بعد أن أصبحت المنافس الرئيس لواشنطن

الصين تتجسس على إسرائيل لســرقة أسرار أميركية

صورة

خلال الشهر الجاري، ستتقدم وكالة الأمن القومي في إسرائيل للحكومة بتوصياتها، بشأن الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل. ونظراً لحساسية القضية، ليس هناك أي وزير في الحكومة الإسرائيلية مستعد للتحدث عن الموضوع. ومع ذلك، من الواضح أن مراجعة السياسة والتقارير التي أعدتها الوكالة، تركز على الصين.

وخلال العقد الماضي، زادت الصين استثماراتها الاقتصادية والعسكرية، ومصالحها في الشرق الأوسط، بما فيه إسرائيل. وتتجاهل الحكومة الإسرائيلية تصرفات الصين منذ أمد بعيد، لكن خلال الفترة الأخيرة بدأ الأمر يلفت انتباهها. وتعين على وكالة الأمن القومي الإسرائيلي المصالحة بين سياستين متناقضتين، تنطوي كلاهما على أهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، ومصالحه المتعلقة بالأمن القومي.

والسياسة الأولى هي المقبولة من قبل جميع أطياف الحكومة منذ عقود عدة، والمتمثلة في تشجيع الاستثمارات الأجنبية، والخصخصة للممتلكات والمنشآت الحكومية، وتوسيع الأسواق الدولية من أجل البضائع الإسرائيلية. وخلال السنوات الأخيرة، ومثل العديد من المصدرين الآخرين، توجهت الشركات الإسرائيلية نحو الشرق إلى آسيا، لتطوير الأنظمة الاقتصادية هناك، والصين بصورة خاصة.

استثمار في الشرق الأوسط

وأشارت إحصائية أخيرة، أجراها الوسط المخابراتي الإسرائيلي، إلى أن الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط ارتفعت بنسبة 1700%، في الفترة ما بين 2012 و2017. وقام الصينيون باستثمار نحو 700 مليار دولار في المنطقة. وتركز نصفها تقريباً في قطاع الطاقة، و150 ملياراً في قطاع البحث والتنمية، و113 ملياراً في الصناعة، و103 مليارات في قطاع النقل، و68 ملياراً في المجال العسكري، وأربعة مليارات على شكل قروض مالية، و155 مليار مساعدات إنسانية.

وفي الفترة ما بين 1992 إلى 2017، نمت تجارة الصين البينية مع إسرائيل من 50 مليون دولار، إلى 13.1 مليار دولار، بحيث أصبحت إسرائيل أضخم شريك تجاري للصين في آسيا، وثالث أضخم شريك اقتصادي في العالم بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي النصف الأول من عام 2018، وصلت واردات الصين من إسرائيل إلى 2.77 مليار بزيادة قدرها 47%، مقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2017.

أما السياسة الثانية، فهي الدفاع عن الممتلكات الاستراتيجية الوطنية والبنية التحتية، من احتمال وقوعها تحت سيطرة حكومات أجنبية أو الاستحواذ عليها من قبل حكومات أو شركات أجنبية، حتى لو لم تكن معادية لإسرائيل. وبالنظر إلى اقتصادها المتطور تقنياً، تواجه إسرائيل المشكلة الدقيقة المتمثلة في التجسس الأجنبي، وسرقة تقنياتها المتطورة. وعززت الصين وروسيا، في الفترة الأخيرة، من جهود تجسسهما في إسرائيل، خصوصاً للحصول على الشركات التقنية المملوكة للقطاع الحكومي أو الخاص، وعبر هذه الشركات يمكن الوصول إلى التقنيات الأميركية.

واستهدفت الصين اثنتين من أضخم شركات تصدير الأسلحة الإسرائيلية، هما «إسرائيل إيروسبيس إندستريز»، و«رافائيل لصناعة الأسلحة»، إضافة إلى شركة «إيلبيت» لصناعة المنظومات. وتمتلك الحكومة الشركتين الأوليين، في حين أن الشركات الثلاث لها أفرع في الولايات المتحدة، والتي تساعد على صناعة معظم الأسلحة المتطورة في إسرائيل، بما فيها الصواريخ والتجهيزات الإلكترونية المتطورة. ولطالما كانت هذه التصميمات والأسرار التجارية مرغوبة جداً، من قبل أجهزة المخابرات والحكومات في جميع أنحاء العالم.

