مستثمرون أميركيون يستكشفون الفرص على الجزيرة بعد «صفقة ترامب»
طموحات الباحثين عن النفط في «غرينلاند» تصطدم بعقبات سياسية وجيولوجية
فتحت الصفقة التي أبرمها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لإنهاء سعيه للسيطرة على جزيرة غرينلاند، الباب أمام موجة من الباحثين عن الموارد الطبيعية الذين يأملون في جني الثروات التي يعتقدون أنها مدفونة تحت الجليد.
ومن بين أولئك، الباحث عن النفط من تكساس، روبرت برايس، الذي يراهن على قدرته على استخراج ما يصل إلى 13 مليار برميل من النفط في الجزيرة القطبية الشمالية، وهو ما يعادل تقريباً أكبر احتياطي نفطي في أميركا الشمالية، والموجود في خليج برودهو بألاسكا.
وقال برايس: «لقد نقّبت عن النفط وعثرت على ملايين البراميل خلال مسيرتي المهنية، لكن لم تتح لي أبداً فرصة التنقيب عن مليارات البراميل».
وعلى مدى 150 عاماً على الأقل، انجذبت مجموعة من المضاربين والقادة السياسيين الأميركيين إلى «غرينلاند»، ليجدوا طموحاتهم تحبطها الحقائق القاسية على أرض الواقع، سواء السياسية أو الجيولوجية.
ويراهن الجيل الأحدث من المنقبين على أن الوضع سيكون مختلفاً هذه المرة، وسيتعين عليهم التغلب على مجموعة كبيرة من العقبات التي أعاقت مثل هذه المساعي لعقود، والمتمثلة في شكوك السكان المحليين في نيات الأميركيين، والجهود الرامية إلى الحفاظ على بيئة الجزيرة وأسلوب الحياة التقليدي، إضافة إلى تحديات أحد أقسى المناخات الطبيعية في العالم.
مستثمرون
ويقول الجيولوجيون الدنماركيون والغرينلانديون، إن برايس يبالغ في تقدير فرص نجاحه وكمية النفط التي قد تكون موجودة هناك، موضحين أن احتمال العثور على نفط صالح للاستخدام في أي مكان بالحوض لا يتجاوز 7% بسبب المخاطر الجيولوجية.
لكن الباحث روبرت برايس، الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة «غرينلاند إنيرجي» التي تتخذ من دنفر مقراً لها، والبالغ من العمر 66 عاماً، لم يثنه ذلك عن عزمه، فقد لفتت خططه للتنقيب عن النفط انتباه فيل ماكغرو، أحد المؤيدين الصريحين للرئيس دونالد ترامب والمعروف باسم «دكتور فيل»، الذي خطط لإنتاج سلسلة وثائقية من ستة أجزاء يرافق فيها «الباحث عن النفط» برايس ويبث محاولاته للتنقيب مباشرة.
وبرايس ليس وحده، حيث إنه يوجد من بين المستثمرين الأميركيين الآخرين الذين يستكشفون الفرص على الجزيرة، درو هورن، وهو جندي سابق في قوات النخبة الأميركية، لديه خطط لإنشاء مركز بيانات يعمل بالذكاء الاصطناعي ويتم تشغيله بالطاقة الكهرومائية، كما هناك الرئيسة السابقة لبرنامج الأغذية العالمي، جوزيت شيران، التي ترأس مجموعة استثمارية تدعى «شركاء تنمية غرينلاند».
إشادة
وكان ترامب أشاد بهذه الفرصة المتاحة للأميركيين، بعد توقيع الاتفاقية مع «غرينلاند» والدنمارك، التي تمنع منافسي الولايات المتحدة، الصين وروسيا، من الاستثمار في الموارد الطبيعية للجزيرة دون موافقة أميركية، وتخفف من التوتر الدولي حول «غرينلاند»، الذي كان يثني المستثمرين.
وقال على منصة «تروث سوشيال» أخيراً: «التنقيب الضخم عن النفط والغاز والمعادن على وشك أن يبدأ في (غرينلاند) الجديدة والجميلة».
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة كوبنهاغن، مايكل فيدبي راسموسن: «لقد عززت الولايات المتحدة وجودها هناك»، مضيفاً: «إذا أرادت الولايات المتحدة زيادة نفوذها في (غرينلاند)، وهو ما سيتطلب بعض الاستثمارات، فإن هذا الطريق أصبح الآن أكثر انفتاحاً مما كان عليه من قبل».
صفقات
ويأمل المستثمر درو هورن أن تساعد الاتفاقية الأخيرة في تبديد أي شكوك متبقية تحيط بجهوده، فقد كان الجندي السابق من بين ثلاثة أميركيين على الأقل دفعت زياراتهم إلى الجزيرة الحكومة الدنماركية العام الماضي إلى استدعاء المبعوث الأميركي على خلفية اتهامات بأنهم كانوا يعملون سراً لتحريض سكان «غرينلاند» ضد الدنمارك، التي تمتلك هذا الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي.
