وقود الاشتعال متاح في أكثر من دولة

    أسباب «دورة الاحتجاجات» في المنطقة العربية وفيرة

    صورة

    تتمثل إحدى أبرز القضايا الداخلية المثارة في بعض الدول العربية، في تصاعد الاحتجاجات الشعبية والإضرابات الفئوية، التي تعكس اتساع نطاق الاستياء من أداء مؤسسات الدولة وتراكم الأزمات البنيوية، واحتدام التناقضات بين المطالب المجتمعية المتصاعدة والقدرات الاستيعابية المحدودة لتلك المؤسسات، في خضم أزمات تخصيص الموارد وتوزيع المنافع الاجتماعية واستنزاف الموازنة العامة، فضلاً عن المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية جوهرية تشمل منع عودة رموز النظم السابقة، والحد من تدخلات الأطراف الخارجية في الشؤون الداخلية.

    «البيوت الخشبية»

    امتد هذا الحراك ليشمل دولاً عدة، في أقاليم جغرافية متنوعة، مثل الجزائر وتونس ولبنان والأردن والعراق، على نحو يعكس ظاهرة إقليمية متكررة، في ما يبدو، كأنها نتاج تأثيرات نظرية «الدومينو» أو النفاذية أو «كرة الثلج» أو «البيوت الخشبية». إذ إن انتشار مظاهر الاحتجاج في دولة ما قد يقود، في معظم الأحيان، إلى امتداد تداعياته إلى دول الجوار لها بل وجوار الجوار، وبشكل مفاجئ دون أن يحمل مقدمات مسبقة حتى بالنسبة لبعض الدول التي كانت تصنف في أدبيات النظم العربية المقارنة بأنها «أوطان ناعسة».

    وعبّر عن هذا المعنى جلياً الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القبرصي، نيكوس أناستاسيادس، ورئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، بالقاهرة في 8 أكتوبر 2019، حيث قال: «إن حالة الاضطراب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تمثل تهديداً للفرص المتاحة أمام دول الإقليم، وتحرم شعوبها أهم حق من حقوق الإنسان، هو الحق في الحياة الآمنة، فضلاً عن تعطيل تلك الشعوب عن اللحاق بركب التقدم والتنمية، وخلق أزمات جديدة في مجتمعاتهم، وتصدير تبعاتها إلى خارج المنطقة».

    وهنا تجدر الإشارة إلى أن تفاعلات عام 2019، سواء في بدايته أو نهايته، شهدت احتجاجات أدت إلى إسقاط قيادة النظام في السودان والجزائر، وتظاهرات واسعة في العاصمة العراقية بغداد ومدن الجنوب، والتي برزت فيها ملامح تحولات 2011، بعد رفع شعار «إسقاط النظام»، وتحشيد مواقع التواصل الاجتماعي، وقطع الإنترنت، والحديث عن مؤامرة واتخاذ قرار حظر التجوال وعودة انتشار «الملثمين»، واستدعاء رواية الطرف الثالث (القناصة المجهولين)، وسقوط القتلى، ومشاهد الفوضى، والتلويح بخيار الدولة أو اللادولة، فضلاً عن تنظيم إضرابات متكررة في تونس ولبنان والأردن، لأسباب متباينة.

    محركات دافعة

    يمكن تناول المحركات الرئيسة للاحتجاجات والإضرابات في بعض الدول العربية، خلال الثلث الأخير من عام 2019، على النحو التالي:

    1- منع عودة رموز النظم السابقة

    استهدفت مطالب القوى الاحتجاجية إسقاط هياكل النظام السياسي في العراق، وهذه هى المرة الأولى التي يطالب فيها بعض المحتجين بإسقاط النظام، لأنهم يشعرون، حسب بعض الاتجاهات، بعدم جدوى محاولات الإصلاح الذي نادت به التظاهرات خلال السنوات الماضية، ويرون أنه قد حان الوقت لإجراء تغيير جذري في منظومة الحكم القائمة منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003.

    كما طالب المحتجون بعدم السماح بعودة رموز نظام صدام حسين أيضاً، ودعا قادة التظاهرات إلى «إجراء انتخابات مبكرة للمؤسسة التشريعية، على أن يحظر مشاركة الشخصيات من الأحزاب السياسية التي شاركت في حكم العراق من نظام صدام إلى نظام الكتل المتحاصصة، ليتاح للمستقلين المخلصين انتشال العراق من وضعه السياسي والاقتصادي والثقافي المتدهور».

    واستمر الحراك الجزائري منذ 12 فبراير الماضي، وصولاً إلى التظاهر يوم «الجمعة 34» في مطلبه الرئيس المتمثل في عدم إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد 12 ديسمبر المقبل، لأنها تمثل - من وجهة نظر المتظاهرين - خدعة هدفها إطالة عمر بقاء نظام بوتفليقة، فضلاً عن التخوف من وصول أحد رموزه إلى حكم البلاد على مدى خمس سنوات مقبلة. ومن أبرز الشخصيات المرشحة للفوز بمنصب الرئيس في الانتخابات المقبلة: رئيسا الوزراء السابقان: عبدالمجيد تبون، وعلي بن فليس، وربما تراهن بعض المؤسسات على أحدهما (مرشح السلطة)، وفقاً لبعض التحليلات.

