بعد أن خرجت مهزومة من تلك البلاد في الماضي

روسيا تسعى إلى الفوز على أميركا في أفغانستان.. هذه المرة

روسيا رعت مفاوضات الفرقاء الأفغان في موسكو نظراً لما تحظى به من نفوذ لدى حركة «طالبان». أ.ف.ب

يسعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لاستنساخ نجاحه في سورية على مسرح صراع جديد هو أفغانستان، كجزء من خطته لمواجهة الوجود الأميركي في العالم. فقد كشفت تقارير عن صحيفة «نيويورك تايمز» ووسائل إعلام أخرى، أن مسؤولي الاستخبارات الأميركية يعتقدون أن وحدة مخابرات عسكرية روسية عرضت مكافآت سرية لـ«طالبان»، من أجل قتل القوات الأميركية، وقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أفغانستان، ما يجدد مخاوف عميقة بشأن جدول أعمال شرير، تنتهجه موسكو في أفغانستان لزعزعة استقرار الغرب.

ويعتبر توقيت الكشف - تم إبلاغ نتائجه للرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر فبراير - مهماً للغاية، لأنه تزامن مع توقيع اتفاق السلام بين الولايات المتحدة و«طالبان» في نهاية فبراير. ومن المحتمل أن تكون تعاملات «طالبان» الغامضة مع روسيا تتم أثناء تفاوضها مع الولايات المتحدة طوال عامي 2019 و2020، ما يشكك في التزام الجماعة المتمردة بأي اتفاق سلام.

وينص الاتفاق على انسحاب تدريجي لقوات «الناتو»، مع سحب الولايات المتحدة 5000 من قواتها البالغ قوامها 13 ألف جندي، خلال الأشهر القليلة المقبلة. وفي المقابل، تقر «طالبان» بعدم السماح للإرهابيين باستخدام الأراضي الأفغانية. لكن العوائق التي تحول دون تحقيق السلام شائكة للغاية ومتعددة، بحيث تبدو فرص إبرام صفقة ضئيلة جداً. وذكر تقرير للأمم المتحدة أن «طالبان» احتفظت بصلات وثيقة بالقاعدة، وظلت تطلب مشورتها خلال المفاوضات مع المسؤولين الأميركيين. واتهمت الحكومة الأفغانية «شبكة حقاني»، أكبر فصيل في حركة «طالبان»، بالتعاون مع أحد عناصر تنظيم «داعش»، لتنفيذ العديد من الهجمات في أفغانستان عام 2020.

نقطة

هناك نقطة في خضم محادثات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة، تجاهلها معظم المراقبين الأفغان، تتمثل في دور روسيا، التي أيدت بحماس الاتفاقية. وجنباً إلى جنب مع باكستان، تقف روسيا كواحد من أكبر المستفيدين من أي انسحاب للناتو من أفغانستان. وعلى مدى السنوات العديدة الماضية، ظلت روسيا تعمل بهدوء في الخلفية لتعزيز علاقاتها مع «طالبان»، بهدف توسيع مصالحها الاستراتيجية في هذه البلاد، بعد إخفاقات الاتحاد السوفييتي في أفغانستان خلال الثمانينات. وبمجرد أن يغادر «الناتو» والقوات الأميركية هذه البلاد، ستتاح لروسيا مرة أخرى فرصة التدخل، لهذا ليس مفاجئاً أن تلجأ موسكو إلى هذا التخطيط مع «طالبان».

في 15 فبراير 1989، انسحبت آخر فرقة عسكرية سوفييتية خاضت حرباً استمرت 10 سنوات في أفغانستان، بعد خسارة أكثر من 13 ألف جندي في ذلك الصراع. وفي وقت لاحق من ذلك العام، أصدر مجلس نواب الشعب قراراً شجب فيه الحرب، وتطور الإجماع الروسي على مدى عقود ليؤكد أن احتلال أفغانستان والحرب خطأ باهظ الثمن.

لكن خلال ولاية بوتين الثالثة كرئيس للبلاد، بدأت الحكومة الروسية تعيد تقييم التدخل، وتنظر إليه على أنه كان تدخلاً يقع في حدود القانون الدولي، ولمصلحة الاتحاد السوفييتي. وبينما ظل بوتين ينتقد تجاوزات الماضي السوفييتي، شرع في إضفاء الشرعية على الدولة القوية، وقوات الأمن التي تم إنشاؤها خلال الحقبة السوفييتية. ويعتبر تركيز بوتين على أفغانستان جانباً أساسياً في كيفية سعي روسيا لإعادة تقييم ماضيها، مع تعزيز مصالحها الاستراتيجية المستقبلية، وهو ما يتضح من خلال دعمه لسورية، وبهذه الطريقة يعيد الكرملين كتابة التاريخ، وتبرير التدخل بأثر رجعي في الخارج، وينظر إليه على أنه استعادة لمكانته كقوة عالمية.

مخاوف أمنية

ربما تدخل بوتين في سورية بسبب مخاوف أمنية مشروعة، وعقد صداقة مع نظام الرئيس بشار الأسد، ورأى أن الفرصة متاحة أمامه لمواجهة المصالح الأميركية. وتمكنت روسيا من أن تتجنب التصور الذي يعكس أن توغلها في سورية كان مشابهاً للتجربة السوفييتية الأفغانية. وتستخدم روسيا، الآن، تجربتها الناجحة هذه للاستفادة من مصالحها في أفغانستان، ويعتبر تركيز بوتين على أفغانستان جانباً أساسياً في كيفية سعي روسيا إلى إعادة تقييم ماضيها، مع تعزيز مصالحها الاستراتيجية المستقبلية.

