بعد المعاملة الوحشية للّاجئين ومقتل رضيع منهم

الأخلاق الأوروبية تخضع لاختبار على شواطئ اليونان

صورة

خلال الأسبوع الماضي شهدت حدود اليونان الشمالية مع تركيا والحدود التركية البلغارية مشاهد عنيفة ووحشية تذكّر بمناطق الحرب. وكان الآلاف من اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل الهاربين من مناطق الحرب، بمن فيهم الأمهات اللواتي يحملن أطفالهن على أذرعهن، يحاولون اقتحام الحدود المحمية بالأشرطة الشائكة من أجل العبور إلى دول الاتحاد الأوروبي لتقديم طلبات اللجوء السياسي، في حين أن قوات الأمن اليونانية التي ترتدي ملابس مكافحة الشغب كانت تقوم بضربهم لإبعادهم وإطلاق الرصاص المطاطي، إضافة الى القنابل المسيلة للدموع عليهم. وفي معظم الجزر الواقعة في شرق اليونان، مثل ليسبوس، كان حرس السواحل اليونانيون وقوات البحرية يبعدون الزوارق الصغيرة التي تحمل بعض اللاجئين المرعوبين وشبه المتجمدين من البرد. وتم اعتقال نحو 32 ألف لاجئ على الحدود اليونانية.

إيقاف طلبات اللجوء

وأوقفت اليونان طلبات اللجوء لمدة شهر وتقوم بطرد جميع اللاجئين الذين يحاولون الدخول الى اليونان «بصورة غير شرعية»، على الرغم من أن وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قالت إنه ليس هناك أي سند قانوني لوقف قرارات اللجوء. وذكرت التقارير أن اثنين من اللاجئين لقيا حتفهما حتى الآن، أحدهما طفل لقي مصرعه لدى انقلاب القارب الذي كان موجوداً فيه. ولم يقدم رئيس الحكومة اليونانية كيرياكوس ميتسوتاكيس أي اعتذار على هذه المعاملة التي يتعرض لها اللاجئين. وقال متحدث باسم الحكومة اليونانية في الأول من مارس: «نحن نحمي حدودنا التي هي حدود الاتحاد الأوروبي». وأثنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير ليين، بينما كانت في زيارة لليونان يوم الأربعاء الماضي، لتظهر تضامنها مع حكومة أثينا، على دور اليونان «كدرع لأوروبا» ووعدت بتقديم 700 مليون يورو (780 مليون دولار) كدعم لليونان لحفاظها على أمن الحدود. وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي، ديفيد ماكليستر: «ينبغي عدم تكرار ما حدث في عام 2015»، مشيراً إلى تدفق 1.3 مليون طالب لجوء إلى الاتحاد الأوروبي في ذلك العام.

صحة الاستنتاج

والاتحاد الأوروبي محق في استنتاجه أن ما حدث عام 2015 يجري الآن على الحدود اليونانية. وخلال أزمة سابقة، قررت أوروبا أن تفوز بسمعة مدى دعمها للعمل الانساني، على الرغم من صعوبة ذلك، في أعين العالم، وفي الوقت ذاته كسب الوقت من أجل معالجة الأسباب الاصلية لهذه الهجرة الجماعية من الشرق الأوسط، ولكنها خسرت في الطرفين.

وبالتأكيد، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليس له أي عذر في محاولاته الوحشية لابتزاز الاتحاد الأوروبي. ولقد استفاد من تهديداته العبثية لفتح الحدود التركية للاجئين الهاربين نحو أوروبا الغربية، إذا لم تتلقَّ تركيا دعماً عسكرياً من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في عملياته العسكرية في سورية. وطالب أيضاً بمزيد من الأموال من أجل مخيمات اللاجئين الذين وافقت تركيا على استضافتهم كجزء من اتفاقية عام 2016، التي وقّعها أردوغان مع الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط.

رفض الخضوع

ومن المفهوم أن «الناتو» رفض الخضوع لمطالب أردوغان. ولكن الأمر المحير أن الاتحاد الأوروبي لم يكن مستعداً لتجدد أزمة اللاجئين، والآن يجد نفسه يلجأ الى استخدام القوة لإبعاد اللاجئين عن الحدود. ومنذ بداية اتفاق 2016 مع تركيا كان من الواضح أنه ليس حلاً على المدى البعيد، وانما مناورة لكسب الوقت بهدف صياغة سياسة لجوء مشتركة في الاتحاد الأوروبي.

ووعدت اتفاقية 2016 التي وضعتها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، بتقديم مساعدة الى تركيا قدرها ستة مليارات يورو، لكونها تتحمل اللاجئين، كما تم تسريع مفاوضات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وسفر الأتراك الى أوروبا من دون تأشيرة دخول بعد تحقيق شروط عدة، واستمرار التقدم في الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

ونجح الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في مارس 2016 في خفض كبير لأعداد اللاجئين الذين يقدمون طلبات اللجوء الى دول الاتحاد الأوروبي. ووصل نحو مليون لاجئ الى أوروبا عام 2015، ولكن في عام 2017 انخفض هذا الرقم الى 200 ألف، ومن ثم الى 150 ألفاً في عام 2018.

