أعادت حقوق اللاجئين إلى الواجهة ووحدت الفلسطينيين تحت علم واحد

365 يوماً ونيران مسيرات العودة مشتعلة على حدود غزة

صورة

شهد آخر أيام شهر مارس العام الماضي انطلاق شرارة مسيرات العودة على طول الشريط الحدودي بين غزة وإسرائيل، حيث شارك آلاف الغزيين في فعالياتها التي كانت تنطلق كل يوم جمعة.

شرارة المسيرات لم تطفئها نيران الجيش الإسرائيلي التي أطلقت لمواجهة الشباب المشاركين، بل استمرت في الاشتعال على مدار عام كامل، لتتطور أشكال المسيرات بشكل لافت، ففي الشهور الأولى كانت تنظم كل يوم جمعة على طول الشريط الحدودي الشرقي، لتتمدد المشاركة إلى الحدود البحرية الشمالية بالقرب من المنطقة العسكرية الإسرائيلية المعروفة باسم زيكيم، والتي تنظم حالياً يوم الثلاثاء من كل أسبوع.

وفي بقية أيام الأسبوع، تنتشر وحدة الإرباك الليلي، وهي مجموعة مكونة من مئات الشبان، على طول الشريط الحدودي من مدينة خان يونس جنوباً إلى مدينة جباليا شمالاً، والتي تبدأ عملها ليلاً، مستخدمة وسائل متعددة، منها إشعال إطارات السيارات، للتشويش على الجنود الإسرائيليين.

وخلال التظاهرات الشعبية، استخدم الشباب الثائرون المشاركون في المسيرات وسائل متنوعة للتعبير عن مطالبتهم بحق العودة، ومواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية، منها البالونات الحارقة، والطائرات الورقية، واستخدام الزجاج العاكس، للتشويش على القناصة الإسرائيليين المتمركزين في الثكنات العسكرية على طول الشريط الحدودي الفاصل بين غزة وإسرائيل.

في الوقت ذاته، ونتيجة استخدام الجيش الإسرائيلي أنواعاً متعددة من الأسلحة لمواجهة المشاركين في المسيرات، استشهد 295 فلسطينياً من كلا الجنسين، وأصيب 29 ألفاً آخرون بجروح مختلفة، معظم تلك الإصابات كانت فقد أطراف سفلية وعلوية، جراء إطلاق جنود الاحتلال أعيرة نارية محرمة دولياً، مثل الرصاص المتفجر، ورصاصة الفراشة، التي تركت آثارها على جسد كل جريح.

نساء على الحدود

بعد مرور 365 يوماً على مسيرات العودة الحدودية، شكلت مشاركة المرأة الفلسطينية في فعاليات الحراك الشعبي عاملاً بارزاً في نجاح واستمرار التظاهرات السلمية، فقد شاركت آلاف النسوة في الفعاليات السلمية، سواء على الحدود البحرية الشمالية، أو تلك التي تنظم بشكل دوري على الحدود الشرقية البرية، حيث يحملن في آياديهن العلم الفلسطيني، مرتديات الثوب الفلاحي المطرز، وأخريات يتشحن الكوفية الفلسطينية، في مشهد يجسد تمسكهن بحق العودة الذي خرجن من أجل المطالبة به.

وساندت المرأة الرجال والشباب في مواجهة آلة إسرائيل العسكرية، ونيران جنوده، فتارة كانت تتقدم الصفوف وتصل إلى مسافة صفر من الحدود مع إسرائيل لتسعف المصابين، وتارة تحمل زجاجات المياه ومحاليل الملح لتوزيعها على المصابين، جراء إلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع، وفي مناطق أخرى تتقدم لإطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، التي تعد من الأساليب التي استخدمت كدرع واقٍ أمام الترسانة الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، تؤكد رئيسة لجنة المرأة في الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، كفاح الرنتيسي، أن مشاركة النساء في المسيرات الحدودية هي دليل مباشر على سلمية التظاهرات، ورسالة واضحة تدل على مساندة المرأة للرجل في كل الميادين.

وتقول الرنتيسي إن «المرأة تعمل منذ الإعلان عن مسيرة العودة على إعداد وتنظيم لجان خاصة بها لإدارة الميدان، كما تم تجهيز خيام خاصة بالنساء في نقاط التجمع قرب الحدود للقيام بنشاطات من ضمنها إبراز التراث الفلسطيني، وعرض الفلكلور الشعبي وخبز الصاج والطابون والعديد من الأنشطة المختلفة».

