بينهم نحو 1500 مصاب أو مريض

    3 ساعات بسجن لعناصر تنظيم «داعش» في سورية

    صورة

    داخل مهاجع مكتظة ذات إنارة خافتة، تتلاصق أجساد هزيلة بمعظمها، يتكوّر بعضها على نفسه، وتتمدد أخرى على الأرض، ويغطي زي برتقالي موحد أجساد كل هؤلاء المساجين من عناصر تنظيم «داعش»، الذين كانوا يرعبون العالم حتى أشهر قليلة خلت.

    يقبع في هذا السجن الواقع في محافظة الحسكة (شرق)، الذي تمكنت وكالة «فرانس برس» من زيارته، يوم السبت، لثلاث ساعات، 5000 مشتبه بانتمائهم للتنظيم، تحت مراقبة «قوات سورية الديمقراطية»، التي كانت رأس الحربة في هزيمته بسورية، مدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

    لا يعلم هؤلاء بما يجري خارج الجدران المحيطة بهم، بحسب ما يؤكد القيمون على السجن، الذين يطلبون عدم طرح أسئلة متعلقة بالأحداث.

    ويقول مسؤول السجن، الذي يكتفي بالتعريف عن نفسه باسم سرحات: «لا تواصل لهم مع الخارج أبداً».

    لم يعرف هؤلاء، وفق سرحات، بالهجوم التركي ضد المقاتلين الأكراد في شمال سورية، وما تبعه من متغيرات سياسية وميدانية، بينها انسحاب «قوات سورية الديمقراطية» من مناطق حدودية واسعة.

    وبالتالي، فهم لا يعرفون، على الأرجح، بمقتل زعيمهم أبوبكر البغدادي، فجر الأحد، في عملية أميركية في شمال غرب سورية.

    والمعتقلون من جنسيات مختلفة، عربية وأوروبية وآسيوية، «من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا، وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها»، بحسب ما يعدد مسؤول السجن.

    بين هؤلاء أسيب مثان (22 عاماً)، من ويلز في بريطانيا، يقول الشاب القصير والنحيل الذي قدم إلى سورية قبل خمس سنوات ليلتحق بشقيقه ناصر: «أريد أن أغادر السجن وأعود إلى بلدي وعائلتي، أريد أن أعود إلى بريطانيا».

    ويروي أن شقيقه الذي كان عمره 21 عاماً، قُتل في الموصل شمال العراق، وانتقل هو بعدها إلى الرقة في شمال سورية. ثم يضيف بشيء من الحسرة «أتمنى لو أنني فعلت شيئاً آخر، لو أنني لم آتِ». لم يرَ المعتقلون الشمس منذ أشهر. ويوضح سرحات: «يرون الشمس فقط إذا نقلناهم من الزنازين إلى المستشفى»، مضيفاً «قبل العدوان التركي كنا نجهز ساحة لهم للتريّض، وورش تأهيل، لكن كل ذلك توقف حالياً».

    هؤلاء خطرون

    يخيّم الهدوء على أروقة السجن التي تقطعها أبواب مصنوعة من قضبان حديدية خضراء، على جانبي الأروقة مهاجع المساجين المغلقة بإحكام بأبواب حديدية تتوسطها نافذة صغيرة لكل باب.

    يفتح حارس، وضع قناعاً أسود على وجهه، إحدى النوافذ. في الداخل لا يمكن حتى رؤية الأرض من شدة الاكتظاظ، رجال يرتدون كنزات زيتية اللون تحت زي برتقالي، مكدسون هنا، مستلقين أو جالسين، وبينهم جرحى كثر.

    على جدران الزنازين، علقت أكياس من الخبز، وفي زواياها أغلقت حمامات بقطع من قماش.

    وفي كل مرة تُفتح نافذة باب حديدي، يتجمع بعض من في الداخل قرب الباب، ليلقوا نظرة على الخارج، أو يمعنوا النظر في الزوار. في إحدى الزنازين يسرع أحدهم بإحضار شاب ملتحٍ نحيل وقد ارتدى حفاضاً من شدة المرض، ليراه الصحافيون.

