ميزانية الدفاع 700 مليار دولار.. وهي في تصاعد مستمر

إنفاق التريليونات على الدفاع جعل أميركا غير مستعدة للكوارث

صورة

تبلغ ميزانية الدفاع في الولايات المتحدة 700 مليار دولار، وهي في تصاعد مستمر، إذ اشترى الجيش، أخيراً، طائرات متطورة جداً هي «إف 35»، التي يبلغ ثمن الواحدة منها 100 مليون دولار. وهي معروفة بلقب «طائرة الضربة المشتركة»، ويعتبر برنامج طائرة «إف 35» الأعلى ثمناً في البنتاغون حتى الآن، ويمكن أن يكلف هذا البرنامج نحو تريليون دولار طيلة فترة وجوده. وهناك أيضاً أحدث حاملات الطائرات التي تعاني مشكلات في المراحيض، الأمر الذي يتطلب نوعية «خاصة من الأسيد» لتصريف المياه العادمة، وبالطبع فإن ذلك يكلف مبالغ طائلة.

ولنتخيل لو أن كل هذه الأموال تم إنفاقها على تصنيع أجهزة التنفس الاصطناعي، وجهود وقف الأوبئة قبل انتشارها. وخلال الحرب على فيروس كورونا قام الجيش الأميركي بدور أساسي في التعامل مع الوباء، حيث أرسل السفن لمساعدة المستشفيات المكتظة بالمرضى في مدينتي نيويورك، ولوس أنجلوس، وقدموا الملايين من الكمامات التي كانت موجودة في مستودعاته للعاملين بالمستشفيات، كما أنه عمل على تطوير لقاح كورونا.

تدريب على الحرب

لكن الجيش الأميركي مجهز ومدرب للحرب وليس بالضرورة لإنقاذ الأرواح. وعلى سبيل المثال، فإن تلك المستشفيات (السفن) التي قدمها الجيش كانت معدة لمعالجة جرحى المعارك، الأمر الذي جعلها غير جاهزة تماماً لاحتواء مرضى كورونا. وانتقد الخبراء استجابة الجيش لفيروس كورونا، واعتبروها بطيئة، حيث وصلت أجهزة التنفس الاصطناعي والكمامات متأخرة كثيراً.

الملاذ الأخير

وعلى الرغم من أن الجيش قدم أفضل ما لديه، فإنه ليس الأداة المثلى للتعامل مع أزمة صحية عامة، إذ إن هذا العمل مناسب أكثر لمراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، والمنظمات المحلية الطبية في الولايات. وقال وزير الدفاع، مارك إسبر، لوكالة اسوشييتد بريس، في شهر مارس الماضي: «نريد أن نكون الملاذ الأخير»، إذ إن الجيش ليس من المفروض به أن ينشغل بالقضايا الداخلية، ففي نهاية المطاف حصلت الولايات المتحدة على استقلالها من بريطانيا، نظراً للشعور بالإحباط من الوجود غير المرغوب به للجنود في الحياة اليومية للمستوطنات.

وإذا كان إنفاق الحكومة الفيدرالية عبارة عن شطيرة، فإننا نستطيع القول بأن الإنفاق على القضايا الدفاعية والعسكرية استهلك أكثر من نصف هذه الشطيرة. واستهلكت الأسلحة ذات الأسعار الباهظة معظم الإنفاق الفيدرالي منذ عقود، واستنفدت التمويل الذي كان مخصصاً لمجالات أخرى مثل الصحة العامة، وقضايا تغير المناخ. ويركز كتاب تمهيدي، صدر أخيراً، عن مؤسسة مشروع الأولويات الوطنية، الذي يرسم شكل العلاقات بين قضية التغير المناخي والجيش، على أن إنفاق تريليونات الدولارات على الدفاع قد جعل الدولة غير مستعدة للتعامل مع الصدمات الأخرى. وبالنظر إلى كميات الكربون المهولة، التي تصدر عن آليات المؤسسة العسكرية، فقد أسهمت في تغيير المناخ نحو الأسوأ.

