عجز متوقع بـ 187 ألف طبيب خلال عقد.. وقيود تمويل التدريب تدفع واشنطن نحو الكفاءات الأجنبية

أزمة نقص الأطباء تهدد الرعاية الصحية في الولايات المتحدة

أميركا استقطبت أطباء أجانب للعمل في المناطق الريفية التي تعاني نقصاً في الخدمات. من المصدر

تتجه الولايات المتحدة بوتيرة متسارعة نحو مواجهة نقص يقدر بنحو 187 ألف طبيب خلال العقد المقبل، بينما يتركز نحو نصف هذا العجز في قطاع الرعاية الأولية، الذي يمثل خط الدفاع الأول في النظام الصحي، ويؤدي دوراً أساسياً في الوقاية من تفاقم الحالات المرضية، وتقليل حاجة المرضى إلى اللجوء لأقسام الطوارئ.

والمفارقة أن دولة تتصدر العالم في مجال الابتكار الطبي والتقنيات الصحية تجد نفسها أمام مستقبل قد يصبح فيه الحصول على موعد مع طبيب لإجراء فحص روتيني أمراً بالغ الصعوبة، أشبه بالفوز في اليانصيب.

ولسنوات طويلة، لجأت الولايات المتحدة إلى حل تقليدي يتمثل في استقدام الأطباء من الخارج لسد العجز المتزايد في كوادرها الطبية. فقد تعاملت الأنظمة الصحية الأميركية على مدى عقود مع كليات الطب في دول أخرى باعتبارها مصدراً خارجياً للكوادر البشرية، واستقطبت أطباء من الدول النامية للعمل في المناطق الريفية التي تعاني نقصاً في الخدمات، وكذلك في العيادات الواقعة داخل الأحياء الحضرية المكتظة بالسكان. غير أن الاعتماد المستمر على هذا النهج لا يمثل سياسة حكيمة، كما أنه لا يوفر حلاً مستداماً لأزمة تتزايد حدتها عاماً بعد آخر.

فجوات

ويثير التعامل مع دول الجنوب العالمي باعتبارها مجرد مصدر لتزويد المستشفيات والعيادات الأميركية بالأطباء، إشكالات استراتيجية كبيرة. فكثير من كليات الطب الأجنبية تعمل في ظل معايير سريرية تختلف بصورة ملحوظة عن تلك المعمول بها في الولايات المتحدة، كما تعاني في بعض الحالات مستويات أقل من التمويل والموارد، إلى جانب تفاوت في أنظمة الرقابة والإشراف على جودة التدريب، مقارنة بالبيئات التعليمية والطبية الصارمة التي يخضع لها الأطباء في الولايات المتحدة.

ولا يمكن معالجة هذه الفجوات الهيكلية ببساطة من خلال إجراءات بيروقراطية شكلية تهدف إلى معادلة المؤهلات أو اعتماد الشهادات، لأن مثل هذا النهج قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض معايير الجودة التي يفترض أن يقوم عليها نظام الرعاية الصحية بأكمله.

وخلال أزمات الصحة العامة التي شهدتها الولايات المتحدة في سبعينات القرن الماضي، افترض المشرعون أن تدفق الكفاءات الطبية من مختلف أنحاء العالم سيستمر بصورة دائمة، وأن الولايات المتحدة ستتمكن دائماً من الاعتماد على هذا المصدر الخارجي لسد احتياجاتها، لكن الظروف العالمية تغيرت، ولم يعد هذا الافتراض صالحاً كما كان في السابق. فجائحة عالمية واحدة، أو اندلاع صراع في دولة يعتمد عليها النظام الصحي الأميركي في استقدام الأطباء، أو حدوث تحول مفاجئ في سياسات الهجرة، يمكن أن يؤدي إلى تعطيل هذا التدفق وترك المستشفيات والعيادات الأميركية أمام نقص حاد في الكوادر.

