بعد أن وصمها بالزيف

ترامب سيضطر إلى التصالح مع الصحافة لمكافحة فيروس كورونا

صورة

احتواء فيروس كورونا يتطلب تغطية إخبارية موثوقة وحقائق من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. إلا أن إدارة ترامب قد انشغلت - حتى السنة الأخيرة من الولاية الرئاسية - بحروب أخرى تمثلت في: الضغوط غير الدستورية على الهجرة؛ واقترابها كثيراً من افتعال حرب مع إيران؛ وحبس الأطفال في أقفاص على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة؛ ناهيك عن الاشتباك مع حكومات أجنبية، سعياً لتحقيق مكاسب شخصية. لكن وصول فيروس كورونا، المرض المعدي الذي يصيب الجهاز التنفسي، هو الذي يهدد هذه الرئاسة، التي تتبنى استراتيجية تعتمد على كل الروايات، ولكن ليس على الحقيقة.

ترامب لديه قاعدة دعم أساسية، تتكون في معظمها من الأشخاص الأكثر عرضة لكورونا، وهم كبار السن - خصوصاً أولئك الذين قد يقاومون اتخاذ التدابير التدخلية المقترحة - المعرضون للخطر. وقد يضطر ترامب لوقف حملاته الانتخابية الشهيرة في منتصف موسم الانتخابات، لكن الأكثر قسوة من ذلك بالنسبة له، هو أنه سيضطر إلى بناء تحالف حسن النية مع الصحافة، إذا أراد أن يكون احتواء الفيروس ناجحاً، وذلك من أجل إطلاق رسالة موحدة ومتماسكة.

التغطية الصحافية أساسية

أظهرت الأوبئة الأخيرة، مثل إنفلونزا الخنازير، وإنفلونزا الطيور، وسارس، والتي لم يصل أيٌّ منها في درجة انتشاره إلى ما وصل إليه فيروس كورونا، أن التغطية الصحافية المتكررة والدقيقة والمعلومات، هي جزء أساسي من الاستجابة الفعالة لمكافحة المرض. وعندما ظهر سارس كأول وباء في القرن الحادي والعشرين، وجدت هونغ كونغ نفسها في حالة من الذعر بسبب تلميذ يبلغ من العمر 14 عاماً، والذي نشر شائعة زائفة مفادها أن المدينة تخضع للحجر الصحي. كان يريد أن يقلد موقع صحيفة محلية، في التكتيكات التي لاتزال تفضلها حملات التضليل الإعلامي حتى اليوم.

وعندما تعرضت فيتنام لتفشي مرض الحصبة عام 2014، أصبح المواطنون محبطين بسبب نقص المعلومات، وبدأوا في تنظيم الاحتجاجات على «فيس بوك». وفي بداية تفشي فيروس كورونا الحالي في ووهان، بالصين، عاقبت الحكومة من يبلغون عن حالات إصابة بالفيروس، واعتقلت صحافيين مواطنين حاولوا الإبلاغ عن حالات من داخل المدينة، متهمة إياهم بنشر معلومات كاذبة. ربما كان من الممكن تجنب الفيروس إذا تم تنظيم حملة صارمة في وقت مبكر لاحتوائه بشكل فعال وتقديم صورة واضحة عما يحدث. لكن إذا كانت الإدارة الأميركية لا تثق بالصحافة فكيف تدير الحكومة أزمة صحية في الوقت الذي تقنع فيه الناس بإصرار بعدم صدقية الصحافة؟ ربما تكون أميركا على وشك اكتشاف عواقب ذلك.

منذ اللحظة التي أشار فيها ترامب بإصبعه للصحافيين، الذين كانوا يغطون مؤتمره الصحافي الأول في يناير 2017، وهتف «أنت أخبار مزيفة» ظل الرئيس يشكك في صدقية الأخبار السائدة واستغنى عن البحث عن الحقيقة. الآن تزامن العام الانتخابي مع ظهور وباء سريع الانتشار لا يمكن احتواؤه إلا من خلال النقل السريع للمعلومات الموثوقة، لهذا السبب فإن الحرب التكتيكية التي شنها ترامب على وسائل الإعلام يمكن أن تلحق به ضرراً كبيراً.

تغيير السلوك

أظهرت الدراسات أن الأخبار والمعلومات الموثوقة أثناء الوباء، يمكن أن تساعد في تغيير السلوك والحد من انتشار المرض. ويمكن أن يساعد الانفتاح والدقة بين الوكالات الصحية والحكومات ووسائل الإعلام في إنقاذ الأرواح.

ومع ذلك، فإن العلاقة بين الرئاسة الأميركية والحقيقة مسمومة، حتى عندما يعلن ترامب، من خلال قناة فوكس نيوز، أن معدل الوفيات الناجمة عن المرض كان من المرجح أن يكون أقل من 3.4% من الحالات المبلغ عنها حتى الآن، وأن الصحافة قفزت على ما يعتبره محاولة لتحسين صورة وخيمة.