وكان هورن زار «غرينلاند» للمرة الأولى بصفته عضواً في «لجنة تنسيق السياسات الخاصة بـ(غرينلاند)»، التي شكلتها إدارة ترامب الأولى كهيئة تابعة لمجلس الأمن القومي بهدف استكشاف سبل حماية المصالح الأميركية هناك، ووصف الادعاءات التي تفيد بأنه كان جزءاً من حملة تأثير سرية، بأنها «خيالية».
ويترأس هورن حالياً شركة «جرين مت» الاستشارية، التي تعمل على ترتيب صفقات المعادن بين الحكومة الأميركية والشركات الخاصة.
وقال هورن: «في الواقع، أنا مجرد رجل أعمال أحاول إبرام صفقات تعود بالنفع على جميع الأطراف، وبالطبع تحقق لي وللمساهمين في شركتي أقصى عائد ممكن».
مجموعة استثمارية
كما تقف جوزيت شيران، التي شغلت منصب وكيل وزارة الخارجية في عهد كوندوليزا رايس عندما كانت وزيرة الخارجية الأميركية، وراء مجموعة استثمارية أثارت تساؤلات محلية حول نياتها.
وأقرّ البرلمان الغرينلاندي، في نوك، العام الماضي قانوناً يحظر على الأجانب وغير المقيمين شراء العقارات في الجزيرة، وفي يونيو دفعت مجموعة شيران، «شركاء التنمية في غرينلاند»، مبلغ 823 ألف دولار مقابل منزل في وسط مدينة نوك باسم شريك تجاري محلي، يدعى يورغن ويفر يوهانسن، وفقاً لإيصال مصرفي اطلعت عليه صحيفة «وول ستريت جورنال».
وكانت مجموعة شيران قد استثمرت سابقاً في شركة محلية صغيرة متخصصة في مياه الينابيع، يشارك يوهانسن في ملكيتها، والتي بدت حتى وقت قريب غير نشطة، وفقاً لسجل الشركات في «غرينلاند».
وبعد فترة وجيزة من بيع المنزل، وصلت شيران لأخذ قياسات الأثاث، حسبما قال المالك السابق للمنزل. وكانت صحيفة «ويكيندافيسن» الدنماركية قد أوردت خبر شراء المنزل في وقت سابق.
ويبدو أن المجموعة الاستثمارية «الشراكة لتطوير غرينلاند» لا تمارس سوى القليل من الأنشطة التجارية الفعلية في «غرينلاند».
فرص
وأعلن موقع إلكتروني يحمل اسم المجموعة عن فرص استثمارية متنوّعة، بما في ذلك في مجال الطاقة الكهرومائية وكبل اتصالات بحري.
ومع ذلك، لم تتمكن صحيفة «وول ستريت جورنال» من التحقق من هويات 10 من أعضاء الفريق والمستشارين المدرجين على الموقع، أما المؤسسة المالية المدرجة على الموقع، وهي «بنك نوردك للاستثمار»، فلا توجد لها أي بيانات أو سجلات تثبت وجودها.
ولم تتلقَّ رسائل البريد الإلكتروني المرسلة إلى جميع العناوين المدرجة الخاصة بالمجموعة الاستثمارية أي إجابة، أما رقم الاتصال الوحيد الموجود على الموقع فيؤدي إلى خط ساخن لطلبات «دومينوز بيتزا» في الدنمارك.
ولم ترد شيران على طلبات التعليق، كما لم يرد يوهانسن على الأسئلة المتعلقة بأسباب شراء مجموعة شيران لمنزل باسمه.
وواجه برايس، الباحث عن النفط من تكساس، وابلاً من الأسئلة هذا الصيف، عندما وصل على متن مروحية لإبلاغ سكان قرية إيتوكورتورميت بخططه للتنقيب بالقرب من منازلهم.
وراود السكان شكوك بأن له صلات بترامب، وعبروا عن قلقهم من أن يؤدي التنقيب إلى إتلاف المياه، ومناطق الصيد التي يعتمدون عليها في كسب رزقهم. عن «وول ستريت جورنال»
حقوق التنقيب
لا تمتلك شركة «غرينلاند إنيرجي» حقوق التنقيب عن النفط في «غرينلاند»، فهذه الحقوق مملوكة لشركة «80 مايل» البريطانية، ويدفع الرئيس التنفيذي لـ«غرينلاند إنيرجي» روبرت برايس، لشركة «80 مايل» مقابلاً لحفر آبار في موقع تبلغ مساحته مليونَي فدان في شبه جزيرة «جيمسون لاند»، نظير الحصول تدريجياً على حصة تصل إلى 70% في التراخيص.
وبعد اجتماع مثير للجدل عقده برايس، في الموقع، تولى رئيس «80 مايل»، وهو المُنقب الأسترالي رودريك ماكيلري، زمام الأمور بصفته المدير التنفيذي لشركة «غرينلاند إنيرجي»، وألغى عرض الفيلم الوثائقي «الدكتور فيل»، الذي أسهم في إثارة شائعات حول وجود صلات بين المشروع والرئيس الأميركي دونالد ترامب، واستقال ماكيلري من منصبه في أكتوبر الماضي، ورفضت شركة «غرينلاند إنيرجي» الإفصاح عن الأسباب، واكتفت بالقول إن الاستقالة لم تكن بسبب خلاف مع الشركة.
