بعد قرنين ونصف من انتقال السلطة السلمي في الولايات المتحدة

ترامب يحرض على الفوضى بدلاً من العمل على تعزيز سلاسة تداول السلطة

صورة

منذ نحو قرنين ونصف القرن من الزمن، اعتاد الأميركيون القبول بالانتقال السلمي للسلطة كل أربع أو ثماني سنوات، حيث يشعرون بالفخر لأن لديهم «حكومة من القوانين وليس من الأشخاص»، كما قال الرئيس الأميركي السابق، جيرالد فورد، بعد أن أدى القسم عند دخوله البيت الأبيض إثر استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1974.

لكن حتى وقوع أعمال العنف المدهشة، في مبنى الكونغرس الأميركي، التي جاءت بتحفيز من الرئيس الأميركي المتمرد والواهم دونالد ترامب، أدرك العديد من الأميركيين مدى هشاشة الحبل الذي يحمل الدستور، والمتمثل في الشخص النزيه القابع في البيت الأبيض.

وفي الواقع، فإن كثيراً من الفضل في نجاح الديمقراطية الأميركية ليس للدستور بحد ذاته، وإنما للحظ الجيد والإحساس اللذين جعلا الأميركيين يضطرون إلى قبول هؤلاء الأشخاص في البيت الأبيض، بدءاً من الرئيس الأميركي الأول، جورج واشنطن، الذي بدأ تقليد الاكتفاء بفترتين رئاسيتين في البيت الأبيض. وكان الرئيس جون أدامز أول من سكن البيت الأبيض، وأدرك تماماً مدى هشاشة الجمهورية الفتية، وخشي من الغوغائيين والدهماويين. وحال دخوله البيت الأبيض كتب رسالة إلى زوجته، طالباً الرحمة والبركة من العلي القدير، وقال فيها: «أسأل الرب ألا يدخل إلى هذا المكان ويحكم البلاد إلا الصادقون والحكماء»، وفي ما بعد جرى نقش هذا الدعاء على طرف الموقد في البيت الأبيض.

وحتى عندما نتحدث عن الرئيس نيكسون، الذي يعتقد أنه أحد أكثر الرؤساء الأميركيين فساداً، والذي خسر الانتخابات عام 1960 أمام المرشح، جون كينيدي، بفارق ضئيل، وكان كان يدرك أن كينيدي ربما تغلب عليه من خلال التزوير، ومع ذلك رفض نيكسون طلب إعادة إحصاء أصوات الناخبين من جديد، مع أنه كان يستطيع ذلك، وقال في خطاب قصير إن هذه الانتخابات كانت «مثالاً بليغاً على استقرار نظامنا الدستوري»، وفعل نائب الرئيس بيل كلينتون، آل غور، الأمر ذاته عندما خسر الانتخابات أمام الرئيس، جورج بوش الابن، عام 2000، على الرغم من أنه فاز بالتصويت الشعبي، وكان ضحية قرار المحكمة العليا، ومع ذلك طلب من أنصاره قبول الرئيس بوش الابن، وقال «إن خيبة الأمل التي أصابته جراء خسارته في الانتخابات يجب أن تعوض بحبه لوطنه».

وبعبارة أخرى فإن الرئاسات والانتقالات السلمية، حققت النجاح ليس بسبب الشهادات الجامعية التي يحملها الرؤساء، وإنما نتيجة نوعية الأشخاص الذين يتم استدعاؤهم لسنّ القوانين، ومراقبة تطبيقها. وجزء من ذلك كان بمحض المصادفة، لدى اختيار الأشخاص أصحاب النوايا الطيبة، ويمكن القول إن السماء أرسلت نعمة كبيرة عندما أوجدت أشخاصاً أمثال أبراهام لينكولن قبل الحرب الأهلية، وفرانكلين روزفلت خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، وكينيدي لإدارة أزمة الصواريخ الكوبية. وكان السياسي الألماني، اوتو فون بسمارك، الذي جاء في القرن الـ19 قد قال ذات مرة «القدير له عناية خاصة بالمعتوهين، والسكارى، والولايات المتحدة الأميركية».

لكن الموضوع المتعلق بالحظ قد انتهى عمليا الآن، وأما الرئيس ترامب، فقد انتخب الأميركيون شخصاً نرجسياً مريضاً، وظهرت أسوأ ميزاته في الأيام الأخيرة من وجوده في السلطة، على الرغم من أن ذلك كان جلياً خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض. وأطلق ترامب حملة لنزع الشرعية عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة من دون دليل أو سند، ودعا أنصاره من المحتجين إلى الزحف، يوم الأربعاء الماضي، على الرغم من أن نائب الرئيس، مايك بنس، كان يقوم بواجباته الدستورية المتمثلة في الإشراف على إحصاء الأصوات الانتخابية، بما فيها التعامل مع العديد من حالات الرفض بلا دليل، التي قام بها عدد من الجمهوريين في الكونغرس.

وشعر العديد من أنصار ترامب، الذي فاز بـ74 مليون صوت، بالانزعاج، لكنّ قلة من الأميركيين كانت تتوقع أن الأمور يمكن أن تصل إلى الوضع غير المسبوق الذي حدث في مبنى الكونغرس.

