اختلال متزايد في صفوفها وانشقاقات استغلتها المعارضة

تحديات صعبة أمام أحزاب السلطة في دول المنطقة

صورة

تواجه الأحزاب الحاكمة أو المهيمنة أو أحزاب السلطة أو «أحزاب الرئيس» في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، تحديات ضاغطة تؤثر على بقائها أو تحالفاتها أو برامجها، على نحو ما عبرت عنه حالات السودان والجزائر وتونس وتركيا وإسرائيل خلال الأشهر القليلة الماضية، وهو ما يمكن تفسيره استناداً لجملة من الاعتبارات تتمثل في غياب القيادات التاريخية، وبروز خلافات الأجنحة السياسية، والممارسات السلطوية لرؤساء الأحزاب السياسية، والتنافس على الزعامة الحزبية، وتفتت الائتلافات الحاكمة في الاستحقاقات الانتخابية. وسيظل لتلك الإشكاليات تأثيرات عدة تتعلق باستغلال المعارضة الانشقاقات المتتالية، القائمة والمحتملة، لتعزيز وضعها السياسي، واختلال التوازنات الداخلية لمصلحة أطراف سياسية وربما ميليشيات مسلحة، وعرقلة ترتيبات المراحل الانتقالية، التي تواجهها دول الموجة الثانية من الحراك الشعبي.

تحديات عدة

يتمثل أبرز الإشكاليات التي تواجه أحزاب السلطة في بعض دول الشرق الأوسط على نحو ما عكسته تفاعلات النصف الأول من عام 2019 في:

1- غياب القيادات التاريخية أو ما يعرف في الأدبيات بـ«بيولوجيا الموت السياسي»، على نحو ينطبق على وضع حزب «نداء تونس» بعد وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي في 25 يوليو 2019. وعلى الرغم من أن «نداء تونس» كان يعاني مشكلات عدة قبل وفاة السبسي، لكن ستصير تلك المشكلات مضاعفة بعد غيابه، نظراً للافتقاد للرمز السياسي الذي يمكن أن يُوحِّد الفرقاء السياسيين داخل الحزب.

وفي هذا السياق، انقسم الحزب إلى جبهتين متنازعتين هما: «جبهة المنستير» بقيادة حافظ قايد السبسي، و«جبهة الحمامات» بقيادة رئيس الكتلة البرلمانية سفيان طوبال، الأمر الذي أدى إلى خسارة الحزب لأغلبيته البرلمانية وبلوغه المرتبة الثالثة في حجم الكتل البرلمانية بعد الكتلة التي تمثل كلاً من «حركة النهضة» و«الائتلاف الوطني»، وهو ما يشير إلى تأثر وضعية «نداء تونس» نتيجة الخلافات الداخلية.

وتتعلق تلك المشكلات بانشقاق غالبية أعضاء حزب «نداء تونس» نتيجة ممارسات نجل الرئيس السابق حافظ قايد السبسي، لأسباب خاصة بتحالفه مع بعض الرموز التي توجه لها اتهامات بالفساد المالي (تبييض الأموال والتهرب من الضرائب)، وهو ما يفسر دعم الرأي العام للحملة التي يقودها رئيس الوزراء يوسف الشاهد لملاحقة عدد من رجال الأعمال.

2- بروز خلافات الأجنحة السياسية، خاصة الناتجة عن الانقسامات تجاه التعامل مع الحراك الشعبي، على نحو ما جرى في السودان والجزائر، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى حدوث تصدعات في حزب «المؤتمر الوطني» بعد تنحية الرئيس السابق عمر البشير من السلطة، وكذلك حزب «جبهة التحرير الوطني» بعد استقالة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

فحزب «المؤتمر الوطني» الذي ظل حاكماً في عهد البشير على مدى ثلاثة عقود (1989-2019) عانى صراعاً بين جبهتين: إحداهما مؤيدة للبشير وأخرى معارضة له، كما أن هذا الحزب يواجه مقاومة شديدة من قوى «إعلان الحرية والتغيير» وبعض أعضاء المجلس العسكري الانتقالي للعودة إلى المشهد على أسس جديدة، لاسيما أن ممارساته كانت أحد الأسباب الرئيسة للحراك الثوري ضد نظام عمر البشير. كما بدأت الانقسامات داخل الحزب مع إعلان البشير ترشحه في الانتخابات الرئاسية عام 2020.

وكذلك الانشقاق الذي شهده حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الحاكم في الجزائر، وهو إحدى ركائز التحالف الرئاسي الحاكم، وإعلان أمينه العام أحمد أويحيى تأييده لمطالب المواطنين ومطالبته لبوتفليقة بالاستقالة من منصبه، وإعلان اللجنة المركزية للحزب شغور منصب الأمين العام للحزب، وتأييد دعوة الجيش على اعتبار أنها تمثل بداية حقيقية لحل الأزمة من خلال تشكيل حكومة توافقية من غير الطبقة السياسية، مع تبني آليات لمراقبة الانتخابات، وهو ما تصادم مع جناح آخر كان يدعم بقاء بوتفليقة في الحكم.