وفي الحقيقة، إن إنفاق الحكومة الفيدرالية «التقديري» غير منتظم. إذ إن الولايات المتحدة تنفق، على سبيل المثال، من الأموال على المؤسسة العسكرية أكثر مما تنفقه الدول الـ10 التي تتلوها من حيث حجم الإنفاق العسكري. وتبدو المقارنة غير معقولة بين ميزانية البنتاغون، وهي 700 مليار دولار، وبين ما هو مخصص للإنفاق على استعدادات الدولة لمواجهة التهديدات الأخرى التي يمكن أن تواجهها، إذ إن الميزانية العسكرية أكبر بـ100 مرة من الأموال المخصصة لمواجهة الأوبئة وانتشار الأمراض. (وكان الكونغرس قد خصص نحو ثمانية مليارات دولار لمراكز الوقاية والتحكم بالأمراض عام 2020)، كما أن ميزانية الدفاع أكبر بـ270 مرة من الميزانية المخصصة لأبحاث كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وفق مشروع الأولويات الوطنية.

ولطالما تحدث البنتاغون عن مخاطر تغير المناخ منذ عقود، وبصراحة أكبر بكثير من البيت الأبيض والكونغرس، كما تقول المنسق الرئيس في مشروع الأولويات الوطنية، لورا ستيشن. لكن عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، فإن الجيش يشعر بالاهتمام بصورة رئيسة في تحسين قدرته على التعامل مع الآثار الناجمة عن تغير المناخ. ومع ارتفاع منسوب البحار وارتفاع درجات الحرارة، تعمل وزارة الدفاع على تحريك أماكن قواعدها العسكرية، وبناء جدران لمنع دخول المياه إليها، والاستحواذ على أجزاء جديدة، يمكن الوصول إليها حديثاً في المحيط الأطلسي.

وتطلق آليات وزارة الدفاع كميات مهولة من غاز الكربون. ولو أن البنتاغون دولة فإنها تطلق كميات من غاز الكربون تفوق معظم الدول، وهي تتفوق على السويد والدنمارك والبرتغال معاً. وعلى الرغم من أن الجيش الأميركي يعمل ببطء لتقليص انبعاثات الكربون منذ سنوات عدة، إلا أن انتقال القوات والطائرات المقاتلة لايزال يحرق كميات مهولة من الوقود. وهي أكبر مؤسسة حكومية من حيث انبعاثات غاز الكربون في العالم، وفق تقرير مشروع تكاليف الحرب التابع لجامعة براون، وبلغت انبعاثاتها من غاز ثاني أوكسيد الكربون نحو مليار طن متري منذ عام 2001.

وقالت ستيشن: «غالباً يتم تأطير الجيش الأميركي على أنه للمصلحة المثلى للوطن، وهي المصلحة العليا للشعب الأميركي». وأضافت: «لكن من الواضح تماماً أن العمليات العسكرية تتم لحماية المصالح الاقتصاية لصناعة النفط». وذكرت دراسات توضح أن النفط هو السبب الرئيس للحرب في شتى أنحاء العالم، وقالت إنه السبب الرئيس للخلافات الناشبة بين الدول، وهو المسؤول عن ما بين ربع أو نصف الحروب التي وقعت في العالم، خلال نصف القرن الماضي.

وبالنسبة للأشخاص الذين يرغبون في رؤية تحرك حكومي من أجل أزمة المناخ، فإن وصفها «كتهديد للأمن القومي» يبدو مغرياً بالنسبة لهم، بالنظر إلى احتمال غرق المدن وتضخم أزمة الهجرة بين الدول والاضطرابات وزيادة الأعاصير وحرائق الغابات. ويمكن النظر إلى هذا الوصف باعتباره طريقة لإعادة توجيه التمويلات المخصصة للجيش نحو أمور أفضل، إضافة إلى دفع أعضاء الكونغرس إلى النظر نحو هذه الأزمات بصورة أكثر جدية.

ولكن ستيشن، قالت إن هذا التوجه ينطوي على تكاليف خفية، وأضافت: «في الحقيقة، إن الإطار العسكري يدعو إلى البحث من أجل حلول عسكرية»، لكن المشكلة تكمن في أن الحكومة الفيدرالية تغدق مزيداً من المال على المؤسسة العسكرية، بدلاً من توجيهها للبحث عن حلول من شأنها معالجة أزمات الصحة العامة، إضافة إلى مشكلات المناخ من جذورها.

كيت يودر:  كاتبة أميركية مهتمة بالبيئة


- ميزانية الدفاع أكبر بـ270 مرة من الميزانية المخصصة لأبحاث كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وفق مشروع الأولويات الوطنية.

- على الرغم من أن الجيش قدم أفضل ما لديه، فإنه ليس الأداة المثلى للتعامل مع أزمة صحية عامة، إذ إن هذا العمل مناسب أكثر لمراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، والمنظمات المحلية الطبية في الولايات.

طباعة