في حالة انسحابها من الشرق الأوسط

    سيناريوهات محتملة لمرحلة ما بعد مغادرة القوات الأميركية المنطقة

    صورة

    من غير المرجح أن يتخلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن هدفه الطويل الأمد، المتمثل في الانسحاب من الشرق الأوسط، حتى بعد أزمة مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما عواقب خروج أميركا من المنطقة؟

    أدت الأزمة التي أثارها قتل ترامب للجنرال سليماني، إلى بلورة تفكير إيران الرسمي حول مطلب واحد فقط، هو أن تحزم القوات العسكرية الأميركية عتادها الحربي، وتغلق قواعدها، وتغادر الشرق الأوسط إلى غير رجعة، الغريب في الأمر أن ترامب يبدو كأنه موافق على ذلك.

    وفي إشارة إلى الضربات الانتقامية التي تعرضت لها أهداف أميركية، الأسبوع الماضي، أعلن المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي أن «هذا العمل العسكري ليس كافياً، والمهم هو إنهاء الوجود الأميركي الفاسد». وقال الرئيس الإيراني، حسن روحاني إن الجواب الوحيد هو «طرد جميع القوات الأميركية من المنطقة»، هذا الموقف الإيراني القديم لا يختلف اختلافاً كبيراً عن وجهات نظر ترامب، على الأقل من الناحية النظرية، فقد جادل الرئيس الأميركي مراراً وتكراراً لمصلحة خفض وجود القوات الأميركية في الشرق الأوسط. الخريف الماضي اتخذ قرارات في شمال سورية جاءت بنتائج فوضوية، أزعجت الحلفاء، وأسعدت تركيا وروسيا والنظام السوري.

    لم يقترح ترامب أبداً تراجعاً شاملاً. وفي حالة إسرائيل، سعى إلى توثيق العلاقات السياسية والأمنية. ومع ذلك، واستناداً إلى خطبه وتغريداته، فإنه غير مقتنع بالحجج التقليدية التي تؤكد الأهمية الاستراتيجية الحيوية للمنطقة بالنسبة للولايات المتحدة.

    صحيح أن جزءاً من موقفه أيديولوجي، وجزءاً آخر يعبّر عن حدسه. عندما تعهد ترامب في عام 2016 بإنهاء «حروب أميركا إلى الأبد» في حملته الرئاسية، كان يشير تحديداً إلى إرث سلفيه، جورج بوش وباراك أوباما، في العراق وأفغانستان. ووصف ترامب كلتا الحملتين في العراق وأفغانستان بأنها خاطئتان، وإهدار للأرواح والأموال، وبالنسبة له فإن الأفكار الليبرالية من النوع الذي يروج له رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير، حول المجتمع الدولي باعتباره مجتمعاً واحداً، وضرورة «التدخل الإنساني»، وبناء الأمم - جميع هذه الأفكار بالنسبة لترامب أفكار جوفاء.

    ترامب مهتم بالأسواق وليس الأخلاق، إنه لا يحمل أي رؤية للخير الشامل، وليس لديه أي شعور بوجود مهمة عالمية للولايات المتحدة، بخلاف وضع أميركا في المرتبة الأولى. أثناء حديثه، الأسبوع الماضي، عن تقارب افتراضي مع إيران، ظل يركز على مجال الأعمال، وإمكانات إيران الاقتصادية غير المستغلة ومواردها الطبيعية.

    هناك أسباب أخرى تجعل الولايات المتحدة لا تفكر في الاحتفاظ بوجود عسكري لها واسع النطاق في المنطقة، ومن الأسباب التي ذكرها ترامب، الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة أصبحت في الوقت الحالي أقل اعتماداً على النفط المستورد.

    وكان الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، وضع مبدأ بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، أطلق عليه «مبدأ كارتر»، ويتمثل في أن المنطقة (ونفطها) هما محمية فعلية للولايات المتحدة. و«إن أي محاولة لقوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي، ستعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيتم صدها بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية».

