علينا الاستفادة من دروس حرب العراق

    يجب التحضير جيداً لكل موقف تتخذه واشنطن نحو إيران

    صورة

    أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أخيراً، أن إدارته ستنشر حاملة طائرات، إضافة إلى قاذفات «ب52» العملاقة في الشرق الأوسط كاستعراض للقوة ضد الإيرانيين. ووفق ما قاله مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، فإن المعلومات الاستخباراتية التي قدمتها إسرائيل تشير إلى أن وكلاء إيران يستعدون لتوجيه ضربات ضد المصالح الأميركية في سورية، وضد ناقلات النفط في مناطق حيوية وحساسة مثل مضيقي باب المندب وهرمز. والأمر الأكثر قلقاً أن الرئيس ذكر أنه يراجع خطط الحرب مع وزارة الدفاع من أجل غزو إيران. وتدعو هذه الخطة إلى إرسال 120 ألف جندي إلى المنطقة في تقليد غريب لحرب العراق التي وقعت عام 2003.

    واشنطن تعلمت الدروس الخطأ من العراق

    يعتقد المنادون بالحرب أنهم تعلموا دروساً من حرب العراق، وأن استئصال البعثيين من الدولة وحل الجيش العراقي كانا أسوأ خطأين تم ارتكابهما في العراق. ولكن المشكلة الكبرى مما سبق هي النقص في حجم القوات. إذ إن الحرب كانت بحاجة إلى نحو نصف مليون مقاتل مع وجود خطة لبقائهم في العراق لعقود عدة، ولكن القوات التي أرسلتها البنتاغون كانت 250 ألفاً فقط، مع وجود خطة لمغادرة هذه القوات العراق خلال ستة أشهر. وسواء كان ذلك في عام 2003 أو الآن فإن الولايات المتحدة لم تؤمن الجيش المناسب الكافي لغزو وتأمين العراق، وفي الوقت ذاته الحفاظ على وضعها الدفاعي العالمي. وبناء عليه حاربت في العراق دون التحضير الجيد للحرب، وبالطبع ليست هناك حرب بلا تحضيرات كاملة، فإذا كان المرء غير مستعد لدفع فاتورة الحرب بصورة كاملة فليس هناك داعٍ لقرع طبولها.

    إيران ليست كالعراق

    في العراق واجه الجيش الأميركي جيشاً عراقياً مهلهلاً ضعيفاً، نتيجة خضوعه لعقد من العقوبات. وكان يسيطر على العراق نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي كان نظاماً علمانياً. وعندما تمت إطاحة صدام حسين أثار ذلك فرح الكثير من العراقيين. لكن الطائفة السنية شعرت بالخوف من إمكانية تعرضها للانتقام، وهذا ما قد حدث فقد تم إبعاد السنة عن السياسة وجميع المواقع المهمة وهي خطوة خاطئة، لأن بقاء المسؤولين الذين كانوا في عهد صدام حسين، إضافة إلى بقاء الجيش كما هو كانا سيلعبان دوراً مهماً في استعادة العراق لاستقراره سريعاً.

    لكن من ناحية أخرى، فإن إيران مجتمع أكثر قوة من العراق عام 2003. كما أن إيران يقودها نظام إسلامي خطر يحوي خليطاً من الأشخاص المعادين لأميركا. ومع ذلك فإنه ثمة حقيقة مفادها أن قلة قليلة من الإيرانيين يمكن أن ترحب بالجنود الأميركيين كمحررين.

    وفي الفترة ما بين 2002 و2003، كان جون بولتون وزملاؤه من المحافظين الجدد، يعتقدون أنه يمكنهم استخدام قوات غير تقليدية من سكان البلد مثل «مجاهدي خلق» كرأس حربة في إيران. واعتقد المحافظون الجدد عام 2003 أن المعارض العراقي أحمد الشلبي، ومجموعته من النصابين السياسيين، كانوا يشكلون حكومة عراقية جاهزة يمكنها أن تتسلم الحكم حين سقوط نظام صدام. لكن اتضح أن هذا الاعتقاد كان كارثياً، إذ إن العراقيين لم يكونوا يعرفون الشلبي، أو مستعدين للتعامل معه.

    أما «مجاهدي خلق»، فإنهم مشابهون للشلبي فهم مجموعة صغيرة وضعيفة ومعظمهم من الماركسيين ويعادون الأميركيين في خطابهم، ومارسوا الضغوط على أشخاص أمثال بولتون من أجل شن الحرب على إيران. وهذه المجموعة لن تكون أفضل من الشلبي عام 2003.

