المستشارة الألمانية أكدت أهمية «صندوق الإنعاش» لاقتصاد أوروبا

ميركل: العالم يشعر بأن الولايات المتحدة تتخلى عن دورها القيادي

صورة

حذرت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، من أن العالم بدأ يشعر بأن الولايات المتحدة لا تطمح إلى لعب دور قيادي في العالم، وأنها تريد تعديل أولوياتها وفقاً لذلك، وأكدت المستشارة الألمانية، في مقابلة مع مجموعة من ست صحف أوروبية، بما في ذلك «الغارديان»، أن العالم ظل «يعيش مع مفهوم مسلّم به يتمثل في أن الولايات المتحدة تريد البقاء كقوة عالمية، فإذا رغبت عن لعب هذا الدور بإرادتها الحرة، علينا أن نفكر في ذلك ملياً».

ميركل، أول زعيم ألماني نشأ على الجانب الشرقي من الستار الحديدي، تتحدث مراراً وتكراراً عن إعجابها بالتأثير العالمي للولايات المتحدة، وعندما تحدثت أمام الكونغرس عام 2009، أبدت تخوفها من «هدية الحرية المذهلة» التي تلقاها الألمان الشرقيون بعد إسقاط حائط برلين بدعم من الولايات المتحدة. لكن حتى خلال رئاسة الرئيس السابق، باراك أوباما، شاهدت ميركل حكومتها مراراً وتكراراً أن الحكومة الألمانية تتعرض للتوبيخ من قبل الولايات المتحدة بسبب تدني إنفاقها العسكري، إضافة إلى الانتقادات ضدها التي اشتدت في عهد دونالد ترامب، الذي أكد أخيراً، خططه لسحب 9500 جندي أميركي من القواعد في ألمانيا.

وتقول ميركل في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» البريطانية، و«سودويتشه تسايتونج» الألمانية، و«لوموند» الفرنسية، و«لافانجارديا» الإسبانية، و«لاستامبا» الإيطالية، و«بوليتيكا» البولندية، إن الوجود العسكري الأميركي في وسط أوروبا في مصلحة الولايات المتحدة، و«إن القوات الأميركية في ألمانيا لا تساعد فقط في حماية ألمانيا والجزء الأوروبي من (الناتو)، لكنها تحافظ أيضاً على مصالح الولايات المتحدة الأميركية».

وفي حديثها عن الإنفاق العسكري الألماني، قالت ميركل: «نحن في ألمانيا نعلم أنه يتعين علينا إنفاق المزيد على الدفاع، لقد حققنا زيادات كبيرة في السنوات الأخيرة، وسنستمر في هذا الطريق لتعزيز قدراتنا العسكرية»، لكن «التفكير بتعمق شديد» بالنسبة لميركل لا يبدو أنه يرقى إلى مستوى تأييد ما وصفه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بـ«الحكم الذاتي الاستراتيجي»، وهو القدرة على الدفاع عن القارة من دون الاعتماد على الولايات المتحدة.

الحكم الذاتي الأوروبي

تقول ميركل في مقابلتها: «انظروا إلى العالم وانظروا إلى الصين أو الهند، هناك أسباب مقنعة للبقاء ملتزمين بالدفاع عبر الأطلسي وداخل مظلتنا النووية المشتركة، لكن بالطبع تحتاج أوروبا إلى تحمل عبء أكبر مما كان عليها خلال الحرب الباردة»، وتمضي قائلة «لقد نشأنا بمفهوم معين، أن الولايات المتحدة تطمح إلى أن تكون قوة عالمية، فإذا رغبت عن لعب هذا الدور بإرادتها الحرة علينا أن نفكر في ذلك ملياً» وعندما سئلت عما إذا كانت ألمانيا قللت من التهديد الذي تشكله روسيا، اعترفت ميركل بنمط من السلوك العدواني الذي تقدم عليه روسيا، مستشهدة بـ«حملات التضليل»، وقتل المنفى الشيشاني، زليمخان خانجشفيلي، في برلين، حيث تتهم النيابة الألمانية موسكو بأنها أمرت بتنفيذ هذه التصفية. وقالت المستشارة: «حادث القتل بمتنزه تيرغارتن في برلين، خطير، من الواضح أن الأمر برمته تتحقق منه الآن المحكمة»، «على أي حال، نعترف بالحرب الهجينة وأساليب زعزعة الاستقرار، على أنهما نمط من أنماط السلوك الروسي».