ومن غير المنطقي أن تعتمد دولة يبلغ عدد سكانها نحو 330 مليون نسمة في قدرتها على توفير الرعاية الصحية الأساسية لمواطنيها على الظروف الدبلوماسية والسياسية السائدة في دول أخرى، أو على استعداد تلك الدول لتصدير جزء من كوادرها الطبية إلى الولايات المتحدة.

قيود فيدرالية

وتكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة لأنها - في جانب كبير منها - ليست نتيجة حتمية أو قدراً لا يمكن تغييره، وإنما هي مشكلة أسهمت في صنعها سياسات أميركية اتخذت قبل عقود. ففي عام 1997، اتخذت الحكومة الفيدرالية قراراً أدى إلى تجميد تمويل برنامج «ميديكير» المخصص للتعليم الطبي العالي، عندما وضع «قانون الميزانية المتوازنة» سقفاً لعدد مقاعد التدريب الطبي التي يمكن أن تحصل على دعم مالي من الحكومة الفيدرالية.

وأدى هذا القرار إلى تجميد جانب مهم من مسار إعداد الأطباء وتدريبهم، في وقت كان فيه عدد السكان الأميركيين يواصل الارتفاع، تزامناً مع تسارع وتيرة شيخوخة المجتمع، وبالتالي زيادة الطلب على الخدمات الطبية والرعاية الصحية. وبمرور السنوات، اتسعت الفجوة بين احتياجات السكان من الأطباء وقدرة النظام التعليمي على تخريج وتدريب أعداد كافية منهم.

وفي الوقت نفسه، يتقدم آلاف الخريجين الجامعيين الأميركيين ذوي الكفاءة العالية بطلبات للالتحاق بكليات الطب كل عام، لكن نسبة كبيرة منهم تواجه الرفض، رغم امتلاكهم المؤهلات الأكاديمية ودرجات الاختبارات المطلوبة، فضلاً عن الحافز والطموح اللازمين للعمل في المجال الطبي. ومع ذلك، يجد هؤلاء أنفسهم أمام حاجز هيكلي لا يرتبط بالضرورة بقدراتهم أو استعدادهم، وإنما يعود إلى قيود فيدرالية وضعت قبل نحو ربع قرن ولاتزال آثارها مستمرة حتى اليوم.

الحياة والموت

ومن ثم فإن معالجة أزمة نقص الأطباء تتطلب النظر إلى إعداد الكوادر الطبية، باعتباره قضية تتعلق بالحياة والموت، بالمعنى الحرفي للكلمة. فالولايات المتحدة تتعامل مع صناعات مثل الرقائق الإلكترونية والصلب وهندسة الطيران والفضاء، باعتبارها قطاعات استراتيجية وبنية تحتية وطنية لا يمكن الاعتماد فيها بصورة مفرطة على مصادر خارجية، من دون تعريض الأمن القومي لمخاطر كبيرة.

غير أن أجساد البشر وصحتهم تمثل - في الواقع - البنية التحتية الأكثر أهمية وحساسية لأي دولة. فالدولة التي لا تمتلك القدرة الكافية على علاج سكانها والحفاظ على صحتهم، تصبح بطبيعتها أكثر هشاشة وأشد تعرضاً للمخاطر في أوقات الأزمات.   جون ماك غوليون* *كاتب وباحث أميركي عن «ذا هيل»

كلفة منخفضة

تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنوياً على شركات الدفاع لشراء المعدات والأنظمة العسكرية، من دون تردد عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على قدراتها الدفاعية والأمنية. وفي المقابل، فإن تمويل نحو 20 ألف مقعد إضافي للتدريب الطبي لا يمثل سوى جزء ضئيل من كلفة برنامج واحد لإنتاج قاذفة قنابل.

• تجميد تمويل برنامج «ميديكير» المخصص للتعليم الطبي العالي أثّر في مسار إعداد الأطباء وتدريبهم.

تويتر