    وربما تمكنا من تحديد عناصر معارضة في إيران يمكن استخدامها كحكومة ما بعد الحرب، تكون مؤيدة لأميركا، إذ لابد أن هناك معارضين لرجال الدين الذين يحكمون طهران، إلا أنهم سيكونون أقلية، لكن معظمهم أشخاص وطنيون لا يمكنهم التعاون مع الأميركيين الذين يغزون بلادهم. ولنتذكر أن التظاهرات المعارضة لحكم رجال الدين الأخيرة انطلقت من معظم المدن الدينية في إيران، ولم يكن يريد أنصارها إلا مزيدا من الفرص وتطوير الاقتصاد.

    وبالطبع ستكون هناك قضية حول المؤسسات التي يجب أن تبقى أو تزول في مرحلة ما بعد الحرب. والجدير بالذكر أن قوات الحرس الثوري، التي تعمل على فرض أيديولوجية النظام يجب حلها وكذلك قوات فيلق القدس، إذ إنهما ستكونان العمود الفقري لأي مقاومة للمخططات الأميركية في ما بعد الحرب. والأكثر خطورة أن مثل هذه المجموعات هي الأكثر تنظيماً في إيران.

    وبخلاف البعثيين في العراق المجاورة، فإن الأشخاص الذين يشاركون في الحكم الديني لإيران سيكونون أكثر التزاماً وتمسكاً بقضيتهم من البعثيين في العراق. وبعبارة أخرى، فإن أي خطط إعادة إعمار لإيران ما بعد الحرب، تتطلب مئات الآلاف من الجنود زيادة على ما كانت تتوقعه واشنطن، كما أنها ستتطلب من الوقت والمال أكثر بكثير مما تريد إدارة ترامب إنفاقه.

    وكما هي الحال في العراق، أيضاً، يتعين على واشنطن ألا تتوقع أي دعم من الأمم المتحدة خلال إعادة إعمار ما بعد الحرب. وبناء عليه، فإن إعادة إعمار إيران ستقع على كاهل دافع الضرائب الأميركي، إضافة إلى الجيش الأميركي.

    حرب غير تقليدية

    ينبغي توقع أن يشن الإيرانيون حرباً متواصلة وغير تقليدية ضد القوات الغازية. ومنذ عقود خلت دأب الإيرانيون على تطوير السلاح النووي. وعلى الرغم من أن إيران لا تملك سلاحاً متطوراً يمكنها أن تهدد به الولايات المتحدة، فإنها تمتلك قدرات بدائية يمكن أن تهدد بها القوات الغازية. ومع وجود 120 ألف جندي على الأرض، فإن مثل هذه الهجمات غير التقليدية ضد القوات الأميركية يمكن أن تؤدي إلى إنهاكها. إضافة إلى ذلك، فإن الإيرانيين يستطيعون شن هجمات على الأميركيين بأسلحة «إلكترومغناطيسية»، وهذا يعني أنهم قادرون على إتلاف قدرة السلاح الأميركي قبل أن يصل إليهم ويدمرهم. وتستطيع إيران أن تشن هجوماً سيبرانياً ليس ضد الجيش الأميركي، وإنما ضد المدنيين في الولايات المتحدة. ويمكن أن تقوم إيران بتنشيط تواصلها مع الشبكات الإرهابية، وتطلب منهم الهجوم ضد أهداف مدنية في الولايات المتحدة والدول الحليفة لها. وتستطيع هذه المجموعات أن تفجر قنابل قذرة في الولايات المتحدة، ما يزيد تكاليف هذه الحرب بالنسبة للولايات المتحدة.

    وفي الحقيقة، فإن هدفي ليس إقناع إدارة ترامب بأن تتخذ موقفاً صلباً ضد إيران، وإنما أريد أن يكون موقفها أكثر صلابة وذكاءً ضد إيران مما كان عليه أسلافه. والحقيقة أن النظام في طهران يشكل خطراً كبيراً على مصالح الولايات المتحدة. كما أن إصرار طهران على امتلاك السلاح النووي مقروناً مع طموحاتها الاستراتيجية في المنطقة يجعلها أكثر خطراً. لكن القيام بحرب لتغيير النظام بالطريقة نفسها التي تمت بها حرب العراق، من شأنه أن ينطوي على نتائج كارثية على الجيش والاقتصاد الأميركيين، في وقت تحاول فيه إدارة ترامب الوقوف في وجه الصين وروسيا.

    براندون ويتشرت صحافي أميركي


    يعتقد المنادون بالتصعيد أنهم تعلموا دروساً من حرب العراق، وأن استئصال البعثيين من الدولة وحل الجيش العراقي كانا أسوأ خطأين تم ارتكابهما في العراق.

    طباعة