    وفي الواقع، كان كارتر يستكمل وضع الولايات المتحدة بعد عام 1945، ومرحلة ما بعد بريطانيا، كقوة خارجية رائدة في الشرق الأوسط، التي نمت قوتها مع مرور الوقت. لكن تغيرت الأزمان الآن مرة أخرى، فبفضل طفرة النفط الصخري، أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام في العالم. ولم تعد خطوط الإمداد في الشرق الأوسط مهمة للغاية.

    الأولويات الجيوسياسية آخذة في التغير أيضاً، حيث تركز الولايات المتحدة في الوقت الحاضر على الصين منافساً اقتصادياً وعسكرياً، وعلى الدفاع عن مصالحها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بدلاً من التركيز على كبح جماح النفوذ الروسي، أو إصلاح الشرق الأوسط، ويعتقد ترامب أن حلفاءه في المنطقة، مثل أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأوروبيين، يجب أن يكونوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، ويسعده بيعهم أسلحة أميركية باهظة الثمن لتحقيق هذه الغاية.

    الولايات المتحدة قلقة بالتأكيد بشأن سلوك إيران، والإرهاب والتطرف. ويسعى ترامب ليكتسب سمعة طيبة من خلال التوسط في صفقة سلام في فلسطين. لكن توسع بكين العسكري، ودبلوماسيتها الخاصة بالحزام والطريق، وممرات التجارة المفتوحة في بحر الصين الجنوبي، كل ذلك يمثل أكبر اهتمامات واشنطن على المدى الطويل.

    وعلى الجانب الإيراني، فإن طلب مغادرة الأميركيين لم ينشأ ببساطة من مظالم قديمة، ترجع إلى انقلاب عام 1953 ضد رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطياً، محمد مصدق، رغم أنه يلعب دوراً في ذلك. كما أن إيران لا تريد أن تخرج الولايات المتحدة حتى تتمكن فقط من العمل في المنطقة بحرية مطلقة، رغم أنه من غير المرجح أن تتخلى عن طموحاتها وسيطاً إقليمياً قوياً. هناك اعتقاد راسخ في طهران، شائع في المناطق التي شهدت الاستعمار، هو أن الشرق الأوسط ككل سيكون أفضل حالاً إذا لم يعد مكاناً لصراع القوى الكبرى والجيوش الأجنبية والتدخلات الإمبريالية. معظم الإيرانيين المتعلمين مؤيدون بغريزتهم للغرب وليس للعرب. لكن ثأر الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد 1979 يمنع التطبيع. هناك أيضاً سبب للاعتقاد بأن دول المنطقة المتناحرة قد تحل خلافاتها بسهولة أكبر إذا لم تعد الولايات المتحدة موجودة في المنطقة، فإذا لم تعد الولايات المتحدة مدافعاً موثوقاً به عن أصدقائها، وإذا لم تعد بحاجة إلى الوجود في الشرق الأوسط، فمن المؤكد أن الوقت قد حان للمغادرة، لكن إذا انسحب الأميركيون ماذا سيحدث؟

    العراق وسورية

    الأحداث الأخيرة في العراق وسورية لا تشجع الثقة بمستقبل ما بعد أميركا، فبعد اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة قوات معارضة متباينة، لكن بعض هذه القوات كانت تضم متطرفين، ما عزز ادعاءات الرئيس السوري، بشار الأسد، بأنه يقاتل المتطرفين، واستطاع بذلك أن يقسم المقاومة. سحبت الولايات المتحدة دعمها للقوات المعارضة لمصلحة الأسد، كما رفضت التدخل مباشرة عندما تجاوز الأسد «الخط الأحمر» الذي رسمه له أوباما بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية. ومنذ ذلك الحين، سارع ترامب إلى فك الارتباط الأميركي، خصوصاً من خلال التخلي عن الحلفاء الأكراد السوريين. ولهذا السبب ملأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الفراغ، وروسيا الآن تدعم حرب الأسد من خلال قصفها إدلب بقسوة.

