ألغى «أوباما كير».. وحكم كرئيس لقاعدته فقط

كيف خسر دونالد ترامب الانتخابات

صورة

الأكاذيب، والتفاخر الفاحش، والاضطراب، والإدارة الكارثية، والاستقطاب العرقي؛ كل هذه الأشياء جعلت الرئيس دونالد ترامب، قائد السيرك السياسي الأميركي، يخسر، أخيراً. وقلة من الرؤساء، في التاريخ الحديث، ممن أشعل الأمة، وكشف التصدعات في ديمقراطيتنا، مثل ترامب.

اعتقد ترامب أنه يمكن التخلص من فيروس قاتل، ورفض الانتقادات، وحكم كرئيس لقاعدته، فقط، وخاض الانتخابات لإعادة انتخابه دون التمحور نحو الوسط. وبالكاد صاغ رؤية سياسية لولاية ثانية. ومع ذلك، قام بحملة جادة، حيث شارك في عشرات التجمعات بالقرب من طائرة الرئاسة، في الأسابيع الأخيرة من الحملة، وتفوق على توقعات الكثيرين، بفضل عملية بيانات الحملة المتطورة، وقاعدة الدعم المتحمسة.

لكن في النهاية، انتهت رئاسة ترامب كما بدأت: بهامش ضئيل في ولايات رئيسة تفصل بين مرشحين في دولة قلقة، بينما أطلق ترامب مزاعم لا أساس لها من الصحة بأنه تعرض للسرقة. واتسمت رئاسة ترامب بالفضائح والخلافات المتنوعة، بقدر ما كانت مقلقة. ورفض مواجهة جذور الفوارق العرقية في البلاد، وتشدد تجاه مظالم البيض. وكان أحد الاتجاهات السياسية المهيمنة في فترة ولايته، هو ابتعاد سكان الضواحي، والنساء البيض، والناخبين الجامعيين، والمستقلين، عن الحزب الجمهوري.

وتراجعت احتمالات إعادة انتخابه بسبب الوباء، الذي كشف نقاط ضعفه، إلى جانب ضعفنا نحن الأميركيين. وكان من أهمها نهجه المتهور تجاه الفيروس، الذي أوصله إلى المستشفى في ذروة الحملة. ولو لم يصب الرئيس بـ«كوفيد-19» مطلقاً، فربما كان سيفوز في الانتخابات. وأظهرت استطلاعات الرأي، التي أجرتها مجلة التايم، انخفاضاً كبيراً، عندما حدث ذلك، لاسيما مع الرجال غير الليبراليين القاطنين في الضواحي. وأرسل ترامب، الذي التقط العدوى، إشارة إلى هؤلاء الأشخاص، بأن أسلوب إدارته كانت له عواقب حتى بالنسبة له شخصياً، وبالتالي من غير المرجح أن يتغير. وقبل يوم الانتخابات بقليل، بينما عانت الولايات المتحدة، من أسوأ ارتفاع في عدد الحالات منذ بدء الوباء، سخر ترامب من الفيروس، باعتباره مؤامرة إعلامية. وكتب على «تويتر»، في 27 أكتوبر، إن «الأخبار الوهمية تعمل بالكامل على (كوفيد)، (كوفيد)، و(كوفيد)». متابعاً: «نحن نقترب من المنعطف».

فشل في التواصل

هُزم ترامب بسبب «فشله في التواصل بشأن الشيء الذي يهتم به الناخبون أكثر، وهو فيروس كورونا»، كما تقول سارة لونجويل من منظمة «جمهوريون من أجل حكم القانون»: «ناخبون جمهوريون ضد ترامب». وبينما فقد الكثيرون وظائفهم، وأغلقت الشركات، وامتنع الناس عن معانقة والديهم المسنين، ودرس الأطفال من المنزل، وتضيف لونجويل: «ما فعله ترامب، هو التظاهر بأن الفيروس التاجي لم يكن الشيء الأكثر شيوعاً في حياة الناس».

ويبقى أن نرى مدى استمرار التغييرات التي أحدثها ترامب في ديمقراطيتنا، والخلافات التي خلقها لن يكون من السهل إصلاحها. وأثبتت انتخابات 2020 أنه لاتزال هناك سوق قوية للسياسات التي تغذيها المظالم؛ وحتى في حالة الهزيمة، فاز ترامب بملايين الأصوات أكثر مما فعل قبل أربع سنوات. ولم يكن هذا رفضاً صارخاً لأفكار ترامب، وأساليبه التي تصورها خصومه. ولكن في النهاية، اتخذ أغلبية الناخبين الأميركيين خيار المضي قدماً.

كان أحد الأخطاء الرئيسة قبل نحو ثلاث سنوات، عندما عين ترامب براد بارسكال مديراً لحملته. وقام الأخير، بإدارة حملة إعلانية على وسائل التواصل الاجتماعي على «فيس بوك»، ساعدت ترامب على الفوز عام 2016. لكن بارسكال كان، أيضاً، مبتدئاً سياسياً، لم يسبق له أن أدار حملة، ناهيك عن حملة لرئيس شاغل للمنصب، لديه مسار ضيق بشكل خطير لإعادة انتخابه. وأنفق بارسكال ببذخ، وأهدر مئات الملايين من الدولارات. ويقول الخبير الاستراتيجي الجمهوري المخضرم، مايك دوهيمي: «لم يسبق لبراد بارسكال أن أجرى أي حملة من قبل، وأعتقد أن تعيينه فجأة مسؤولاً عن عملية تبلغ قيمتها مليار دولار، أمر غير عادل وسيئ».

