إحدى أحلك اللحظات فــي التاريخ الأمـــيركي

اقتحام الكونغـرس يعتبر انتهاكاً لمثل الآباء المؤســسين لأميركا

اقتحام الكونغرس سيظل عاراً في تاريخ أميركا. رويترز

لا تُقاس عظمة أميركا بامتلاك السلطة، وإنما بالتخلي عنها. وفي يوم الأربعاء السادس من يناير اقتحم المتظاهرون وهم يلوحون بأعلام الولايات ورايات الرئيس دونالد ترامب، مبنى الكونغرس الأميركية في حالة «من العصيان والتمرد اللذين حض عليهما الرئيس»، وفق ما ذكره السناتور الجمهوري ميت رومني من ولاية يوتاه. وأضاف في ما بعد السيناتور الديمقراطي من نيويورك تشاك تشومر «يمكننا الآن إضافة تاريخ السادس من يناير 2021 إلى قائمة قصيرة من التاريخ الأميركي الذي يمثل حالات من العار سنعيشها إلى الأبد»، ووصف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ما حدث بأنه «لحظة من الخزي والعار العظيم لأمتنا»، وسيتذكر الجميع ما حدث بأنه إحدى أحلك اللحظات في التاريخ الأميركي.

وفي 23 ديسمبر 1783، وبعد فوز الثورة الأميركية بالحرب سلم الجنرال جورج واشنطن صلاحياته العسكرية للكونغرس الأميركي. ولم يحدث مثل هذا التصرف مطلقاً منذ عصر دولة روما، أن يتنازل قائد منتصر عن سيفه. وكان تصرف واشنطن مثيراً للدهشة، إلى الدرجة التي جعلت ملك بريطانيا جورج الثالث يعجز عن إيجاد الكلمات في وصفه، فاكتفى بالقول إنه «أعظم رجل في العالم».

وكان بإمكان واشنطن أن يكون الحاكم الدكتاتور لأميركا من دون منازع، ولكنه احتفظ بمثل الثورة ورسخ بقوة الانتقال السلمي للسلطة. وتصرف واشنطن كي يضمن «مصالح دولتنا العزيزة»، وبالتالي المحافظة على الولايات المتحدة.

وخلد هذه اللحظة إلى الأبد الرسام جون ترامبل عندما رسم صورة انتقال السلطة على اللوحة، والتي زينت الحجرة الكبيرة المعروفة باسم «روتاندا» في مبنى الكونغرس منذ عام 1826، قبل أن تدنس حشود يوم الأربعاء الماضي، ذكريات لحظة تنازل واشنطن عن السلطة، وهم يحملون ما نهبوه من الكونغرس وتبدو على وجوههم علامات السعادة.

وهذه لم تكن لحظة فريدة في مسيرة واشنطن المهنية فقط، إذ إن تسليم واشنطن السلطة كان عبارة عن عمل ينبع من شعوره بالإيثار وإنكار الذات وأكده مراراً وتكراراً. وذلك عن طريق نزع فتيل إمكانية حدوث انقلاب ضد الكونغرس من قبل ضباطه خلال مؤامرة نيوبورغ التي كانوا يحاولون تنفيذها، فناشدهم بشرفهم العسكري. وقال لهم الجنرال واشنطن «دعوني أناشدكم باسم بلدنا جميعاً، بالنظر إلى أنكم جميعاً تقدرون شرفكم المقدس، وبأنكم تحترمون حقوق الإنسانية، أن تعربوا عن أقصى حالات الرعب والكره للرجل الذي يتمنى، وتحت أي ذرائع مريبة أن يدمر الحريات في بلدنا، والذي يحاول بنية شريرة فتح بوابات الفتنة المدنية».

ومرة أخرى، عندما رفض رئيس الولايات المتحدة البقاء في السلطة لفترة حكم ثالثة لمصلحة الانتقال السلمي للسلطة سجل موقفاً آخر لبلاده والعالم. واحتذى بمثاله لانتقال السلطة السلمي أول رئيس خلفه وهو جون آدمز، وجميع الرؤساء الآخرين الذين تبعوه حتى وقعت أحداث الأسبوع الماضي.

وكان من المقرر أن يلقي الرئيس المنتخب جو بايدن خطاباً إلى الأمة يوم السادس من يناير، ليذكرهم بأن «أميركا كانت تتعلق بالشرف»، ولقد كانت أميركا دائماً تتعلق بالشرف. كما يقول إعلان الاستقلال عام 1776 «نتعهد جميعاً بالاهتمام بحياة بعضنا بعضاً، وبثرواتنا وبشرفنا المقدس». ورأى الآباء المؤسسون «الشرف المقدس» باعتباره مثالاً أخلاقياً، وديناً علمانياً، لرفع الأمة فوق جميع المصالح بما فيها المصلحة الذاتية. وتحدث واشنطن عن أهمية الأمة خلال مسيرته العسكرية والسياسية. وهو ما ساعد على انتقال السلطة بصورة سلمية من أيامه حتى الآن. وما حدث يوم السادس من يناير كان عاراً سيجعل واشنطن يبكي في قبره.

وخلال جلسة مساء الأربعاء السادس من يناير التي كانت تهدف إلى التصديق على الانتخابات الرئاسية، قالت السيناتور الديمقراطية كاثرين كورتيزماستو، منوهة إلى إعلان الاستقلال «في تلك اللحظة من التاريخ لا أستطيع التفكير بشيء أكثر وطنية من تجديد ثقتنا بميثاق الحرية الذي وضعه آباؤنا المؤسسون للجمهورية».

وفي صباح يوم الخميس، أكد ترامب قائلاً «سيكون هناك انتقال منظم للسلطة في الـ20 من يناير»، وفي الحقيقة فإن الانتقال السلمي للسلطة في واشنطن يجب ألا يواجه أي تحديات مرة ثانية حتى عن طريق المزاح. وتحتاج أميركا إلى إعادة تركيز نفسها على مثلها، وأولها على مثل رئيسها الأول. ويجب وضع الأمة فوق الولاء للأحزاب والمحفزات الشخصية. وتسليم السلطة بصورة سلمية بدلاً من محاولة الاحتفاظ بها.


• رأى الآباء المؤسسون «الشرف المقدس»، باعتباره مثالاً أخلاقياً، وديناً علمانياً، لرفع الأمة فوق جميع المصالح بما فيها المصلحة الذاتية.

• تحتاج أميركا إلى إعادة تركيز نفسها على مثلها، وأولها على مثل رئيسها الأول. ويجب وضع الأمة فوق الولاء للأحزاب والمحفزات الشخصية. وتسليم السلطة بصورة سلمية.

كريغ بروس سميث - مؤرخ ومؤلف كتاب «الشرف الأميركي»

طباعة