وكشفت التحقيقات، التي قامت بها أجهزة مكافحة التجسس الإسرائيلية، أن معظم القرصنة الصينية، عبر الإنترنت، كانت تستهدف الشركات الإسرائيلية، التي لها علاقات مع شركات مهتمة بصناعات الدفاع في الولايات المتحدة. وتتعاون الشركات الإسرائيلية مع نظيرتها الأميركية، مثل «رايثون» وبوينغ، ولوكهيد مارتن، في مشروعات مشتركة، تتضمن طائرات حربية من طراز «إف15» و«إف16»، وصواريخ «أرو» المخصصة لأنظمة الدفاع. ومن الواضح أن الصين ترى إسرائيل باعتبارها الباب الخلفي، الذي تستطيع من خلاله الوصول إلى، واختراق أسرار البرامج الأميركية.

وتعتبر إسرائيل قوة عالمية، عندما يتعلق الأمر بالحرب السبرانية، التي تتميز بأهمية كبيرة بالنسبة لموسكو وبكين. وإذا تمكنت الدولتان من سرقة التقنيات المتطورة جداً، فإنها يمكن أن تشكل خطراً على الولايات المتحدة والعالم الغربي.

وبناء عليه، فليس من المستغرب أن الدولتين لهما سفارتان ضخمتان في تل أبيب، تقومان بدور مراكز لتطوير ورعاية مصالحهما. وحتى وقت قريب، كانت الصين مهتمة بشراء قطعة أرض في حي فاخر في هرتزيليا، من أجل بناء سفارتها الجديدة. وهي قريبة جداً من مركز قيادة المخابرات الإسرائيلية المعروفة باسم «الموساد»، وجهاز المخابرات العسكرية المعروف باسم «الوحدة 8200»، في منطقة «غليوت» شمال تل أبيب.

وفي محاولتهما اختراق التركيبات الدفاعية وسرقة التقنيات التي لها علاقة بالأمن، واجهت الصين وروسيا منافساً صارماً وماهراً، ومصمماً، هو جهاز الأمن الإسرائيلي الداخلي المعروف باسم «شين بيت»، المتخصص في مكافحة التجسس وحماية المعلومات.

لكن الشركات المتخصصة في صناعة التقنيات، التي يمكن استخدامها في المجالين العسكري والمدني، تحظى بشك أقل من الحماية. وخلال سنوات عدة، أهملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مخاطر الأمن التي تسببها الصين، بل على العكس فقد شجعت رجال الأعمال الصينيين على الاستثمار في إسرائيل، وشراء الممتلكات الإسرائيلية.

غزو صيني

وخلال السنوات الخمسة عشرة الماضية، غزت الشركات الصينية إسرائيل، واشترت شركة «تنوفا»، وهي أضخم شركة لصناعة الألبان في إسرائيل، وفازت بمناقصات لإنشاء الطرق، والسكك الحديدية الخفيفة في تل أبيب. وأعربت الصين عن نيتها شراء شركات تأمين، ومصارف إسرائيلية، كي تستأجر مساحات شاسعة من الأراضي في صحراء النقب، لإنتاج الأفوكادو والقمح، ولبناء سكة حديد من تل أبيب إلى إيلات. وتقوم شركات البناء الصينية، الآن، بتوسيع ميناءي حيفا وأسدود، اللذين يستقبلان معظم واردات إسرائيل.

إضافة إلى ذلك، حصلت الشركات الصينية على امتيازات تشغيل وإدارة الموانئ الجديدة، لمدة 25 عاماً. ويعتبر الميناءان قاعدتين أيضاً للبحرية الإسرائيلية، بما فيها البنية التحتية البحرية الثقيلة، التي تضم أسطول الغواصات الإسرائيلية. ويقال إن أسطول الغواصات الخمس - يستعد لاستقبال السادسة العام المقبل من ألمانيا - يحمل صواريخ برؤوس نووية.

