ضريبة «واتس أب» حطمت الحواجز

    الفساد والفقر والبطالة المرتفعة وراء الاحتجاجات الأخيرة في لبنان

    صورة

    ليست المرة الأولى التي ينزل فيها سكان بيروت وطرابلس وصور وبعلبك إلى الشوارع، ولكن احتجاجات الأيام الأخيرة هي أكبر تحرك جماهيري تشهده البلاد منذ 15 عاماً. في ما يتعلق بالاتجاه الذي يسير فيه لبنان، هناك أسئلة أكثر من الإجابات. كيف ستتعامل الحكومة اللبنانية المستقيلة في نهاية المطاف مع مطالب مواطنيها الغاضبين في الشارع؟ وكيف سيكون ردّ المحتجين على ما تفعله الحكومة؟

    الأمر الواضح هو أن الإصلاحات الاقتصادية التي وعدت بها القيادة السياسية في الـ21 من أكتوبر لم تضع حداً للاحتجاجات، ربما لأن الجمهور اللبناني لم يعد يثق بما تقوله النخب السياسية في البلاد. ودعا العديد من المواطنين الذين انضموا إلى هذه التظاهرات المناهضة للحكومة إلى الاستقالة الشاملة لمجلس الوزراء المكون من 30 عضواً، واستبداله بمجلس وزراء تكنوقراطي أقل عدداً.

    خلال كشف النقاب عن الإصلاحات، أخبر رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري الشعب اللبناني، بأن «القرارات التي اتخذناها قد لا تحقق أهدافكم، ولكن بالتأكيد تحقق ما كنت أسعى إليه لمدة عامين»، متابعاً «هذه القرارات ليست للمقايضة. لن أطلب منكم التوقف عن الاحتجاج وعن التعبير عن غضبكم. الأمر يتعلق بكم».

    يبدو أن الإصلاحات التي وعد بها رئيس الوزراء المنصرف قليلة للغاية ومتأخرة للغاية، وفي الوقت نفسه، يخشى عدد متزايد من الخبراء من الأزمة النقدية التي تلوح في الأفق في لبنان.

    القشة الأخيرة بالنسبة للكثيرين كانت على ما يبدو إعلان حكومة تصريف الأعمال في 17 أكتوبر، بأن ميزانيتها لعام 2020 ستشمل ضريبة جديدة على مكالمات الـ«واتس أب». واستجاب الناس للتظاهر على الفور، إذ خرجت حشود من الغاضبين إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم للوضع، وسرعان ما ألغت الحكومة الخطة الضريبية. ومع ذلك، بمجرد بدء الاحتجاجات، وصلت بسرعة إلى نطاق لم يشهده لبنان منذ عام 2005، وتستمر وسط ما سمته الصحف اللبنانية «ثورة واتس أب» و«الانتفاضة الضريبية».

    إهدار المال

    غضب المواطنون، أيضاً، في أعقاب كشف صحيفة «نيويورك تايمز» في الـ30 من سبتمبر الماضي، عن أنباء تفيد بأن الحريري دفع 16 مليون دولار لعارضة جنوب إفريقية، قابلها قبل سنوات. وتسبب إنفاق الكثير من المال في غضب الكثيرين بجميع أنحاء لبنان، خصوصاً أن شركاته وإمبراطوريته الإعلامية، في لبنان، لم تدفع رواتب موظفيها، في وقت تعيش فيه البلاد أزمات اقتصادية.

    غضب اللبنانيون، أيضاً، من عجز الدولة عن السيطرة على اندلاع حرائق الغابات أخيراً، إذ لم تتم صيانة معدات مكافحة الحرائق التابعة لها بشكل صحيح.

    ففي حين أن رسوم «واتس أب» المعلنة أثارت هذه التظاهرات، فإن أسباب الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة كثيرة ومتأصلة. ويمكن القول إن الفقر والبطالة المرتفعة بين الشباب، وضعف الخدمات العامة والبنية التحتية المتداعية، والنخبة الحاكمة التي لا تلتزم بسيادة القانون ليست قضايا جديدة في لبنان. لكن موجة الغضب الأخيرة تدور حول سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والأنشطة الإجرامية، لتلك النخبة التي تمتعت بمزايا كثيرة، منذ استقلال لبنان في عام 1943. وأوضح أحد اللبنانيين في منتصف العمر «لقد كان الناس بالفعل على حافة الهاوية»، متابعاً «حطمت مشكلة (واتس أب) الحواجز. الحمد لله، لقد استيقظ الناس».

    هناك عدد من الإحصاءات المروعة حول الأوضاع في لبنان تساعد في تفسير غضب المواطن. 37% من الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة عاطلون عن العمل. ووفقاً للبنك الدولي، يعيش أكثر من ربع السكان تحت خط الفقر. أكثر من نصف السكان لا تصلهم إمدادات المياه الرسمية، بينما لا تغطي شبكة الكهرباء إلا نسبة محدودة من السكان. وعلى الرغم من أن العديد من النخب الحاكمة تريد فرض المزيد من التقشف على السكان لزيادة الإيرادات، إلا أن هناك غضباً واسعاً ومعارضة لأية أفكار تضع المزيد من الأعباء الاقتصادية على ظهور الفقراء.