    2- تدخلات الأطراف الخارجية

    مثلت بعض الاحتجاجات التي شهدها عدد من الدول اعتراضاً على تدخل بعض الأطراف الخارجية في الشؤون الداخلية، مثلما هي الحال بالنسبة للدور الإيراني في العراق، لاسيما بعد ضغوط طهران لإجراء تغييرات في قادة المؤسسة العسكرية العراقية، والتي قامت بدور محوري في دحر كوادر وقيادات تنظيم «داعش» من المدن التي كان يستوطنها، إذ برزت تلميحات لدور إيراني في إبعاد الفريق الركن عبدالوهاب الساعدي، إلى دائرة الإمرة في وزارة الدفاع.

    لذا، نشر العديد من الحسابات على «تويتر» صوراً عن إحراق العلم الإيراني في الاحتجاجات العراقية. وبالمنطق المعاكس، هاجم المرشد الإيراني، علي خامئني، المتظاهرين العراقيين، في 7 أكتوبر الجاري، ووصف تظاهراتهم بـ«المؤامرة» من جانب «أعداء يحاولون دق إسفين بين طهران وبغداد»، ما يمثل امتداداً لاتهامات من جانب بعض المسؤولين الإيرانيين، للولايات المتحدة والقوى الإقليمية الحليفة لها بالوقوف خلف الاضطرابات في العراق.

    3- تدهور الأوضاع الاقتصادية

    تعد الأوضاع المعيشية محدداً حاكماً لقوى الاحتجاج في العديد من الدول العربية، بحيث كان توفير فرص عمل وحل مشكلة البطالة، خصوصاً في أوساط الشباب العراقي، أحد المحركات لاندلاع احتجاجات بغداد والمحافظات الجنوبية، إذ تضمنت مطالب الشباب «إنشاء المصرف الوطني للشباب لدعمهم وإقراضهم في إنشاء الشركات الصغيرة، وتسليفهم في أمور الزواج والصحة وإكمال التعليم».

    ويواجه لبنان مأزقاً مالياً حاداً، تمثل في ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملة الوطنية (الليرة)، إذ إن التجار يشترون المواد بالدولار ويبيعونها للمستهلك بالليرة، ما يفسر تنامي موجة الملاحقات القضائية لعدد من الصرّافين، بل تشير بعض الكتابات إلى ملامح أزمة في استيراد الأدوية، ما يفسر اندلاع الإضرابات في عدد من المدن. غير أن الحكومة أكدت، أخيراً، السير في إجراءات تأمين استقرار سعر صرف الليرة.

    4- تراجع الخدمات العامة

    كان أحد المطالب الرئيسة للتظاهرات الاحتجاجية، التي اجتاحت المحافظات الجنوبية العراقية، المطالبة بتوفير الخدمات الأساسية وإصلاح البنى التحتية، خصوصاً المتعلقة بالمياه الصالحة للشرب والكهرباء، ما دعا المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في 4 أكتوبر الجاري، إلى تحميل الحكومة والبرلمان والقضاء المسؤولية الأساسية في عدم إيجاد حلول للأزمات المتراكمة منذ أكثر من عقد من السنين. وتضمنت مطالب المتظاهرين «إلغاء مجالس المحافظات ومكاتب المفتشين العموميين، ومنح سلطات أوسع للمحافظين وللقضاة في الإدارة والرقابة».

    كما أكد بيان قادة التظاهرات العراقية أهمية الشروع في «توفير التأمين الصحي لكل العراقيين، وزيادة الدعم المالي والفني والإداري للمستشفيات ومراكزها الصحية وعياداتها الشعبية، مع الالتزام بتوفير الأدوية والفحوص والإمكانات لكل العمليات الجراحية». وطالب البيان، في موضع آخر، بـ«البدء بمشروع البناء الوطني المدرسي الذي يشمل بناء 25 ألف مدرسة لأربع سنوات، وتأهيل المدارس الحالية مع الحرص على البدء ببرنامج تطوير الملاكات التدريسية والتربوية». وينطبق ذلك على الإضرابات والتظاهرات في بعض المناطق الطرفية بتونس.

    5- تعزيز الرقابة المالية والإدارية

    تعتبر مكافحة الفساد مطلباً رئيساً في ساحات الاحتجاج بعدد من الدول العربية، حيث طالبت قوى الاحتجاج العراقية بـ«إحالة كل ملفات الفساد والفاسدين إلى القضاء»، و«تشكيل لجنة إعادة المال العام في الداخل والخارج، وإعادة الممتلكات والآثار العراقية، ومراجعة ممتلكات الدولة والوقف السني والوقف الشيعي وإزالة التجاوزات على الأملاك العامة». بل طالب رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، في تصريحات لقناة «العربية» في 6 أكتوبر الجاري، بوضع «الحيتان الكبيرة» من الفاسدين في السجون، وتعهد بالانضمام للمحتجين ما لم تنفذ مطالبهم.

