إمدادات الطاقة، ويتمثل أحد التهديدات الرئيسة لليابان في أن معظم المواد الخام والإمدادات الحيوية تأتي عبر بحر الصين الجنوبي، حيث توسع الصين نفوذها بشكل متزايد، ببناء جزيرة اصطناعية، واختبار للصواريخ بشكل مستمر ومتزايد.

والعائق الثاني للفهم أن العنصر البشري سيتم إبعاده، بشكل متزايد، عن الأنواع الجديدة من الحروب.

تحويل الساحة

وفي الواقع، تم تحويل ساحة المعركة بالفعل من الأعمال العدائية البرية إلى جيوش من الطائرات بدون طيار (الدرون)، لتصبح أسرع وأكثر تدميراً ودقة، طوال الوقت. ويمكن لطائرات «الدرون» الآن أن تفعل ما كافح الجواسيس والكلاب البوليسية للقيام به لدخول المباني، ومعرفة من بداخلها، وما الذي سيفعلونه أثناء اكتشاف الألغام المتفجرة، وغيرها من المخاطر. ويتمتع الذكاء الاصطناعي بمكانة متزايدة في هذا النوع من الصراع، الذي يتم التحكم فيه عن بُعد، ما يعني عدداً أقل من الموظفين ذوي المهارات العالية، الذين يعملون مع التكنولوجيا التي تتقدم بسرعة فائقة، وهذه بالتأكيد ليست رؤى جديدة.

لقد كان من الواضح على مدى 10 سنوات، على الأقل، أن الحرب كانت تسير على هذا النحو، وأن الأنواع القديمة من الاشتباكات العسكرية التقليدية، في حين استمر بعضها، ستظهر بشكل أقل.

مفاجأة

لقد فوجئ المخططون العسكريون الذين يفكرون في المستقبل، بما كان يحدث أخيراً في نزاع ناغورني قره باغ، حيث أثبت الجنود والدبابات الأرمينية التقليدية عدم فاعليتهم في مواجهة الطائرات بدون طيار الأذربيجانية المدججة بالسلاح، التي قضت عليها بالعشرات، لكن حتى هذا النوع من القتال المسلح، في هذه الحالة على الأرض، قد يكون الآن من الماضي. وفي هذه الأثناء، في الخلفية العميقة وتحت السطح المرئي، يلعب العدو على تشويه المعلومات وتزويرها، وقرصنة الأنظمة، والضغط النفسي، والتلاعب المالي، وعمليات الاستحواذ والسيطرة السرية، وهي كلها أدوات جديدة لإحداث التخريب والضعف الداخلي للأمة.

تنفيذ مرحلي

وأصبح هذا النمط من القتال ينفذ على مراحل، وغالباً ما يعمل بشكل أكثر فاعلية في العقول الشابة، لتأتي مرحلة زعزعة الاستقرار والأزمات والانهيار المدني، ثم التدخل المباشر لاحقاً.

وفي كل هذا النوع الجديد من الحروب، أصبحت جوانب الحياة اليومية، وبالتأكيد جميع جوانب التجارة والسفر، مسلحة. ثم هناك التهديد الإرهابي الدائم، سواء أكان ذلك برعاية الدولة أم المشغلين المنفردين، وهذه ليست حرباً ساخنة ولا باردة، لكنها حرب دائمة مصدرها كل من اليسار المتعصب واليمين المتطرف.

قدرات استخباراتية

ولمكافحة هذا، تحتاج الدول إلى قدرات استخباراتية ومراقبة متقدمة للغاية، فضلاً عن تعاون أمني دولي وثيق. لكن ما لا تحتاج إليه هو قوات عسكرية ضخمة، التي صممت من أجل صراعات الماضي، وقد يكون هناك تحول آخر أعمق في التفكير الدفاعي يجد الاستراتيجيون، الذين لديهم عقول محصورة في الماضي، صعوبة في فهمه وقبوله. ولايزال جزء كبير من المناقشات والتحليلات الأمنية الدولية يتعلق بمنافسة القوى العظمى، إذ يُنظر إلى القوات الروسية على أنها التهديد الرئيس في أوروبا، ويمثل التوسع العسكري الصيني التحدي المباشر، في آسيا، ويحب ضباط البحرية والجنرالات، جنباً إلى جنب مع محاربي الحرب الباردة، التحذير من اندلاع معركة العالم المقبلة.

صورة من الماضي

إن الرؤية هنا، المتمثلة في قوات الغزو على نطاق واسع، والقصف والهجمات الصاروخية، مع احتمال تصاعد المشهد بأكمله إلى دمار نووي، يمكن أن تكون من الماضي، صحيح أن التصعيد الصيني في سماء تايوان، مع اقتحام المجال الجوي، والتدريبات البحرية الكبرى وما شابه، وكلها تهدف إلى إرسال إشارات تهديد، قد تظل متوافقة مع هذا النمط.

لكن التهديدات الحقيقية للديمقراطيات وقيم الحرية تتسرب إلى أسس المجتمعات الحرة بطرق جديدة، حيث لم تعد القوة العسكرية والقوة البشرية والفيالق الكبيرة والأسلحة الثقيلة قوى مضادة فعالة، والحرب هناك بالفعل، لكن بشكل مختلف عما حدث من قبل.

ومن هنا فإن تغيير التركيز، الذي يتم التخطيط له في أولويات الدفاع بالمملكة المتحدة، والذي قد يثير قلق البعض، يجب أن يكون الطريق الصحيح للمضي قدماً.

• فوجئ المخططون العسكريون، الذين يفكرون في المستقبل، بما كان يحدث أخيراً في نزاع ناغورني قره باغ، حيث أثبت الجنود والدبابات الأرمينية التقليدية عدم فاعليتهم في مواجهة الطائرات بدون طيار الأذربيجانية المدججة بالسلاح، التي قضت عليها بالعشرات.

ديفيد هاول - عضو في مجلس اللوردات وسياسي محافظ وصحافي ومستشار اقتصادي.

طباعة