في أول مؤتمر صحافي له بشأن فيروس كورونا الشهر الماضي، تحدث ترامب كثيراً عن هذا الموضوع، معتبراً أن العدوى مثلها مثل الإنفلونزا، وأن الإدارة قامت «بعمل جبار»، وأنه في يوم من الأيام «سيختفي الفيروس». وبعد أسبوع، توفي 11 شخصاً، وتم تأكيد 100 حالة أخرى، وتم فرض الحجر الصحي على أكثر من 2700 شخص في نيويورك، وأعقب ذلك إغلاق المدارس بأكملها في شمال غرب المحيط الهادئ، على الأقل جزئياً بسبب عدم استعداد الحكومة.

ويتجلى عدم الكفاءة في مواجهة هذه الكارثة في عدم وجود فحص بموانئ الدخول، وعمليات حجر صحي مرتجلة للمصابين القادمين عبر البحر، ونقص في معدات الاختبار، وفريق عمل وبائي شكلته حكومة باراك أوباما، لكن تم تفكيكه من قبل ترامب.

من موقع «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها»، الذي يصعب التنقل من خلاله، وحتى المؤتمرات الصحافية المربكة، كانت استجابة وسائل الإعلام الرسمية لحكومة الولايات المتحدة سيئة للغاية. على النقيض من ذلك، فإن الإحاطات الإعلامية اليومية لمنظمة الصحة العالمية، بما في ذلك وجودها على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لديها عدد كبير من المتابعين على تطبيق «تيك توك»، توفر مصدراً مفيداً للمعلومات، كما هي الحال مع مواقع الأبحاث الجامعية وبعض الحكومات الإقليمية.

بالنسبة للصحافة، فإن فيروس كورونا هو اختبارها الخاص. فقد غطت سيرك الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين واستوعبت الأخبار الوطنية، وتلك المشاهد الدراماتيكية لهذا المجال الواسع والمتنوع تاريخياً، والذي يتنافس فيه رجلان مسنان من البيضك بيرني ساندرز وجو بايدن، وهما مبارزان ممتازان يتحديان رجلاً مسناً آخر من البيض هو ترامب. لكن حرارة السباق تبرد حتماً، ويصيبها الوهن عندما تصبح الرفوف خالية من البضائع وتصيب قيود السفر كلاً من الاقتصاد والسكان.

وتقع على الصحافة الوطنية الأميركية الآن مسؤولية تقديم معلومات متسقة ودقيقة، في خضم المشهد الإعلامي المتصدع، إلى العديد من الجماهير المختلفة، والتي تكون أكثر أهمية، على المستوى المحلي. وأكثر ما يهدد المشهد هو المعلومات غير الصحيحة التي يمكن أن تشكل «وباء»، والخداع والتغطية المسببة للهلع ما يزيد عبء المراسلين المسؤولين عن تصحيح وتقليص كتلة المفاهيم الخاطئة.


تقارير إخبارية

اعتمد علماء الأوبئة، تقليدياً، على التقارير الإخبارية، للمساعدة في تحديد كيفية انتشار الحالات خلال الأوبئة، ويعني هذا - في معظم الأحيان - الأخبار المحلية. المؤسسات الإخبارية، مثل «سياتل تايمز»، التي ألغت برنامج الدفع الخاص على الإنترنت لتقدم معلومات مجانية، وأسهبت في تقاريرها من مركز انتشار الفيروس في الساحل الغربي؛ لكن بالنسبة للمجتمعات الأخرى، التي يوجد فيها عدد أقل من منظمات الإبلاغ المحلية، أو لا يوجد فيها، فإن إرسال رسائل مفصلة وفي الوقت المناسب سيكون أكثر صعوبة. فيروس كورونا ليس مشكلة سياسية في حد ذاته، لكن الجانب السياسي يتمثل في التعامل مع المرض وكشف خباياه.

أظهرت الأوبئة الأخيرة، أن التغطية الصحافية المتكررة والدقيقة، هي جزء أساسي من الاستجابة الفعالة لمكافحة المرض.

قد يضطر ترامب إلى وقف حملاته الانتخابية الشهيرة، لكن الأكثر قسوة من ذلك بالنسبة له، هو أنه سيضطر إلى بناء تحالف حسن النية مع الصحافة، إذا أراد أن يكون احتواء الفيروس ناجحاً، وذلك من أجل إطلاق رسالة موحدة ومتماسكة.

يتجلى عدم الكفاءة في مواجهة هذه الكارثة في عدم وجود فحص بموانئ الدخول، وعمليات حجر صحي مرتجلة للمصابين القادمين عبر البحر، ونقص في معدات الاختبار، وفريق عمل وبائي شكلته حكومة باراك أوباما، ولكن تم تفكيكه من قبل ترامب.

3.4 %

3.4 %، كما قال ترامب معدل الوفيات الناجمة عن المرض من الحالات المبلغ عنها حتى الآن.

طباعة