    أمام إحدى الزنازين، يتردد أحد الحراس في الاقتراب قائلاً «هؤلاء خطرون»، في هذا المهجع حصلت إحدى محاولات الشغب، كما يقول سرحات.

    ويروي أنه قبل نحو شهر، وأثناء توزيع حراس السجن الطعام، وجدوا أحد المعتقلين ممدداً على الأرض، وقال لهم السجناء إنه مريض جداً وعلى وشك الموت، دخل الحراس لاصطحابه، فهاجمهم المساجين، وفق سرحات الذي يوضح: «سرعان ما تدخلت قواتنا وانتهى الأمر».

    في هذه الزنزانة، بقي الجميع جالساً مكانه على الأرض لدى فتح الطاقة الصغيرة، نظر أحدهم إلى الباب ثم أشاح بوجهه عنه.

    ويقول حارس، فضل عدم الكشف عن اسمه: «أحياناً يطرقون على الأبواب، ويتشاجرون كثيراً مع بعضهم على كل شيء، حتى من أجل الفرش، وأحياناً يقومون بذلك لحثنا على التدخل في محاولة للفرار».

    خلال الجولة، يطرق أحدهم بقوة أحد الأبواب، يفتح الحارس الشباك فيطلب من في الداخل المياه، بعد دقائق يطرق آخر والطلب هذه المرة أدوية.

    وتحكم عناصر التنظيم المتطرف، في وقت من الأوقات، بمصائر سبعة ملايين شخص على مساحة تفوق 240 ألف كيلومتر مربع تمتدّ بين سورية والعراق، سيطروا عليها عام 2014.

    وبثّ المسلحون الرعب في مناطق سيطرتهم، إذ فرضوا تطبيقاً متشدداً وترهيبياً لأفكارهم المتطرفة، وقاموا بقطع الرؤوس، والخطف، وسبي النساء.

    وأعلنت «قوات سورية الديمقراطية»، في مارس عام 2019، هزيمة تنظيم «داعش» في سورية، بعد أن هزمت القوات الحكومية العراقية التنظيم في العراق، وتلقى الطرفان دعماً حاسماً من تحالف دولي بقيادة واشنطن.

    ويقبع في سجون «قوات سورية الديمقراطية» حالياً 12 ألف عنصر من تنظيم «داعش»، بينهم 2500 إلى 3000 أجنبي من 54 دولة. والآلاف من هؤلاء اعتقلوا خلال المعركة الأخيرة ضد التنظيم، في بلدة الباغوز شرق سورية.

    ويطالب الأكراد الدول المعنية باستعادة مواطنيهم المحتجزين لديها، أو إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المسلحين، إلا أن أغلب الدول، خصوصاً الأوروبية، ترفض ذلك. ومع بدء الهجوم التركي، جددت «قوات سورية الديمقراطية» خشيتها من أن ينعكس انصرافها إلى التصدي له، على جهودها في ملاحقة خلايا «داعش»، وفي ضمان أمن المعتقلات. وتم تعليق الهجوم، في 23 أكتوبر، بعدما سيطرت أنقرة على منطقة حدودية واسعة.

    وتراجعت الحراسة على السجن خلال تلك الفترة، وفق سرحات، بعد إرسال العشرات من القوات إليه لدعم زملائهم عند خطوط الجبهات، ويشير إلى نقص في الأدوية التي بات إرسالها للمدنيين والعسكريين الجرحى أولوية.

    1500 مصاب ومريض

    في مستشفى السجن، وهو عبارة عن زنزانة كبيرة، يفترش أكثر من 300 مصاب ومريض الأرض.

    ويسلم الحراس فريق «فرانس برس» أقنعة طبية لوضعها للوقاية من الأمراض المنتشرة، أو الرائحة الكريهة رغم المراوح الموجودة لسحبها.