الاتفاقية مع «غرينلاند» تمنع منافسي أميركا من الاستثمار في الموارد الطبيعية للجزيرة من دون موافقة واشنطن.
التعامل مع الأنشطة غير القانونية
قال منقب النفط الأسترالي، رودريك ماكيلري، الذي عمل في جزيرة غرينلاند على مدى عقدين من الزمن، إن شركاءه الأميركيين قد بالغوا في حماسهم تجاه فرص التنقيب عن النفط في الجزيرة.
وأضاف: «أي شخص يأتي إلى (غرينلاند) للمرة الأولى يقول: يا إلهي، هذا المكان مذهل، وفي النهاية ينسون أنهم في بيت الغير».
وتابع ماكيلري: «عليك أن تحترم سكان (غرينلاند)، هناك طريقة معينة للقيام بهذه الأمور».
لكن بعد بضعة أسابيع من كلام ماكيلري، قامت شركة «غرينلاند إنيرجي» بسحب بارجة تحمل حفارة وحاويات إلى الجزيرة من دون إذن من الحكومة الغرينلاندية، التي هددت علناً بإرسال الشرطة والجيش للتعامل مع «الأنشطة غير القانونية»، وأجلت الشركة عمليات الحفر حتى أواخر العام المقبل على الأقل.
ويتم تمويل مشروع شركة «غرينلاند إنيرجي» النفطي بنحو 90 مليون دولار، جمعه المستثمر المقيم في ولاية إلينوي لاري سويتس، وقد مكنت هذه الأموال الشركة من الحصول على ترخيص ثانٍ من «80 مايل» لاستغلال رواسب معدنية في غرب «غرينلاند».
وقال سويتس إنه يعتقد أن روح المبادرة الأميركية قادرة على تطوير «غرينلاند» بطريقة لم تتمكن الإعانات الحكومية الدنماركية، أو التدخل الأجنبي، من تحقيقها.
وأضاف: «كان بإمكاني جني المال بطرق أخرى، ربما أسهل بكثير من هذه الطريقة، لكن الدافع الرئيس بالنسبة لي، هو إيماني بأن الرأسمالية على النمط الأميركي يمكنها إحداث فرق حقيقي في مكان، حيث اكتفى الجميع بالكثير من الكلام من دون القيام بأي عمل يُذكر».
يُشار إلى أن سويتس يترأس شركة تسعى إلى نشر «الروبوتات» في «غرينلاند» لتعزيز التصنيع المحلي.
وكسباً لثقة السكان المحليين، قدم المستثمر الأميركي في أغسطس مقترحاً من 36 صفحة إلى البيت الأبيض، دعا فيه إلى إنهاء الحظر الأميركي على منتجات الفقمة، التي انهارت صادرات «غرينلاند» منها في ظل القيود الدولية، ووصف سويتس «دبلوماسية جلد الفقمة» التي ينتهجها بأنها خطوة لبناء الثقة تجاه أصدقائه الغرينلانديين.
وقال: «إذا كان هذا يعتبر شراء للنفوذ، فأعتقد أن حياتنا كلها ليست سوى شراء للنفوذ لدى أصدقائنا، أليس كذلك؟».
تكاليف باهظة
ردت حكومة «غرينلاند»، الشهر الماضي، على ادعاء الإدارة الأميركية بأن «استكشافاً واسع النطاق للنفط والغاز والمعادن على وشك البدء» في الإقليم القطبي الشمالي.
وفي حين أقرّ نائب وزير التعدين في «غرينلاند»، يورغن هاميكن هولم، بـ«وجود أنشطة تقوم بها شركات أميركية»، إلا أنه قال لشبكة «سي إن إن»: «نحن بعيدون جداً عن الاستكشاف (الواسع النطاق)».
وأضاف: «هناك العديد من عمليات الاستكشاف الصغيرة الجارية، لكن قد يستغرق الأمر سنوات حتى تدخل حيز التشغيل»، مردداً ما أشار إليه الباحثون من صعوبات وتكاليف باهظة ينطوي عليها استخراج الموارد من «غرينلاند».
بدورها، قالت وزارة الخارجية الدنماركية، التي تُعد «غرينلاند» جزءاً مستقلاً منها، إنه إذا أرادت الولايات المتحدة استكشاف موارد «غرينلاند»، فسيتعين عليها القيام بذلك في إطار التشريعات السارية في الجزيرة القطبية الشمالية.
وأوضحت أن الاتفاقية الموقعة الشهر الماضي بين الولايات المتحدة والدنمارك و«غرينلاند» لم تغير هذا الأمر.
وأضافت الخارجية الدنماركية: «لا تمنح الاتفاقية المستثمرين من الولايات المتحدة أي معاملة تفضيلية، مقارنة بالمستثمرين من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخرى ودول الاتحاد الأوروبي وشركاء الحلف، في ما يتعلق بالوصول إلى الموارد الطبيعية في (غرينلاند)».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news