محاصرة بكين لا تخدم أوروبا والعالم

واشنطن تريد جرّ أوروبا إلى «حرب باردة» ضد الصين

صورة

أطلقت الولايات المتحدة برنامج مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، وطورت البنية التحتية، التي دمرتها الحرب، في أوروبا الغربية. وفي المقابل، اكتسبت العديد من الامتيازات والمزايا من حيث الفوائد الاقتصادية والسياسية، وبرزت رائداً عالمياً. وكانت بعض الاتفاقات مع الدول الأوروبية، لمصلحة الولايات المتحدة. ولم يكن لدى الدول المهزومة، في الحرب العالمية الثانية، خيار سوى التوقيع على الاتفاقات، من جانب واحد. ومن ناحية، كانت الولايات المتحدة مستفيدة من أوروبا، ومن ناحية أخرى، كانت تُجبرهم على الانصياع لإرادتها من وقت لآخر.

وفي عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، تعرضت معظم الدول الأوروبية للإهانة أو الإذلال. وبالنظر للفوضى التي أحدثها، قد يتخذ الرئيس جو بايدن إجراءات لتصحيحها. ولسوء الحظ، لم يتم تصور نهج بايدن تجاه الصين من قبل معظم الأوروبيين. ومع ذلك، فإن الرئيس الجديد شخص مهذب وسياسي محنك. وقد لا يستخدم لغة قاسية وغير دبلوماسية حيال الصين، لكن سياساته لاحتواء بكين، ومواجهتها ومقاومة صعودها، هي نفسها أو حتى أكثر صرامة.

لقد أضرّ ترامب بالولايات المتحدة سياسياً، وأضرّ فيروس «كورونا» بالولايات المتحدة اقتصادياً. وفقدت أميركا مكانتها قائداً عالمياً. وقد لا يدعم اقتصادها الراكد برامج الدفاع، بميزانيتها الضخمة، لأن الأعمال العسكرية والقواعد العسكرية عبر البحار قد لا تستمر لفترة طويلة. ولايزال بايدن رهين حقبة الحرب الباردة، ويحاول إقامة تحالفات ضد الصين وروسيا. لكن العالم عانى بسبب الحرب الباردة، خصوصاً أن بعض الدول الأوروبية كانت من ضحايا الحرب الباردة؛ وقد لا تؤيد بدء أي حرب باردة، أو الانضمام إلى أي تحالف ضد أي بلد.

إصرار ألماني

وقالت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، إن «الحرب الباردة للتحالف»، هي نوع جديد من صياغة الدبلوماسية منذ أن تولت إدارة بايدن السلطة في الولايات المتحدة، موضحة أنه «أقوى تعبير عن أن دولة ما تعارض صعود دولة أخرى». وتعتبر ألمانيا أن للصين الحق في النهوض، وليس للولايات المتحدة الحق في إجبار الدول الأوروبية الأخرى على الامتثال لممارسة «الأنانية»، في خدمة الولايات المتحدة. وانتقدت ميركل إدارة بايدن «لتشكيلها عصابات» ضد الصين. وقد أطلع توجه «الحرب الباردة» الجديد، الدول الأوروبية والعالم على سبب إصرار ألمانيا على موقفها.

وأوضحت المستشارة الألمانية أن ألمانيا لن تشارك في أي جهود تقودها الولايات المتحدة تهدف إلى «تطويق وقمع» الصين.

كما توصي الدول الأخرى بعدم الانضمام إلى هذا السلوك «المهيمن». لأنه لن يجلب أي فوائد أخرى غير الإضرار بالوحدة الأوروبية، والانتعاش الاقتصادي العالمي.

وأصدر وزير الخارجية الأميركي الجديد، أنتوني بلينكن، تهديدات وعقوبات جديدة ضد الصين. وفي الوقت نفسه، انتقد أوروبا بشدة، مطالباً إياها بعدم توقيع اتفاقية استثمار مع الصين من وراء ظهر أميركا؛ ما تسبب في اشمئزاز كبير وقلق في أوروبا. من جانبها، اعتبرت الحكومة الإسبانية أن أي حرب باردة، في القرن الحادي والعشرين، هي نوع من «الإرهاب السياسي»، بالنسبة للدول الأوروبية. والتصريح الذي أدلت به المستشارة الألمانية يعكس، فعلاً، مخاوف الدول الأوروبية.

وأدى خطاب وزير الخارجية الأميركي الجديد إلى تفاقم مخاوف الدول الأوروبية بشأن حرب باردة جديدة في العالم. وقال نائب رئيس الوزراء في الحكومة الفرنسية، جان بينيك، في مؤتمر دبلوماسي، قبل أسبوعين، إن الحكومة الفرنسية تدعم وجهة النظر الألمانية. وفي عالم اليوم، حيث ينتشر الوباء، فإن تطويق الصين غير مفيد. وأدت الحرب التجارية التي شنتها إدارة ترامب إلى اضطراب شديد في سلسلة التوريد للاقتصاد العالمي. وهذا يمثل أخطر تهديد للانتعاش الاقتصادي للدول الأوروبية.

وذكرت صحيفة «دافوس تريبيون» السويسرية، أن طرح إدارة بايدن لـ«الحرب الباردة» كان عملاً «استبدادياً» غير مسؤول. ويهدد بشكل خطير الأمن السياسي والاقتصادي لأوروبا، ويضعف بشدة الوحدة الداخلية لأوروبا والولايات المتحدة. وفي هذا الصدد، هو لا يختلف عن «أنانية» إدارة ترامب.

وبشكل عام، تتوافق دول أوروبا الغربية والرأي العام فيها، مع موقف المستشارة الألمانية ووجهة نظرها. كما أن دول أوروبا الشرقية التي كانت متحالفة مع الاتحاد السوفييتي، تعارض ذلك. ومع ذلك، هذا هو الوقت الذي تكون فيه الوحدة مرغوبة، إذ يمر العالم بأصعب وقت في تاريخ البشرية. والتحديات شديدة، بما في ذلك الجائحة، وركود الاقتصاد العالمي، والانقسامات السياسية، والكوارث من جميع الأنواع؛ ويتطلب هذا جهوداً جماعية لحل الصعوبات الشديدة التي تتم مواجهتها. وقد لا يتم الترحيب بأي انقسام أو تفاقم مزيد من التحديات.


• تعتبر ألمانيا أن للصين الحق في النهوض، وليس للولايات المتحدة الحق في إجبار الدول الأوروبية الأخرى على الامتثال لممارسة «الأنانية»، في خدمة الولايات المتحدة.

• ذكرت صحيفة «دافوس تريبيون» السويسرية، أن طرح إدارة بايدن لـ«الحرب الباردة» كان عملاً «استبدادياً» غير مسؤول. ويهدد بشكل خطير الأمن السياسي والاقتصادي لأوروبا، ويضعف بشدة الوحدة الداخلية لأوروبا والولايات المتحدة.

طباعة