وتشير إلى أن مشاركة المرأة في مخيمات العودة اعتمدت على فكرة مساندة المتظاهرين، من خلال تأدية مجموعة من الفعاليات، أبرزها فعالية «راجعين على بلادي»، التي شاركت فيها النساء والفتيات بإطلاق البالونات قرب الشريط الحدودي، وهي تحمل أسماء القرى التي هجِّر منها أجدادهم قبل 71 عاماً.

وتوضح رئيسة لجنة المرأة في الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، كفاح الرنتيسي، أن عشرات السيدات المشاركات في مسيرات العودة يشاركن في تقديم الإسعافات الأولية للجرحى، من خلال عملهن متطوعات في مؤسسات محلية، أو بشكل فردي، لإنقاذ حياة المشاركين، رغم الخطر الذي يحدق بهن، لافتة إلى أن عدداً منهن استشهد وأصيب بجروح متفاوتة، وعلى رأسهن المسعفة الشابة رزان النجار، التي طالتها النيران الإسرائيلية وهي تسعف شابين أصيبا على الحدود الشرقية لمدينة خان يونس جنوب غزة.

حق العودة في الواجهة

المشاركون في مسيرات العودة طوال الشهور الماضية رفعوا علم فلسطين، ومفاتيح رمزية تدل على تمسكهم بحق العودة إلى ديارهم المهجرة، وهذا يعد أبرز المشاهد التي أحيتها المسيرات، حيث توحد الجميع تحت لون واحد، بعيداً عن رايات الفصائل الفلسطينية.

ويؤكد عضو الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، ماهر مزهر، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أن مسيرات العودة هي فعل شعبي نضالي، استطاع إعادة حق عودة اللاجئين إلى الواجهة، بعد محاولة إسرائيل تغييبها خلال السنوات الماضية، جراء ممارساتها التعسفية المتصاعدة، مستغلة حالة الانقسام السياسي بين الفصائل الفلسطينية.

ويقول مزهر لـ«الإمارات اليوم»، إن الالتفاف الجماهيري في مسيرات العودة من الشباب، جاء لتوجيه رسالة إلى العالم أجمع بأنهم متمسكون بحق العودة إلى ديار الآباء والأجداد، نافين في الوقت ذاته المقولة القائلة «الكبار يموتون والصغار ينسون».

ويضيف أن «المسيرات وسعت من مشاركة الجمهور الفلسطيني في المقاومة الشعبية لمواجهة إسرائيل، وتوفير مساحة واسعة لابتكار مزيد من الأدوات والأساليب لإدارة تلك المسيرات، إضافة إلى أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مكانتها».

من جهة أخرى، يوضح المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن مسيرات العودة أحيت مبدأ وفكرة العودة في ظل انشغال الدول العربية بقضايا وأزمات مختلفة، لافتاً إلى أنها عززت القرارات الدولية الداعمة لحق العودة الفلسطيني، ووجهت الشعب الفلسطيني تجاه البوصلة الحقيقة لمواجهة إسرائيل، الأمر الذي أبعدهم عن قضايا الخلاف السياسي الداخلي.

ويقول الدجني لـ«الإمارات اليوم»، إن «مسيرات العودة أعادت الاعتبار إلى القضية الفلسطينية التي حاول الكثيرون القفز عنها، وجعلتها تعود إلى واجهة القضايا العالمية من جديد، ووجهت نظر الشعب الفلسطيني نحو الاتجاه السليم، لاستعادة الوعي والنضال الوطني، باستخدام أدوات المقاومة الشعبية التي أربكت الشارع الإسرائيلي، إضافة إلى تحميل المجتمع الدولي مسؤولية استمرار إسرائيل خرق القوانين الدولية والقرارات الدولية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين».

ويؤكد الدجني أن مسيرات العودة وحدت الفصائل الفلسطينية التي شاركت جميعها في التظاهرات السلمية تحت علم واحد ولون واحد.


مشاركة النساء في المسيرات الحدودية هي دليل مباشر على سلمية التظاهرات، ورسالة واضحة تدل على مساندة المرأة للرجل في كل الميادين.

المشاركون في مسيرات العودة طوال الأشهر الماضية رفعوا علم فلسطين، ومفاتيح رمزية تدل على تمسكهم بحق العودة إلى ديارهم المهجرة، وهذا يعد أبرز المشاهد التي أحيتها المسيرات، حيث توحّد الجميع تحت لون واحد، بعيداً عن رايات الفصائل الفلسطينية.

المسيرات وسّعت من مشاركة الجمهور الفلسطيني في المقاومة الشعبية لمواجهة إسرائيل، وتوفير مساحة واسعة لابتكار مزيد من الأدوات والأساليب لإدارة تلك المسيرات، إضافة إلى أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مكانتها.

طباعة