من ناحية أخرى، ترى أن هناك أسباباً جيدة لمواصلة الحوار البناء مع روسيا، في ما يتعلق بدول مثل سورية وليبيا، ودول الجوار المباشر لأوروبا، نظراً إلى نفوذ روسيا الاستراتيجي الكبير.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

وفي سؤال عما اذا كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة في نهاية العام، يشكل هزيمة شخصية لميركل أجابت بالنفي: «لأنه سيكون بالطبع من مصلحة بريطانيا وجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن ترحل بريطانيا بشكل منظم، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كان هذا ما يريده الجانبان، ولا يهم ما نرغب فيه نحن بل ما ترغب فيه بريطانيا بالفعل»، وتقول إن على الحكومة البريطانية أن تحدد لنفسها العلاقة التي ستقيمها معنا بعد مغادرتها الاتحاد، وسيتعين عليها بعد ذلك أن تتعايش مع عواقب ذلك بالطبع، أي مع اقتصاد أقل ارتباطاً مع أوروبا، وإذا كانت بريطانيا لا تريد أن تكون لديها قواعد بشأن البيئة وسوق العمل، أو المعايير الاجتماعية مثل تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي، فإن «علاقاتنا ستكون أقل تقارباً، وهذا يعني أنها لا تريد أن تستمر بمعايير التطور نفسها المتوازية مع الاتحاد الأوروبي»، وتختتم حديثها بالقول: «نحن بحاجة إلى التخلي عن فكرة أن علينا أن نحدد ما تريده بريطانيا، بل على بريطانيا أن تحدد ما تريده، ونحن في الاتحاد الأوروبي سنرد بشكل مناسب».

«كورونا» وصندوق الإنعاش

وفي سؤال عن «صندوق الإنعاش» الذي اقترحته ميركل لتلافي النتائج السلبية لأزمة وباء «كورونا»، وأن اقتراحها يعد تنازلاً كبيراً لدول الجنوب، ردت قائلة: «لا أجد من المفيد التحدث عن دول الشمال ودول الجنوب وأوروبا الشرقية، لأن هذه رؤية للأشياء بالأبيض والأسود»، وتضيف: «أتوقع أن يضع كل منا دائماً نفسه في مكان الشخص الآخر، وأن يفكر في المشكلات من وجهة نظر الآخر».

وتقول إن في أزمة بهذا الحجم من المتوقع من كل عضو أن يفعل ما يتعين عليه القيام به، ما يجب القيام به في هذه الحالة شيء غير عادي، ألمانيا لديها نسبة ديون منخفضة ويمكنها، في هذه الحالة الاستثنائية، تحمل المزيد من الديون، من المهم جداً بالنسبة لنا أيضاً إبقاء البرنامج ضمن حدود المعاهدات الأوروبية، «وكل هذا يصب في مصلحتنا أيضاً بالطبع، ومن مصلحة ألمانيا أن تكون لها سوق داخلية قوية، وأن يقترب الاتحاد الأوروبي من بعضه، لا أن ينهار كما هي الحال دائماً، ما هو جيد لأوروبا جيد لنا نحن أيضاً».

لكنها تستدرك أن صندوق الإنعاش لا يستطيع حل جميع مشكلات أوروبا. لكن عدم وجوده سيجعل جميع مشكلات الاتحاد الأوروبي أسوأ، ويمكن للوضع الاقتصادي في أوروبا أن يؤثر في أشياء كثيرة، يمكن أن تصبح معدلات البطالة مرتفعة للغاية في بلد ما، وقابلة للانفجار سياسياً في بلد آخر، وبالتالي يتزايد التهديد على الديمقراطية، ولكي تعيش أوروبا يحتاج اقتصادها إلى البقاء.

وفي سؤال عما إذا كان صندوق الإنعاش سيشعل تحركاً نحو (الولايات المتحدة الأوروبية) قالت: «أعتبر هذا الصندوق رداً فريداً من نوعه على موقف فريد، فإذا أردنا تغيير الجوانب الأساسية للطريقة التي تُدار بها ميزانية الاتحاد الأوروبي، أو على سبيل المثال منح الاتحاد الحق في زيادة الضرائب، فسنضطر إلى تعديل المعاهدات، وهذا من شأنه أن يغير التوازن الثابت بين الكفاءة والرقابة»، وتضيف: «أنا متأكدة من أن هذا ستتم مناقشته في السنوات المقبلة، لكن يجب أن نناقشه بحذر، وفي الوضع الحالي لا يمكننا الانتظار حتى يتم تعديل المعاهدات، علينا أن نستجيب بسرعة للوباء»، وهذا الصندوق يقدم الحل.


الشراكة مع الصين

في سؤال عما إذا كان سعى الرئاسة الأوروبية لإيجاد استراتيجية مشتركة للتعامل مع الصين لايزال قائماً، قالت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، إنه بسبب الوباء «لا يمكننا عقد القمة مع الصين، في سبتمبر، كما كان مخططاً لها، لكننا نعتزم عقدها لاحقاً»، مؤكدة أن الهدف من ذلك هو تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين، وأضافت: «نحن نتشارك مصالح، مثل التعاون في العمل المناخي، ونتفاوض في اتفاقية استثمار، لكننا لم نمضِ قدماً في ذلك، حيث إن علينا أن نناقش أولاً سياساتنا التنموية في إفريقيا، حيث تتبع الصين مساراً مختلفاً في بعض المجالات».

وقالت إنه في الوقت نفسه، تضطر هذه القمة الاتحاد الأوروبي إلى تطوير موقف مشترك تجاه الصين، وهذه ليست مهمة سهلة، «يجب أن نطور سياسة تعكس مصالحنا وقيمنا، وفوق كل شيء، احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وتقف مخاوفنا بشأن مستقبل هونغ كونغ بيننا وبين الصين ونتعامل معها علنا».

طباعة