ولكن أوروبا لم تلتزم بالاتفاقية حتى نهايتها. وفي العديد من الحالات كان يتعين على ميركل أن تدرك أنها بالغت في وعودها. ولم يخفف الاتحاد الأوروبي قيود التأشيرة على الأتراك، في حين أن المساعدات المقدمة إلى مخيمات اللاجئين في تركيا كانت دائماً محل خلاف. وأصر الاتحاد الأوروبي انه نقل قسطين من أموال المساعدات بقيمة ثلاثة مليارات يورو، في حين أن أنقرة تؤكد انها لم تتلقَّ سوى نصف هذا المبلغ.

ومنذ توقيع الاتفاق فشل الاتحاد الأوروبي، بصورة شاملة، في وضع سياسة لجوء مشتركة بالنسبة له لإدارة تدفق اللاجئين على المدى البعيد، أو وضع خطط طوارئ يمكن اللجوء إليها في حالة تدفق طارئ للاجئين، كما يحدث الآن.

والأمر الواضح تماماً الآن أن الخطة الأساسية التي وضعها الاتحاد حول كيفية تقبل دوله للاجئين قد ألقيت في سلة المهملات، كما أنه ليس هناك خطة بديلة لها. ويمكن أن يلقي قادة دول الاتحاد عدم وجود مثل هذه الخطوة على دول أوروبا الوسطى التي رفضت خطة توزيع الحصص على دول الاتحاد، ولكن هذه الدول لم تكن هي الوحيدة التي رفضتها. وفي الوقت ذاته، فإن أنصار خطة الحصص يرفضون الاعتراف الآن بعدد اللاجئين الذين من المفروض أن يقبلوا بهم في بلادهم بموجب خطة الحصص. وفي ألمانيا لم يوقف المحافظون في حزب ميركل «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» غضبهم منذ عام 2017 بشأن قبول عدد اللاجئين من الاتحاد، والذي يساوي 200 ألف لاجئ سنوياً، وحول ما هو العدد الذي ستأخذه ألمانيا. وفي 2018 أنجزت ألمانيا وضع 185 ألفاً و853 وضع طالب لجوء، منهم 50% تلقوا «وضع الحماية»، وهي عادة لجوء سياسي أو حالة اللجوء المؤقت. وكتبت مجلة ديرشبيغل الألمانية «الاتحاد الأوروبي الآن يدفع ثمن عدم تفعيل سياسة لجوء أوروبية، حتى بعد سنوات من المفاوضات. لقد تركت دول الاتحاد الأوروبي اليونان وحدها أمام اللاجئين القاصدين الوصول إلى الاتحاد الأوروبي»، ولكن ما نراه الآن هو الانهيار الذي تم توقعه منذ زمن.

إدانة

دانت منظمة العفو الدولية، والكنائس الألمانية، وأحزاب اليسار الألمانية، بما فيها الحزب الاجتماعي الديمقراطي، التي تشكل جزءاً من الائتلاف الحاكم، بقوة، وقف السلطات اليونانية حق اللاجئين في تقديم طلب اللجوء في جميع حدود دول الاتحاد الأوروبي. ولكن يبدو أنه حان الوقت لاتخاذ تحركات أكثر حسماً. ويجب على دول الاتحاد الأوروبي التي ليس لها حدود مع تركيا أن تتحرك لمساعدة اليونان، عن طريق المساعدة في التعامل مع اللاجئين وليس إبعادهم عن الحدود. وفي المانيا دعا حزب الخضر الألماني المعارض، ألمانيا الى قبول 5000 امرأة، وطفل، وشيخ، من التائهين أمام الجزر اليونانية. وهذا أقل ما يمكن القيام به.

ويجب تشكيل ائتلاف واسع من الدول الأوروبية المستعدة لتخفيف الأزمة الحالية. وثمة أدلة كبيرة أن الألمان العاديين مستعدون لتقبّل تدفق جديد من اللاجئين حتى لو أن حكومتهم مترددة إزاء ذلك. وتقول منظمة «سيبروكي» التي تعمل على حماية اللاجئين إنها تتصل مع 140 بلدية ومدينة تكون جميعها مستعدة لتقبل ما بين 10 آلاف و20 ألف لاجئ. ووفق ما تقوله ليز بفلوم من «سيبروكي»، فإن المنظمة تكافح في المحاكم الألمانية منذ عام ونصف العام من أجل هذه المدن كي تقبل اللاجئين.

لقد راوغ الاتحاد الأوروبي حول قضية الهجرة وجلب لنفسه العار. والآن فإن وصول أزمة الهجرة الى شواطئه كان أمراً متوقعاً.

بول هوكينوس : صحافي مقيم في برلين


- لم يخفف الاتحاد الأوروبي قيود التأشيرة على الأتراك، في حين أن المساعدات المقدمة لمخيمات اللاجئين في تركيا كانت محل خلاف.

- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليس له أي عذر في محاولاته الوحشية لابتزاز الاتحاد الأوروبي. ولقد استفاد من تهديداته العبثية لفتح الحدود التركية للاجئين الهاربين نحو أوروبا الغربية، إذا لم تتلقَ تركيا دعماً عسكرياً من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في عملياته العسكرية في سورية.

طباعة