    في أعقاب غزو العراق عام 2003، غادرت القوات الأميركية رسمياً البلاد في عام 2011، لكن في الحقيقة لاتزال هناك آلاف عدة من جنودها، مهمتهم بشكل أساسي هي محاربة تنظيم «داعش». وبعد مقتل سليماني، طالب البرلمان العراقي جميع القوات الأميركية بالمغادرة. لكنّ هناك شكوكاً في قدرة السياسيين العراقيين وقوات الأمن العراقية على حماية دولة لايزال تنظيم «داعش» موجوداً داخلها، ويتخوف الكثير من سيناريو مرعب لما يمكن أن يحدث عندما تدير الولايات المتحدة ظهرها وتنسحب.

    إسرائيل والانسحاب الأميركي

    الانسحاب العسكري الأميركي الشامل سيكون تجربة مؤلمة لإسرائيل، وستحاول تجنبه، وهي «محاطة بالأعداء»، وعلى الرغم من قدرة إسرائيل على الدفاع عن النفس، إلا أن إضعاف رمزية الدرع الواقية لأميركا، سيكون بمثابة ضربة قد تشجع خصوم إسرائيل.

    لهذه الأسباب وغيرها، من شبه المؤكد أن أي انسحاب للقوات الأميركية من المنطقة سيكون مصحوباً بضمانات أمنية أميركية إضافية لإسرائيل، بما في ذلك معاهدة دفاع متبادل على النحو الذي اقترحه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أخيراً. وسيضمن أنصار إسرائيل في الكونغرس عدم التخلي عن البلاد. وفي الوقت نفسه قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة ضبط ظلت إسرائيل في أمسّ الحاجة إليها، بسبب حالة الجمود السياسي، ما يضعف اليمين القومي المتشدد المدعوم من ترامب، الذي يقوده نتنياهو، ويفتح الطريق أمام تحالف وسط أكثر استعداداً، على سبيل المثال، لإبرام اتفاق دولتين عادل مع الفلسطينيين.


    أفغانستان

    الصراع الذي لا نهاية له، على ما يبدو، في أفغانستان، والذي بدأ مع الغزو الأميركي بعد هجمات «القاعدة»، في سبتمبر 2001، يعد أحد أهم منغصات حياة الرئيس الأميركي دونالد ترامب السياسية. يقول ترامب إن مليارات الدولارات أهدرت من دون مبرر، في بناء دولة فوضوية وفاسدة فشلت في تحقيق الأمن أو تنظيم حكومة ديمقراطية فعالة، وتسببت في مستويات قياسية من الضحايا المدنيين.

    بدأ ترامب عام 2017 إرسال قوات إضافية، مثل سلفه باراك أوباما. وعندما لم ينجح في ذلك لجأ إلى مفاوضات سرية مع «طالبان»، انتهت بقمة سلام تعرضت للإجهاض في كامب ديفيد. كانت المشكلة الأساسية هي إصرار «طالبان» على مغادرة القوات الأميركية البلاد، قبل التوصل لوقف إطلاق النار مع الحكومة الأفغانية أو التفاوض معها. وبما أنه من غير المرجح أن تتراجع طالبان»، فمن المحتمل أن يضطر ترامب أو خليفته في النهاية إلى إصدار أمر بالانسحاب، حتى لو أدى ذلك إلى سيطرة الأصوليين. المشكلة، في مثل هذه الحالة، أن الكثير من المكاسب التي حققها الأفغان ستضيع، وأن تضحياتهم على مدى ما يقرب من 20 عاماً ستضيع سدى.

    دونالد ترامب جَادَل مراراً وتكراراً لمصلحة خفض وجود القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

    الأحداث الأخيرة في العراق وسورية لا تشجّع على الثقة بمستقبل ما بعد أميركا.

    طباعة