    نخبة محظوظة

    المحسوبية والفساد متفشيان في لبنان. من بين 180 دولة، صنفت منظمة الشفافية الدولية لمكافحة الفساد لبنان في المرتبة 138، العام الماضي. الفجوة المتسعة بين النخبة المحظوظة والأغلبية الساحقة من اللبنانيين أسهمت بشكل كبير في الاضطرابات المستمرة. هناك تفاوت كبير في الدخل والثروة. يحصل 50% من السكان على 10% فقط من الدخل القومي، بينما يحصل أغنى 1% على 25% من الدخل القومي. في هذا البلد، تحصل فئة المليارديرات على 20% من الدخل القومي، وهي نسبة أكبر من البلدان الأخرى، حيث يكون عدم المساواة في الدخل والثروة مرتفعاً. مثل الولايات المتحدة والصين، حيث تبلغ النسبة نفسها 10 و2% على التوالي.

    بالطبع، تفاقم العديد من مشكلات لبنان بسبب تدفق 1.5 مليون لاجئ سوري يمثلون حالياً ما يقرب من 25% من إجمالي السكان، فضلاً عن اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في البلاد منذ عقود، ويمثلون نحو 10% من السكان. مع هروب سريع لرأس المال، وركود اقتصادي مقلق، وتراكم الديون بشكل مخيف جعل الوضع المالي السيّئ في لبنان الحياة أكثر صعوبة على مواطنيه، خصوصاً أولئك الذين يعيشون في الطرف الأدنى من السلم الاقتصادي.

    هذه الموجة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة مهمة بسبب تنوع انتماءات المحتجين والمدى الجغرافي للتظاهرات. أولئك الموجودون في الشوارع هم مواطنون لبنانيون من جميع الهويات السياسية والمجتمعية. وما يجعل هذه الاحتجاجات فريدة بشكل خاص هو أن المتظاهرين يلومون قيادات مجتمعاتهم. من الصعب المبالغة في مغزى هذه الحقيقة، بالنظر إلى المدى الذي كان فيه الشعب اللبناني في كثير من الأحيان منقسماً سياسياً على أسس طائفية عبر التاريخ الحديث.

    ويبدو واضحاً، أنه على عكس موجة الاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة خلال ما عرف باسم «الربيع العربي» عام 2011، والتي طالب فيها اللبنانيون بتغييرات لم تصل إلى حد الثورة، فإن الدعوات التي أطلقها المواطنون هذه المرة كانت ثورية. وتنبع هذه الحماسة الثورية من الصبر الذي فقده المواطنون العاديون إزاء السياسيين، الذين يعدون باستمرار بإصلاحات فعالة، لكنهم فشلوا في تحقيقها.

    السياق الإقليمي

    لا شك أن الاضطرابات في لبنان فريدة من نوعها بالنظر إلى التاريخ المحلي والبنية السياسية والثقافية، ومع ذلك، يجب فهم هذه الاحتجاجات في سياق حركات الاحتجاج النشطة في جميع أنحاء العالم العربي الأكبر.

    مثل هذه التظاهرات تحطم بعض الفرضيات. ففكرة أن العرب غير راغبين في النزول إلى الشوارع خوفاً من عدم الاستقرار، تثبت أنها بعيدة عن الواقع في هذه المنطقة.

    أظهر المواطنون اللبنانيون والدول العربية الأخرى إحباطاً متزايداً من الركود الاقتصادي المزمن، بالإضافة إلى تفشي الفساد وسوء الإدارة من جانب النخب الحاكمة. ببساطة، لم يصبحوا على استعداد لتحملها فترة أطول.

    في حالة لبنان، حيث يرى الكثير من المواطنين مستقبلاً ميئوساً منه دون ثورة، فإن الأساليب القمعية للدولة للتعامل مع المعارضة لا تثبت فعاليتها.

    بغض النظر عن مدى استجابة الدول الإقليمية وبقية المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة وفرنسا، للأزمة في لبنان، فإن الاحتجاجات المستمرة في الشوارع تشير إلى أن البلاد مستعدة لعصر جديد. لقد حان الوقت للبنان لتجاوز طبقة سياسية أثبتت أنها غير مؤهلة وفاسدة. لم يُعد بالإمكان استخدام الخطاب الطائفي من أجل إبقاء بعض المجتمعات موالية ومتسامحة مع قادتها، لأن أعضاء جميع الطوائف انضموا إلى بعضهم بعضاً لإخبار قادتهم، «هذا يكفي».


    138

    هي مرتبة لبنان في القائمة الدولية لمكافحة الفساد من بين 180 دولة.

    لا شك أن الاضطرابات في لبنان فريدة من نوعها بالنظر إلى التاريخ المحلي والبنية السياسية والثقافية. ومع ذلك، يجب فهم هذه الاحتجاجات في سياق حركات الاحتجاج النشطة في جميع أنحاء العالم العربي الأكبر.

    20 %

    هي نصيب فئة المليارديرات من الدخل القومي، وهي نسبة أكبر من البلدان الأخرى.

    50 %

    من السكان يحصلون على 10% فقط من الدخل القومي.

    طباعة