بعد مرور 10 سنوات على إطلاق سراحها

أونغ سان سو تشي تعود إلى الحجز في ميانمار من جديد

صورة

بعد 15 عاماً من وجودها تحت الإقامة الجبرية، تحولت أونغ سان سو تشي من شخصية وطنية إلى رمز عالمي للديمقراطية، ونالت جائزة نوبل، وتم إطلاق سراحها عام 2010، وبعد مرور خمس سنوات من ذلك تحولت ميانمار ذات الحكم العسكري إلى دولة انتخابات، وأجرت أول انتخابات حرة فاز فيها حزب سو تشي «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية».

وحظي فوز سو تشي بترحيب من المجتمع الدولي، حيث اعتُبر انتصاراً للقيم الديمقراطية على قوى الاستبداد، لكنّ الديمقراطية تتطلب أكثر من مجرد انتصار في انتخابات واحدة.

وكان الدستور في ميانمار ينصّ على احتفاظ الجنرالات بسلطات، ونفوذ واسع جداً، الأمر الذي ترك سو تشي وحزبها في وضع دقيق وقلق عند محاولة المحافظة على الحقوق الديمقراطية، وفي الوقت ذاته تجنب عودة الدولة إلى حكم العسكر.

وكان هذا التوتر جلياً في كيفية تعامل سو تشي مع القمع، الذي قامت به قوات الأمن في ولاية راخين غرب ميانمار، حيث اضطر نحو مليون شخص من عرقية الروهينغا إلى الهرب للنجاة بأرواحهم، في حين اتُّهم الجيش بارتكاب أعمال تطهير عرقي، وجرائم أخرى مروعة مثل الاغتصاب الجماعي والتعذيب والقتل من دون محاكمة.

وعلى الرغم من أن سو تشي لا تملك إلا القليل من السلطة المباشرة على ما تقوم به قوات الأمن، إلا أن دفاعها العلني عن جيش ميانمار جلب لها الكثير من الانتقادات والرفض في الكثير من دول العالم، وتم تجريدها من الكثير من الألقاب التي فازت بها عندما كانت ناشطة من أجل الديمقراطية.

وعلى الرغم من ذلك، ظلت سو تشي تتمتع بشعبية غامرة في ميانمار ذاتها، واعتبر العديد من المراقبين رفضها الانتقادات الموجهة إلى الجيش فاتورة ضرورية عليها دفعها مقابل الحكم المدني في ميانمار، وسواء كان ذلك تنازلات للجيش أم أنه اعتقاد فعلي في ما قالته، فقد اتضح هذا الأسبوع أن الأمر لا ينطوي على أهمية كبيرة، عندما قام الجيش بالاستيلاء على السلطة، واعتقل سو تشي وأعضاء آخرين من حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية».

وبعد 10 سنوات من إطلاق سراح سو تشي، يبدو أنها تعود إلى المكان الذي برزت منه إلى العالمية، أي في الحجز، وسيكون مصيرها رهناً بأهواء ونزوات الجيش، الذي حكم ميانمار معظم فترة نصف القرن الماضية.

لكن ظروف اعتقالها هذه المرة تختلف تماماً عن السابقة، إذ إن سو تشي لم تعد «مانديلا آسيا» كما كان يطلق عليها سابقاً، إذ إن تواطؤها مع الأعمال الوحشية التي ارتكبت ضد الروهينغا، أبعد عنها معظم حلفائها، حتى أصدقاؤها القدامى شجبوها و طلبوا منها الانتقاد العلني للجيش، وقال الخبير في ميانمار من جامعة ملبورن الأسترالية، توماس ويلس: «لقد أصبح الغرب غير مهتم كثيراً بتعامله مع سو تشي، الأمر الذي يجعل من الصعب دعم (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) بالطريقة ذاتها، التي كانت تقوم بها الولايات المتحدة وأوروبا في تسعينات القرن الماضي».

وعلى الرغم من أن الجيش تنازل عن بعض السلطات خلال المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية الجزئية، إلا أنه احتفظ بقبضة قوية على الدفاع والقضايا الأمنية، بما فيها الوضع في راخين، حيث يتهم الجنود بأنهم حرقوا العديد من القرى خلال عمليات «التطهير العرقي»، والاغتصاب الجماعي، والقتل والأعمال الوحشية الأخرى.

قتل جماعي

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه قتل 10 آلاف شخص على الأقل خلال عمليات القمع التي قام بها الجيش والقوات الأمنية في راخين، منذ عام 2016، والتي بدأت بعد هجمات بسيطة على مواقع حدودية ومناطق تفتيش من مجموعة تابعة لميليشيا الروهينغا، وهرب 720 ألف شخص إلى بنغلاديش المجاورة.

وفي الرد على التقارير الصادرة حول راخين، قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على العديد من شخصيات الجيش، بما فيها رئيس الأركان، الجنرال مين أونغ هلينغ، الذي يقول عنه العسكريون إنه سيقود الدولة بعد الإطاحة بالزعيمة سو تشي، وأدت هذه الضغوط إلى جعل الجيش وحكومة سو تشي المدنية أكثر قرباً من الصين. وقالت ميليسا كراوتش من جامعة نيوساوث ويلز لمحطة «سي إن إن»، إن هذا التقارب مع الصين يراه العسكريون في ميانمار أنه للحصول على الدعم إزاء أي ضغوط محتملة نتيجة الانقلاب الذي قاموا به».