ولسنوات عدة، دأب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ونائبه وزير النقل والمخابرات يزرائيل كاتس، الذي يعمل وزيراً للخارجية أيضاً، على تشجيع الصينيين على الدخول إلى السوق الإسرائيلية، وهما يفتخران بهذه الإنجازات. وقلة من المسؤولين حاولوا تحذير نتنياهو وحكومته، بمن فيهم قادة «الشين بيت»، والرئيس السابق للموساد إفرام هالفي، بشأن الخطر الصيني، لكن هذه التحذيرات لم تؤخذ على محمل الجد. حتى أن الأدميرال شاؤول تشوريف، الذي كان موظفاً في وزارة الدفع لم يهتم بالأمر.

مخاوف

أعرب الأدميرال شاؤول تشوريف، الذي أصبح رئيساً لمركز حيفا لسياسة البحر والاستراتيجية في جامعة حيفا، عن بعض المخاوف بشأن الجيران الصينيين الجدد لقاعدة أسطول الغواصات. وقال تشوريف، لمجلة فورين بوليسي: «أعترف بأنني لم أكن مهتماً كفاية بالموضوع، لأنني كنت مشغولاً بقضايا مهمة أخرى، لكن الآن إنني أحذر من هذه المشكلة أي الصينيين»

لكن هذا الإهمال الإسرائيلي توقف نتيجة ضغط خارجي، إذ إن الإدارة الأميركية تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الرئيس لها، كما أنها تحولت من الشرق الأوسط إلى آسيا، والمحيط الهادي وشبه الجزيرة الكورية.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أعلن عن حرب تجارية مع الصين، وحاول لجم التوسع الاقتصادي والعسكري الصيني. ومن أحد أكبر مخاوف الولايات المتحدة، مشاركة الصين في ميناء حيفا، الذي يستضيف زيارات متعاقبة لسفن الأسطول السادس، بما فيها حاملات الطائرات.

لهذا السبب فإن الوجود الصيني في إسرائيل لفت انتباه واشنطن. وطلبت إدارة ترامب من إسرائيل خفض علاقاتها مع الصين، حيث إن مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، طلب ذلك مباشرة. ولا ترغب إسرائيل في إهانة الصين أو إذلالها، وهو الأمر الذي يعتبر حساساً، في ما يتعلق بكرامتها، ويدفعها إلى الانتقام بلاشك. لكن إسرائيل لا تستطيع تجاهل طلب، يعتبر أمراً من أهم حلفائها الاستراتيجيين.

وفي الماضي، عندما كان الأمر يتعلق بالعلاقات بين الدول الثلاث، كانت الصين تخضع لضغوط إسرائيل، لأنه يتعين عليها الامتثال لأوامر واشنطن. وبالتأكيد فإن حالات الفشل السابقة، خصوصاً في موضوع الموانئ، لا يمكن إصلاحه. أما في ما يتعلق بالعقود التي منحت للصين، فلا يمكن إلغاؤها.

وبناء عليه، فإن التقرير المرتقب لوكالة الأمن القومي الإسرائيلي، يمكن أن يركز على المستقبل، ويبحث عن حل يرضي واشنطن دون إهانة بكين، ويقدم بضع توصيات للحكومة التي تصبو إلى معالجة الحاجات الاقتصادية، دون التفريط في المنشآت الاستراتيجية الضرورية، والمصالح في مجال المياه، والأرض، والغذاء والاتصالات والمال.

وثمة أمر واضح، مفاده إذا كان التقرير سيؤدي إلى سن قوانين، أو وضع أنظمة جديدة، فإنه سيوظف لغة عامة تتجنب ذكر أي دولة بعينها. وستتم الإشارة إلى جميع الدول، والشركات الأجنبية، وإن كان الجميع يعرف أن الهدف الرئيس سيكون روسيا والصين.

- عززت الصين

وروسيا، في الفترة

الأخيرة، جهود

تجسسهما

في إسرائيل،

خصوصاً للحصول

على الشركات

التقنية المملوكة

للقطاع الحكومي

أو الخاص، وعبر

هذه الشركات

يمكن الوصول

إلى التقنيات

الأميركية.

- قلة من المسؤولين

حاولوا تحذير نتنياهو

وحكومته، بمن فيهم

قادة «الشين بيت»،

والرئيس السابق

للموساد إفرام

هالفي، بشأن الخطر

الصيني، لكن هذه

التحذيرات لم تؤخذ

على محمل الجد.

طباعة