وكان الرضا جلياً لدى الأميركيين، عندما خيّب بنس آمال ترامب، بقوله إنه لن يتدخل في عملية إعادة إحصاء أصوات الناخبين، وبالتالي فإنه يقر بذلك صحة فوز جو بايدن بالرئاسة، وإثر ذلك اندفع الآلاف من الدهماء نحو مبنى الكونغرس واقتحموه وحطموا نوافذه، وأجبروا الشرطة على استخدام أسلحتها، وعملياً سيطروا على مبنى الكونغرس، وشعرت كتيبة حراس الكونغرس الصغيرة بالارتباك، لكون أفرادها لم يشهدوا شيئاً مثل هذا الهجوم الذي يعد الأول من نوعه، مباشرة نحو مبنى الكونغرس منذ عام 1812.

وتم إجلاء بنس وعدد من أعضاء الكونغرس، واقتحم المتظاهرون مكتب رئيسة الكونغرس، نانسي بيلوسي، وأصيب عدد من الأشخاص بالجروح، وقتلت امرأة واحدة بالرصاص، وثمة ثلاثة أشخاص آخرين قيل إنهم قتلوا، في الوقت الذي لاتزال واشنطن تحت حظر التجول.

وحدث كل ذلك خلال وجود حشد بالقرب من البيت الأبيض، عندما شجع ترامب المحتجين على الذهاب إلى مبنى الكونغرس لدعم أعضاء الكونغرس الذين يرفضون نتيجة الانتخابات، وبعد ذلك قام بتحريضهم على الثورة من خلال تغريدة قال فيها: «بنس لا يمتلك الشجاعة المناسبة لفعل ما يجب عليه القيام به لحماية بلدنا ودستورنا»، وحتى بعد أن تحول الاحتجاج إلى أعمال عنف خارجة عن السيطرة، وبعد أن طلب من المحتجين «البقاء سلميين»، أرفق ذلك بتكرار ادعائه أن الانتخابات تمت سرقتها، وأنه فاز بها «بصورة كاسحة»، وأبلغ المحتجين «نحن نحبكم، أنتم مميزون جداً».

وكان ما حدث يمثل إثباتاً على أنه كما هو مناط برئيس الولايات المتحدة حماية الدستور، وفق القسم الذي يؤديه عند تسلم السلطة، فإنه قادر أيضاً على تدميره أيضاً إذا أراد ذلك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتمرد، وفي ظل أي رئيس آخر يتم استدعاء الحرس الوطني الفيدرالي فوراً «قبل أن يقترب أحد من مبنى الكونغرس»، وفق ما قاله الموظف الفيدرالي السابق وأستاذ القانون في جامعة ميريلاند، مايكل غرينبيرغ.

ويعتقد بعض المحامين أن ترامب أصبح في موقف ضعيف أمام اتهامه بالتحريض على التمرد، وربما يضطر إلى إصدار عفو عن نفسه، وعمد الكونغرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب، إلى تأكيد بايدن رئيساً للجمهورية، واتضح أن ترامب لم يبقَ إلى جانبه سوى القليل من الجمهوريين، بعد أعمال العنف التي حرض عليها.

وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، ميتش ماكونيل، الذي كان في السابق حليفاً للرئيس ترامب، لكنه عارض ادعاءاته المتعلقة بتزوير الانتخابات: «لقد حاولوا تدمير نظامنا الديمقراطي لكنهم فشلوا»، وأضاف: «لقد فشلوا في محاولة إعاقة عمل الكونغرس، وهذا التمرد الفاشل يؤكد مدى أهمية المهمة الماثلة أمامنا».

ويبدو أن التهديد بالتمرد أثار الذعر لدى كثيرين من الحزب الجمهوري، وحوّلهم ضد ترامب، وقال غرينبيرغ: «منذ رئاسة جورج واشنطن كانت حالات التمرد يتم حلها من قبل الرئيس نفسه، فهو يمتلك السلطة الدستورية والقانونية لاستخدام جميع السلطات الفيدرالية والعسكرية، وفرض القانون، لتحمل مسؤولية الرد على حالات التمرد»، وأضاف: «لكن الأمر الذي لم يفكر فيه أحد منذ تأسيس الولايات المتحدة، أن يقوم الرئيس نفسه بالتحريض على التمرد، وليس لديه أي مصلحة في منعه، إنها سابقة تاريخية وطنية».

مايكل هيرش :  مراسل أخبار لـ«فورين بوليسي»


كثير من الفضل  في نجاح الديمقراطية الأميركية ليس للدستور بحد ذاته، وإنما للحظ الجيد والإحساس، اللذين جعلا الأميركيين يضطرون إلى قبول هؤلاء الأشخاص في البيت الأبيض.

الرئاسات، والانتقالات السلمية، حققت النجاح، ليس بسبب الشهادات الجامعية التي يحملها الرؤساء، وإنما نتيجة نوعية الأشخاص الذين يتم استدعاؤهم لسنّ القوانين، ومراقبة تطبيقها.

طباعة