أسلوب مثير

ويقول بارسكال إن ميزانية الحملة وإنفاقها، تمت الموافقة عليهما من قبل العديد من كبار قادة الحملة الآخرين. وخسر ترامب التصويت الشعبي الوطني بنحو ثلاثة ملايين، عام 2016، لكنه لم يحاول، أبداً، توسيع دعمه خارج قاعدته المتشددة. وبدلاً من ذلك، حاول العثور على ناخبين جدد، معظمهم من الرجال البيض غير الحاصلين على تعليم جامعي، الذين انجذبوا إلى أسلوبه المثير للانقسام، والذي غالباً يكون مثيراً للعنصرية. وقد خسر التصويت الشعبي بهامش أوسع بكثير، حالياً، ولايزال العد مستمراً، بعد ارتكاب سلسلة من الأخطاء غير المقصودة، التي قوضت دعمه الشعبي. وتقدم جو بايدن في ولايات: ميشيغان، وويسكونسن وبنسلفانيا، وهي الولايات الثلاث التي أسهمت في فوز ترامب بالرئاسة، قبل أربع سنوات.

وسط انتفاضة وطنية حول العنصرية النظامية، أنكر ترامب القضايا الأساسية. ولم يحاول قط توحيد البلاد، أو التحدث عن آلامها المشتركة. وفي 5 يونيو، بعد أقل من أسبوعين من مقتل جورج فلويد، ومع احتجاجات عارمة تسيطر عليها حركة «حياة السود مهمة»، عقد الرئيس مؤتمراً صحافياً عرض فيه تقرير الوظائف القوي. وقال ترامب: «آمل أن ينظر جورج إلى الأسفل، الآن، ويقول إن هذا شيء عظيم يحدث لبلدنا». متابعاً: «هذا يوم رائع بالنسبة له.. إنه يوم رائع للجميع».

وأظهرت استطلاعات الرأي أن أغلبية الناخبين لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الاحتجاجات، وقلص ذلك دعمه بين الناخبين البيض، الذين رفعوه إلى النصر في المرة الماضية. ومع اقتراب يوم الانتخابات، لجأ ترامب إلى الجهاز الفيدرالي الواسع، الذي يسيطر عليه لإنقاذه، متجاوزاً المزيد من الخطوط، التي تمت مساءلته بسببها، في عام 2019. وقام بتجنيد الوكالات الفيدرالية والجنود في حملته، وضغط على إدارة الغذاء والدواء، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، لتغيير توصيات «كوفيد-19»، في جهوده للتقليل من الوباء.

صورة الفوضى

واعتمد الرئيس على وزارة العدل لمساعدة حلفائه، والتحقيق بشأن خصومه السياسيين. وابتداءً من شهر يوليو، قام مدير إدارة البريد، لويس ديجوي، بتنفيذ تغييرات كاسحة، أدت إلى إبطاء التسليم تماماً، بينما كان الملايين من الناخبين يدلون بأصواتهم عبر البريد. واستخدم ترامب قوات فيدرالية لإخلاء ساحة «لافاييت»، في واشنطن العاصمة، من المتظاهرين، ومواجهة الاحتجاجات في بورتلاند، والانتشار في مدن «يديرها الديمقراطيون»، لرسم صورة للفوضى. ويقول رئيس الأركان السابق في وزارة الأمن الداخلي، مايلز تايلور: «أراد ترامب بانتظام استخدام سلطات إنفاذ القانون لدينا بطريقة اعتقد أنها ستكون مفيدة له سياسياً، وتضر بشكل خاص الولايات والمدن الزرقاء». وكان تايلور قد كتب مقال رأي في «نيويورك تايمز»، دون الكشف عن هويته في 2018، انتقد فيه قيادة ترامب.

وفي مقر حملته الانتخابية يوم الانتخابات، قال ترامب: «الخسارة ليست سهلة أبداً»، متابعاً: «ليست سهلة بالنسبة لي، إنها ليست كذلك». وبالنسبة لرجل يتوق إلى المديح قبل كل شيء، فإن كونه أول رئيس، منذ نحو 30 عاماً، تتم تنحيته جانباً، بعد فترة ولاية واحدة، هو بالتأكيد ضربة قوية. لكن البلد الذي يعاني الجراح، يواجه الآن التحدي المتمثل في كيفية الشفاء.

فرصة ضائعة

أتاح وباء «كورونا» لترامب فرصة لفعل شيء تريده الولايات المتحدة، على عكس اثنتين من أكبر نقاط ضعف سياسته. ومحاولات ترامب لإلغاء قانون الرعاية بأسعار معقولة، أولاً من خلال الكونغرس، وحالياً من خلال المحاكم، لا تحظى بشعبية. وكذلك كان تخفيضه الضريبي، الذي أفاد الأغنياء بشكل غير متناسب. لكن خلال استجابته لـ«كورونا»، كان بإمكان الرئيس التركيز على الرعاية الصحية والتحفيز، وإظهار أجندة تستجيب للأميركيين العاملين. وبدلاً من ذلك، ألقى الفيروس الضوء على أوجه القصور في سياساته المحافظة. فقد أظهر القليل من الاهتمام بتمرير حزمة التعافي، خلال الصيف والخريف. وقبل أسابيع من الانتخابات، اعترف بأنه ليس لديه أي خطة بديلة، في حال أسقطت المحاكم «أوباما كير» للرعاية الصحية. باختصار، فإن أفعاله، خلال الجائحة، لم تسترد الناخبين الذين فقدهم، خلال السنوات الثلاث السابقة، وربما خسر أكثر.

طباعة