    6- عودة المطالب الفئوية

    استمر إضراب المعلمين الأردنيين على مدى خمسة أسابيع، أمام مديريات التربية والتعليم بالتزامن مع بدء العام الدراسي، لاسيما بعد رفض وزارة التربية والتعليم إقرار علاوة المعلمين (50%)، وبررت رفضها بعدم توافر مخصصات مالية، في ظل استمرار عجز الموازنة للثلث الأخير من العام المالي الحالي، وتم اعتقال بعض المعلمين من جانب أجهزة الأمن ثم أفرج عنهم. وقد مثل ذلك رقماً قياسياً كأطول إضراب نقابي شهدته البلاد، بعد توقف نحو 100 ألف معلم عن التدريس، بشكل أثر في 1.5 مليون طالب وطالبة.

    وقدمت الحكومة، في 5 أكتوبر الجاري، اعتذاراً للمعلمين المضربين عن التدريس، خصوصاً أن مطالب النقابة تمثلت في الاعتراف والاعتذار، حيث قال رئيس الوزراء، عمر الرزاز: «إن كرامة المعلم من كرامتنا، وهيبته من هيبتنا، ولا نقبل الإساءة للمعلم والتقليل من احترامه بأى شكل من الأشكال»، مضيفاً: «الحكومة تأسف لأي حدث انتقص من كرامة المعلمين، وتلتزم باستكمال التحقيق والأخذ بنتائجه وننتظر نتائج تقرير التحقق من المركز الوطني لحقوق الإنسان، لاتخاذ الإجراءات المناسبة».

    وشهد لبنان، خلال الأيام الماضية، إضراباً مفتوحاً قام به أصحاب محطات البنزين، وانضم إليهم أصحاب الأفران والمخابز، بسبب تفاقم أزمة المحروقات. كما قام عدد من رؤساء وممثلي القوائم الحزبية والمستقلة بالقيروان في تونس بتنفيذ وقفة احتجاجية بمقر الهيئة الفرعية للانتخابات، مطالبين بحق النفاذ إلى المعلومة للاطلاع على كل محاضر الفرز، وذلك على خلفية التضارب بخصوص نتائج الانتخابات التشريعية، والتباين في عدد الأصوات المصرح بها من قبل هيئة الانتخابات بالمدينة، وفي هذا الإطار صرح رئيس قائمة الحزب الدستوري الحر، سمير الحداد، لصحيفة «الشروق» التونسية، في 9 أكتوبر الجاري، قائلاً: «إن هناك تلاعباً وشبهات ترتقي إلى جرائم».


    تبريد الاحتجاجات

    ثمة تباين في المطالب التي ترفعها قوى الاحتجاج بالدول العربية، فضلاً عن غياب قيادة لتلك القوى والحركات، ما يفقدها العقل المحرك لها، ولا يوجد من يمثلها في المفاوضات مع الحكومة، إلى جانب غياب لجان التنسيق (التنسيقيات) في ما بينها على مستوى المحافظات أو المناطق، على نحو يجعل الحكومات تراهن على «تبريد» أو تراجع زخم الاحتجاجات، وهو ما حدث فعلاً بالنسبة لبعضها، لاسيما في ظل انحصارها بمناطق جغرافية محددة، على نحو ما عبرت عنه الحالة العراقية التي لم تشهد محافظاتها الشمالية والغربية احتجاجات، خصوصاً المناطق التي دمرتها الحرب ضد تنظيم «داعش» على مدى أربع سنوات، وهو ما توازى مع اتخاذ حكومة عادل عبدالمهدي قرارات لاحتواء غضب قوى الاحتجاج، مثل إقرار إعانة بطالة لـ150 ألف شخص، وتوفير وحدات سكنية لمحدودي الدخل، وإنشاء مجمعات تسويقية في مناطق تجارية ببعض المحافظات، ومنح عائلات قتلى الاحتجاجات امتيازات ذوي الشهداء.

    وعلى مستوى آخر، تعاني بعض الحكومات العربية تراكمات ورثتها من حكومات سابقة، ما يعطيها ذريعة ضرورة إعطاء قوى الاحتجاج والتظاهر نافذة فرصة لتصحيح بعض الأوضاع، غير أنها تتبنى نهج الاستجابة الجزئية والحلول المؤقتة. وفي النهاية، تظل الجوانب البنيوية للاحتجاجات - في دول عربية - قائمة وقابلة للانفجار في أية لحظة مجدداً، نتيجة توافر وقود الاشتعال.

    بعض الاحتجاجات، التي شهدها عدد من الدول، مثلت اعتراضاً على تدخل بعض الأطراف الخارجية في الشؤون الداخلية، مثلما هي الحال بالنسبة للدور الإيراني في العراق، لاسيما بعد ضغوط طهران لإجراء تغييرات في قادة المؤسسة العسكرية العراقية.

    طباعة