وقال ويلس، من جامعة ملبورن، إن النخبة العسكرية في ميانمار «تعلمت جيداً كيفية حماية نفسها في وجه الانتقادات الدولية، ويعتقد أن العقوبات القوية التي فرضت على العسكريين في تسعينات القرن الماضي من قبل الغرب، لم تؤثر في موقف الجيش في حينه»، وأضاف «يبدو أن جائحة (كورونا) أثرت كثيراً في الاقتصاد، إضافة إلى العقوبات المفروضة، ولذلك فإن الغرب ليس لديه الكثير ليفعله ضد العسكر».

أكبر تحدٍّ

وفي الحقيقة، سيأتي أكبر تحدٍّ لهذا الانقلاب من الداخل، كما قال ويلس، وسيعتمد على قدرة الجيش في السيطرة على مجتمع ناشط، وطبقة متوسطة أصبحت أكثر قوة منذ عام 2015، إضافة إلى رجال الأعمال، والآخرين الذين استفادوا من الدعم العالمي بعد الانتقال إلى الديمقراطية، ولن يكونوا راضين عن عودة الدولة إلى حالتها السابقة كدولة منبوذة من العالم. وأضاف ويلس: «في ميانمار هناك الكثير من الأشخاص الذين يجمعون الكثير من المال، وسيعمل هؤلاء على الضغط على النخبة العسكرية، كي لا يتوقف النمو أو الاستقرار الأمني الذي شهدته المدن في ميانمار».

وعلى الرغم من سقوط مكانة سو تشي في أنظار الغرب، إلا أنها لاتزال تحظى بشعبية كبيرة بين المواطنين العاديين في ميانمار، وخلال انتخابات شهر نوفمبر الماضي، قال حزبها «الرابطة الوطنية» إنه تمكن من الفوز بـ390 مقعداً في البرلمان، وهو العدد الذي يحتاج إليه كي تكون له الأغلبية البرلمانية، وربما فاز الحزب بأكثر من 390 مقعداً في انتخابات 2015، على الرغم من أن الجيش اتهم الحزب فوراً بالغش في الانتخابات، من دون تحديد ما هو الغش.

وعندما انكشف الانقلاب، اتضح أن القادة العسكريين قاموا بجهود مرسومة جيداً لمنع أنصار سو تشي وداعميها داخل الجيش، من تنظيم أنفسهم ضد الجيش، ناهيك عن أن سو تشي وقادة حزب «الرابطة الوطنية» كانوا معتقلين، إضافة إلى أن العديد من أعضاء البرلمان هم من ممثلي المجموعات العرقية وناشطي حقوق الإنسان.

وكتبت المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، كيلي كوري، على «تويتر»: «يبدو أنهم يعتقلون المشتبه فيهم الاعتياديين، ليس لأنهم جزء من حزب الرابطة، لكن لأن لهم تاريخاً في تنظيم المواطنين، وجمعهم في الشوارع، وهم يريدون استباق حدوث مثل هذه الأمور»، وأضافت كيلي أن العديد من القادة العسكريين لن يدركوا أنه «في المرة السابقة، عندما قاموا بانقلابهم، لم يكن هناك (فيس بوك) ولا حتى إنترنت في بورما، وكان الهاتف النقال يكلف نحو 2000 دولار، ولم يكن أحد يملك حاسوباً أو سيارة، لقد كانت بورما مختلفة تماماً».

وكتب مؤلف كتاب «تاريخ بورما الخفي»، ثانت مينت، على «تويتر» وهو يشاهد تكشف التطورات: «يخالجني شعور متشائم بأن أحداً لن يكون قادراً على التحكم في ما سيأتي لاحقاً»، وأضاف: «تذكروا أن ميانمار مليئة بالأسلحة، إضافة إلى الانقسام العميق بين المجموعات العرقية والدينية، في حين أن هناك الملايين الذين بالكاد يستطيعون إطعام أنفسهم».

جيمس غريفيث : منتج ومخرج بريطاني

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 10 آلاف شخص على الأقل قتلوا خلال عمليات القمع التي قام بها الجيش والقوات الأمنية في راخين، منذ عام 2016، والتي بدأت بعد هجمات بسيطة على مواقع حدودية ومناطق تفتيش من مجموعة تابعة لميليشيا الروهينغا.

- عندما انكشف الانقلاب، اتضح أن القادة العسكريين قاموا بجهود مرسومة جيداً لمنع أنصار سو تشي، وداعميها داخل الجيش، من تنظيم أنفسهم ضد العسكر.

- جائحة «كورونا» أثرت كثيراً في الاقتصاد، إضافة إلى العقوبات المفروضة، ولذلك فإن الغرب ليس لديه الكثير ليفعله ضد العسكر.

طباعة