3- الممارسات السلطوية لرؤساء الأحزاب السياسية، والتي أدت إلى حدوث انشقاقات متتالية، على غرار تلك التي يتعرض لها حزب «العدالة والتنمية» في تركيا، خاصة بعد هزيمة بعض مرشحيه في الانتخابات البلدية في أنقرة وأزمير واسطنبول، على نحو ما انعكس في استقالة علي باباجان من عضوية الحزب أخيراً، بل إن ثمة محاولات يقودها باباجان باعتباره أحد مؤسسي الحزب ونائب رئيس الوزراء السابق، والذي نجح في تحقيق نجاح اقتصادي للبلاد، لتدشين حزب جديد مع الرئيس السابق عبدالله غول.

وفي هذا السياق، تشير تصريحات عدة لباباجان في وسائل إعلامية إلى أن «الاختلافات في القيم والمبادئ تجعل من المستحيل عليه الاستمرار في الحزب»، مضيفاً أن «تركيا بحاجة إلى رؤية جديدة يتم وضعها بالتشاور مع الجماعات المختلفة»، كما تعبر تصريحات رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، في توقيتات مختلفة عن مخاوفه من الأوضاع داخل الحزب، وعلى الرغم من تأكيده أنه سيظل عضواً في الحزب، إلا أنه يضيف أن الاستقالة من الحزب ستكون الملاذ الأخير.

ويعكس ذلك تصاعد الأصوات داخل الحزب التي تطالب بالعودة إلى السياسات الأولى مع نشأته في عام 2001 ووصوله للحكم في العام الذي يليه، والتي كانت تركز على الإصلاح الديمقراطي وسيادة القانون، لاسيما أن ثمة مشكلات داخلية تعكس النمط السلطوي للحكم، منها سيطرة الدولة الكاملة على وسائل الإعلام، وتراجع سيادة القانون وتفاقم الأزمة الاقتصادية، غير أنه من السابق لأوانه الحديث عن الانقسام الحاد داخل حزب «العدالة والتنمية» والتركيز على مرحلة ما بعد الرئيس رجب طيب أردوغان.

4- التنافس على الزعامة الحزبية، وهو ما ينطبق على حزب «المؤتمر الشعبي» في اليمن بعد مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح ورفيقه عارف الزوكا، إذ تتمثل أكبر عقبة تواجه مساعي توحيد صفوف أعضاء الحزب خلال المرحلة المقبلة في التنافس على زعامته وتضارب أجندات أعضائه، فهناك فريق من قيادات الحزب في صنعاء يدفع باتجاه تولي صادق أمين أبوراس قيادة الحزب، وهو مدعوم من ميليشيا الحوثيين، أما الفريق الآخر، والذي يعرف بـ«قيادات الخارج»، فيدعم نجل الرئيس السابق أحمد علي.

غير أن هناك فريقاً ثالثاً يطالب بمسألة توحيد الحزب، إلا أنه ينطلق من قاعدة أن زعيمه هو الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي، لاسيما أنه كان نائباً لرئيس الحزب، قبل الانقلاب الحوثي عليه. ومع تدهور علاقته بالجناح الذي كان يتزعمه صالح، تم الإعلان في صنعاء عن إطاحته مع قيادات أخرى من المنصب الحزبي، ولم تنجح جهود هادي في سياق مساعيه للحوار مع قيادات حزب «المؤتمر»، عبر تنظيم لقاءات معهم، نظراً لوجود اعتراضات عليه من قبل الموالين لصالح.

وكان آخر هذه اللقاءات، وفقاً لما ذكرته بعض المصادر اليمنية، الاجتماع بين قيادات الحزب في جدة في 22 يوليو 2019، الذي لم يتم فيه التوصل إلى رؤية توافقية جامعة بشأن إعادة ترتيب الحزب من الداخل، نظراً للصراع المستمر على الزعامة وعدم القدرة على عقد مؤتمر عام للحزب في الداخل اليمني لانتخاب قيادة جديدة وفقاً للوائح التي تحكمه. وعلى الرغم من صدور بيان ختامي للاجتماع الذي حضره القياديان أحمد عبيد بن دغر، ورئيس البرلمان سلطان البركاني، إلا أن الكثير من التحليلات ترى أن ما جرى لا يعكس خبرة حزب حكم اليمن على مدى ثلاثة عقود.

فقد جاء في بيان الاجتماع: «إن الاجتماع جاء انطلاقاً من استشعار مجموعة من قيادات وكوادر حزب المؤتمر الشعبي العام لمسؤوليتهم التاريخية تجاه الوطن، وما يمر به من أحداث ومؤامرات جسام تكاد تعصف به وتخرجه من محيطه الإقليمي، تسبب فيها الانقلاب الذي قامت به الميليشيات الحوثية المدعومة من النظام الإيراني»، مشيراً إلى أن «المجتمعين اتفقوا على أهمية توحيد حزب المؤتمر الشعبي العام، وإيجاد إطار عام لتفعيل دور الحزب في الحياة السياسية اليمنية، وقرروا الاستمرار في المداولات والمناقشات والتواصل الفعال مع قيادات المؤتمر في الخارج والداخل لحثهم على المشاركة في هذه الجهود».