    يمكن رؤية أحدهم وقد بُترت ساقه، وآخر يتنقل على كرسي متحرك، وثالث يمشي على عكازين، بينما كثيرون ضمدت رؤوسهم أو أقدامهم أو أيديهم. وبرزت نتوء في عظام من أجسادهم.

    ينام البعض على الأسرّة القليلة المتوافرة، والأغلبية على الأرض، وإلى جانبهم صناديق أدوية صغيرة عليها شعار اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

    ويشير عبدالله نعمان (24 عاماً)، القادم من بلجيكا، إلى معدته التي يبدو الجانب الأيسر منها مضمداً بطريقة محكمة على شكل دائري، ويقول «أعضائي خارج جسدي». وقد أصيب، حسب قوله، بعدما أطلق مقاتل من التنظيم بالخطأ النار عليه في محافظة دير الزور. ويحمل نعمان إصابته منذ سنوات ولم يخضع للعلاج المناسب، ما تسبب في تدهور صحته، إلى أن بات يعاني مرض السكري، وفق قوله.

    عند نحو الساعة الثانية بعد الظهر، يضع أحدهم عكازتيه جانباً، ويقف لرفع الأذان. وسرعان ما يبدأ آخرون الصلاة، لكن من دون أن يتحركوا من أماكنهم.

    ويوضح مسؤول السجن أن بين المساجين نحو 1500 مصاب أو مريض، مشيراً إلى حالات بتر كثيرة، و50 حالة التهاب كبدي، وحالتي إيدز.

    فليعدموني

    يقبع ما يعرف بـ«أشبال التنظيم»، وهم فتيان لا يتجاوز عمر أكبرهم 16 عاماً، في زنزانة خاصة، ويتحدر هؤلاء من دول آسيوية وعربية وأجنبية.

    ويوجد معهم شخص بالغ واحد، هو طبيب في الجراحة العظمية، كان على غرار أغلب المعتقلين في السجن، من الذين بقوا إلى جانب تنظيم «داعش» حتى الأيام الأخيرة في الباغوز.

    يُخرج خالد (من قرغيزستان) رأسه من النافذة، ويدقق النظر من حوله، ويضحك مع الحارس الذي يطلب منه تنظيم زملائه، فيلتفت إليهم قائلاً «ارجعوا إلى الخلف»، وعمره، على حد قوله، تسع سنوات فقط، وقد فقد والديه.

    إلى جانبه فتى تونسي في الـ13 من العمر، يقول إن كل ما ينتظره هو أن يخرج من هنا، بعدما فقد عائلته أيضاً في القصف، ويبتسم قائلاً «بقيت وحدي».

    أما باسم عبدالعظيم (42 عاماً)، الذي يحمل الجنسية الهولندية، وهو والد لخمسة أطفال، فيفتقد زوجته التي يقول إن اسمها ماندي سبايك. خرج من الباغوز قبل ثمانية أشهر، ولا يقوى على السير على ساقه اليمنى، منذ إصابته في غارة بمدينة الرقة.

    ويقول الرجل الأسمر الملتحي من خلف قضبان زنزانة المستشفى: «أريد فقط أن أقول لها إنني آسف لأنني أتيت بها إلى مكان حرب، لم تكن تعلم، قلت لها إننا ذاهبون سياحة إلى تركيا، لا أريدها أن تعاقَب، إنه خطأي»، ويضيف «أتمنى أن أقابل زوجتي وليأخذوني من بعدها للإعدام».

    • تحكّم عناصر التنظيم المتطرف، في وقت من الأوقات، بمصائر سبعة ملايين شخص، على مساحة تفوق 240 ألف كيلومتر مربع تمتدّ بين سورية والعراق، سيطروا عليها عام 2014.

    • يطالب الأكراد الدول المعنية باستعادة مواطنيهم المحتجزين لديها، أو إنشاء محكمة دولية لمحاكمة المسلحين. إلا أن أغلب الدول، خصوصاً الأوروبية، ترفض ذلك.

    طباعة