ويعتبر عام 2014 علامة فارقة في التحول بالسياسة الخارجية الروسية، بعد أن تحرك الكرملين للمشاركة بشكل أكثر مركزية في الشؤون الأفغانية، ولعبت موسكو دور صانع السلام، لكن أكثر ما يثير القلق، من وجهة نظر واشنطن، هو تمويل موسكو «للمتمردين الإرهابيين». وعلى المستوى الظاهر، زادت روسيا وجودها في أفغانستان، تحت مبرر التهديد الذي تشكله ما تسمى «دولة خراسان».

واعترف الكرملين بعلاقته الاستراتيجية مع «طالبان» عام 2015، عندما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا تشارك المعلومات الاستخباراتية مع «طالبان»، في ما يتعلق بـ«دولة خراسان». ومع ذلك، فإن هذا مجرد عامل واحد في قرارها إعادة التدخل في أفغانستان.

وفي خطوة مفاجئة، عقب الاتفاق بين الولايات المتحدة و«طالبان» في الدوحة، أصدرت الولايات المتحدة وروسيا بياناً مشتركاً حول قضايا مقبولة للطرفين تتعلق بأفغانستان. واتفق الجانبان على أن المجتمع الدولي لن يعترف بما يسمى إمارة أفغانستان الإسلامية، كما تفضل «طالبان» أن تسمى أفغانستان. ومع ذلك، فإن تفاعلات روسيا السابقة مع «طالبان» تشير إلى قصة مختلفة، خصوصاً أن موسكو تعامل المجموعة بالكثير من الاحترام والمغازلة، مثل ممثلي دولة معترف بها.

ومثلما فعلت خلال الحرب الباردة، حددت روسيا مرة أخرى أفغانستان كمسرح لتحدي الولايات المتحدة. وعلى مستوى العلاقات الخارجية والمستويات الأمنية، نجد أن الأنشطة الروسية في أفغانستان مصممة لمواجهة النفوذ الأميركي. وأحد أهم الدروس التي تعلمها صانعو السياسة الروس من التجربة السوفييتية في أفغانستان، هو الامتناع عن استمالة حلفاء محليين، والسعي بدلاً من ذلك إلى تحفيز الشركاء، حيثما تتقاطع المصالح المشتركة، ومثالاً على ذلك علاقة موسكو مع «طالبان».

وبينما تقوم أجهزة المخابرات الروسية بتهريب الأسلحة والموارد إلى «طالبان»، تواصل الحكومة الروسية تقديم نفسها كبديل مناسب للولايات المتحدة، من حيث التوجيه السياسي والمساعدة لأفغانستان. وحققت روسيا فوائد قصيرة المدى، من خلال تقديم نفسها على أنها تقف إلى جانب حلفائها، مثل «طالبان»، وفي الوقت نفسه، تشجب الولايات المتحدة كحليف غير جدير بالثقة، سيتخلى عن أصدقائه في يوم من الأيام.

وفي مايو 2019، دعت إدارة بوتين كبار أعضاء الحكومة الأفغانية، وحركة طالبان، إلى موسكو للاحتفال بما سمته «100 عام من الصداقة الروسية الأفغانية». وفي هذا الاجتماع، دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى «انسحاب كامل للقوات الأجنبية» من أفغانستان. ومن المفارقات أن روسيا تدعو باستمرار إلى إنهاء وجود القوات الأجنبية في أفغانستان، رغم الحفاظ على وجودها بالمنطقة. وهذا يعني أن روسيا تنشئ علاقة دبلوماسية وعسكرية مع «طالبان»، لمواجهة الولايات المتحدة.


أنشطة أكثر عمقاً

فيما يؤكد الكرملين أن علاقته مع «طالبان» تقتصر فقط على محاربة ما تسمى «دولة خراسان» والمصالحة داخل أفغانستان، فإن أنشطته أعمق بكثير، واهتمت روسيا بتمويل وتسليح «طالبان»، وتم اكتشاف أجهزة قنص روسية للرؤية الليلية تستخدمها «طالبان». وفي عام 2017، كشف قائد بعثة الدعم، التي يقودها «الناتو» في أفغانستان، الجنرال جون نيكلسون، في جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ عن أن روسيا تمول «طالبان» بنشاط. وفي عام 2018، صرح نيكلسون بقوله: «لقد جلب لنا القادة الأفغان أسلحة إلى مقرنا، وقالوا لنا إن الروس أعطوها لـ(طالبان)».

هناك، أيضاً، أدلة على أن روسيا أقامت شبكات إمداد لنقل الأسلحة عبر الحدود بين إيران وأفغانستان. ففي عام 2017، تعاونت إيران مع روسيا، لإنشاء معسكرات تدريب لمقاتلي «طالبان» في إيران. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو التقارير التي تفيد بأن روسيا ترسل موارد إلى أفغانستان لبيعها، وتقديم عائدها للحركة. ويشمل ذلك شحن ناقلات الوقود من أوزبكستان، عبر معبر حيراتان الحدودي، حيث يتم تسليمها إلى شركات تعمل كواجهة لـ«طالبان»، التي تبيع الوقود بقيمة 2.5 مليون دولار شهرياً. وتوزع «طالبان» الأموال مباشرة على قادتها، لاستخدامها في شن هجمات ضد الحكومة والقوات والمدنيين الأفغان.

بينما ظل بوتين ينتقد تجاوزات الماضي السوفييتي، شرع في إضفاء الشرعية على الدولة القوية، وقوات الأمن التي تم إنشاؤها خلال الحقبة السوفييتية. ويعتبر تركيز بوتين على أفغانستان جانباً أساسياً في كيفية سعي روسيا لإعادة تقييم ماضيها، مع تعزيز مصالحها الاستراتيجية المستقبلية.

طباعة