5- تفتت الائتلافات الحاكمة في الاستحقاقات الانتخابية على نحو ما تشير إليه خبرة الأحزاب في إسرائيل التي ستواجه استحقاقاً في 17 سبتمبر المقبل. وفي هذا السياق، يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى توحيد أحزاب اليمين المتطرف المتحالفة معه في الحكومة، لاسيما مع نزول تلك الأحزاب بشكل منفرد في الانتخابات التي أجريت في أبريل 2019، حيث سقط حزبان، وخسر اليمين بذلك ستة مقاعد، وصار نجاح نتنياهو جزئياً، وهو ما تعثر معه تشكيل حكومة مستقرة.

غير أن ثمة خلافاً حول رئاسة اتحاد أحزاب اليمين، فهناك اتجاه يدعم الرباي رافي بيرتس، وزير المعارف الجديد، واتجاه آخر يعزز من فرص إيلييت شاكيد وزيرة القضاء السابقة. وفي هذا السياق، يحاول نتنياهو التوصل لحل وسط بين الاتجاهين، حتى تخوض أحزاب اليمين الانتخابات ككتلة موحدة.

تأثيرات محتملة

هناك تداعيات عدة متوقعة في حال ما إذا استمرت بل وتنامت التحديات التي تواجهها أحزاب السلطة في بعض دول الإقليم، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- استغلال المعارضة الانشقاقات المتتالية، القائمة والمحتملة، لتعزيز وضعها السياسي،فعلى سبيل المثال، إذا فقد حزب «العدالة والتنمية» عدداً كبيراً من أعضاء البرلمان في تركيا خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لاسيما مع انقسام الحزب، فإن ذلك سيمثل نافذة فرصة لقوى المعارضة، التي يأتي في مقدمتها حزب «الشعب الجمهوري» وأحزاب أخرى.

2- اختلال التوازنات الداخلية لمصلحة أطراف سياسية وربما ميليشيات مسلحة،على نحو ما تعكسه حالة حزب «المؤتمر الشعبي» باليمن، حيث تبذل أطراف عدة جهوداً لإعادة الحزب إلى المشهد السياسي ليكون قوة وازنة في مواجهة الحوثيين وحزب «التجمع اليمني للإصلاح»، لاسيما أن الفصيلين الأخيرين يسعيان للسيطرة على السلطة لخدمة أجندتهما الضيقة.

وكذلك الحال بالنسبة لـ«حركة النهضة» في تونس التي تحاول الهيمنة على ترتيبات المرحلة الانتقالية بسبب أغلبيتها التشريعية بمجلس نواب الشعب بعد تفكك الكتلة البرلمانية لحزب «نداء تونس» وتعثره في استعادة تماسكه بعد وفاة السبسي. وما يدعم من حظوظ «النهضة» الافتقاد للتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية نتيجة تقييد صلاحيات القائم بأعمال رئيس الدولة محمد الناصر.

3- عرقلة ترتيبات المراحل الانتقالية،والتي تمر بها دول ما يسمى بـ«الموجة الثانية من الحراك الشعبي»، وهي السودان والجزائر، فأحد التحديات التي تواجه إنفاذ الاتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى «إعلان الحرية والتغيير» الموقع في يوليو الماضي، يكمن في مقاومة استبعاد قيادات وأعضاء حزب «المؤتمر» من تفاعلات المشهد السياسي بعد تنحية البشير في 11 أبريل الماضي،لذا أعرب الحزب في بيان صادر عنه في 13 أبريل الماضي، عن أمله في أن «تستكمل عملية الاتفاق السياسي على مستقبل البلاد دون إقصاء أحد»، مشدداً على أنه «يطالب بالحقوق المتساوية لكل القوى السياسية، فضلاً عن الأفراد دون إقصاء، وفي إطار العدالة والقانون». وأكد الحزب «رفض اعتقال قياداته ورئيسه المفوض وعدد كبير من رموزه، ويطالب بإطلاق سراحهم فوراً، خاصة أن المجلس العسكري أفرج عن جميع المعتقلين».

ثقوب مزدوجة

ستظل التحديات التي تواجهها أحزاب السلطة في بعض دول الشرق الأوسط، قائمة خلال المرحلة المقبلة، إذ لا توجد مؤشرات تكشف عن مواجهتها والحد من تأثيراتها، ما يضاعف من تداعيات عدم الاستقرار السياسي، لاسيما أن الخبرة العملية تشير إلى عدم قدرة فصيل أو حزب سياسي على تحمل أعباء الحكم بمفرده من ناحية، وتعثر الائتلافات الحاكمة من ناحية أخرى.

• تواجه الأحزاب الحاكمة أو المهيمنة أو أحزاب السلطة أو «أحزاب الرئيس» في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، تحديات ضاغطة تؤثر في بقائها أو تحالفاتها أو برامجها، على نحو ما عبرت عنه حالات السودان والجزائر وتونس وتركيا وإسرائيل خلال الأشهر القليلة الماضية.

طباعة